• عدد المراجعات :
  • 2176
  • 11/29/2010
  • تاريخ :

الأثر التربوي للبداء

الورد

إنَّ الأثر التربوي الذي يترتب على القول بالبداء أمر لا يمكن إنكاره ، كيف والاعتقاد بالبداء يبعث الرجاء في قلوب المؤمنين ، كما أنَّ انكاره والالتزام بأَنَّ ما جرى به قلم التقدير كائن لا محالة دون استثناء ، يترتب عليه اليأس والقنوط. فيستمر الفاسق في فسقة والطاغي في طغيانه ، قائِلَين بأنه اذا كان قلم التقدير مضى على شقائنا، فلأي وجه نغير نمط أعمالنا بأعمال البر والتضرع والدعاء.

إنَّ الاعتقاد بالبداء يضاهي الاعتقاد بقبول التوبة والشفاعة وتكفير الصغائر باجتناب الكبائر ، فانَّ الجميع يبعث الرجاء في النفوس ويشرح قلوب الناس أجمعين ، عصاة ومطيعين حتى لا ييأسوا من روح الله ولا يتصوروا أنَّهم إذا قدر كونهم من الأشقياء فلا فائدة في السعي والكدح بل يعتقدوا بأَنَّ الله سبحانه لم يجف قلمه في لوح المحووالإثبات ، فله أن يمحوما يشاء ويثبت ما يشاء ، ويسعد من شاء ، ويُشقِيَ من شاء ، حسب ما يتحلى به العبد من مكارم الأخلاق وصالح الأعمال ويرتكب من طالحها وفاسدها. وليست مشيئته سبحانه جزافية غير تابعة لضابطة حكيمة ، فلوتاب العبد وعمل بالفرائض ، وتمسك بالعصم ، خرج من صفوف الأشقياء ودخل في عداد السعداء وبالعكس.

وهكذا كل ما قدر في حق الإِنسان من الحياة والموت والصحة والمرض والغنى والفقر يمكن تغييره بالدعاء والصدقة وصلة الرحم وإكرام الوالدين ، فالبداء يبعث نور الرجاء في قلوب هؤلاء.

 

2ـ البداء ليس تغييراً في علمه ولا في إرادته سبحانه

إنَّ علمه سبحانه ينقسم الى علم ذاتي وعلم فعلي ، فعلمه الذاتي نفس ذاته وهولا يتغير ولا يتبدل ، وأَما علمه الفعلي فهوعبارة عن لوح المحووالإثبات ، فهو مظهر لعلم الله في مقام الفعل ، فاذا قيل بدا لله في علمه فمرادهم البداء في هذا المظهر.

وان شئت قلت: إنَّ مراتب علمه سبحانه مختلفة ، ومحالُها متعددة. فأَولها وأعلاها العلم الذاتي المقدس عن التكثّر والتغير وهومحيط بكل شيء وكل شيء حاضر عنده بذاته. ثم يليه علمه الفعلي وله مراتب ومظاهر كاللوح المحفوظ ولوح المحووالاثبات ونفوس الملائكة والأنبياء. فلوكان هناك تغيير فانما هوفي هذه المظاهر ، وبالأخص لوح المحووالاثبات. فيقدر في ذلك اللوح كون الشخص من السعداء ولكنه يرتكب عملا طالحاً يوجب التغيير فيه فيكتب من الأشقياء ، ومثله خلافه. وإليه يشير سبحانه: ?يَمحوالله ما يَشاءُ وَيُثبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الكِتابِ?.

فالظاهر من الآية أَنَّ ام الكتاب هوالكتاب الوسيع الأصيل الذى يكتب فيه تقدير الكائنات بجملتها ومنها الإِنسان ، ولأجل ذلك يكون مصوناً من التغيير، لانعكاس جميع التقديرات فيه جملة واحدة وهذا بخلاف لوح المحووالاثبات فيكتب فيه التقدير الأول ولكنه لما كان مشروطاً بشرط غير متحقق ، يغيره التقدير الثاني.

وبذلك يظهر أنَّ التغيير في التقدير لا يلازم في التغيّر في العلم والإرادة وإنما التغيير في مظاهر علمه الفعلي أَي ما خلقه من الألواح والنفوس التى تنعكس فيها تقاديره. وعلى ضوء ذلك فيما أخذه أبوزهرة المصري في كتابه (الامام الصادق) ، على الشيعة الامامية في مسألة البداء ناشئ عن الغفلة عن محل المحو والإثبات وطروء التغير والتحول حيث قال: "من البداء الزيادة في الآجال والأرزاق والنقصان منها بالأعمال ولا شك أنَّ الزيادة في الآجال ، ان أريد ما قَدَّره الله تعالى في علمه الأزلي والزيادة عما قدر ، فذلك يقتضي تغيير علم الله ، وإن أُريد الزيادة عمّا يتوقعه الناس فذلك ممن ينطبق عليهم قوله تعالى:?وَبَدا لَهُم مِنَ الله مَا لَم يَكُونُوا يَحتَسِبُون?"10.

فيلاحظ عليه أولا: إنَّ زيادة الآجال والأرزاق ونقصانها بالأعمال مما لم تنفرد به الشيعة الإِمامية. ومن العجيب أن يغفل عما رواه أَئمة أهل الحديث.

وثانياً: إنَّ الزيادة في الآجال والأرزاق وإن كانت توجب التغيير في التقدير ، لكنها لا توجب التغيير في علم الله ومشيئته وإِرادته.

ومنشأ الخلط بين الأمرين هوجعل تقديره سبحانه نفس علمه الذاتي ، وتوهم أنَّ التغيير في الأول يوجب التغيير في الثاني. بل التقدير إنما هو في مظاهر علمه التي تسمى علماً فعلياً، وهي عبارة عن الألواح الواردة في الكتاب والسنة: من المحفوظ ، والمحووالاثبات. فزعم الكاتب أنَّ لله علماً واحداً وهوعلمه الأزلي وأنَّه هو مركز التقدير واستنتج منه أنَّ القول بالبداء يستلزم تغيير العلم الذاتي.

نعم هوسبحانه يعلم من الأزل أي عبد يختار أي واحد من التقديرين على مدى حياته ، وأَي عبد ينتقل من تقدير إلى تقدير ، فليس ها هنا تقدير واحد بل التقديرات بجملتها موجودة هناك بوجود جمعي لا يستلزم الكثرة والتثني.

*الإلهيات ، آية الله جعفر السبحاني 


في العدل والتكليف والقضاء والقدر

القضاء والقَدَر العينيَّان الكليَّان

القضاء والقدر في الكتاب والسنة (2) 

القضاء والقدر في الكتاب والسنة (1) 

العدل الإلهي ( 4 ) 

العلاقة بين القضاء والقدر، وإختيار الإنسان 

تفسير القَدَر والقضاء العينيين 

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)