• عدد المراجعات :
  • 1886
  • 5/9/2011
  • تاريخ :

مشاهد البعث والقيامة (4)

الورد

مشهد الميزان

إنّ هؤلاء الشهود الكثيرون يكفون في مقام القضاء وإتمام الحجة، غير أنّه سبحانه، لا يكتفي بهم، كما لا يكتفي بصحائف الأعمال التي ضبطت فيها جميع أفعال العبد جليلها، ودقيقها، بل يجسد وضع الإنسان بتوزين أعماله بالميزان الّذي يضعه يوم القيامة.

يقول سبحانه: "وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّة مِنْ خَرْدَل أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ"(الأنبياء:47).

والناس بين ثقيل الميزان وخفيفه يقول سبحانه: "فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ"(الأعراف:8-9).

غير أنّ الكلام في تبيين حقيقة هذا الميزان الّذي توزن به الأعمال، فهل هو كهذه الموازين الحسية الموضوعة فوق مناضد البقالين والعطارين، وشيء غيرها، فنقول:

لاشك أنّ النشأة الآخرة، أكمل من هذه النشأة، وأنّه لا طريق لتفهيم الإنسان حقائق ذلك العالم وغيوبه المستورة عنّا، إلاّ باستخدام الألفاظ التي يستعملها الإنسان في الأُمور الحسية. وعلى ذلك، فلا وجه لحمل الميزان على الميزان المتعارف خصوصاً بعد استعمال الميزان في القرآن في غير هذا الميزان المحسوس.

وبما أنّ توزين الأعمال بالموازين القسط، من الأُمور الغيبية الّتي لا يقف عليها الإنسان إلاّ بخرق الحجب وحضور ذلك المشهد، يعسر تبيين حقيقته، والّذي يمكن أن يقال إنّه ليس من قبيل هذه الموازين الحسية التي توزن بها الأجسام الثقيلة وغيرها. وما ذكر له من التفاسير لا يتجاوز حدّ الاحتمال.

الميزان في اللغة اسم آلة يوزن بها الشيء، يقول سبحانه: "وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ"(الرحمن:7)، فالله سبحانه يخبر فيها عن رفع السماء وخلقها مرفوعة، كما يخبر عن أنّه وضع لكل شيء ميزاناً يقدّر به، من غير فرق بين أن يكون جسماً وقولاً وفعلاً وعقيدة، فلكلّ شيء ميزانٌ يميّزبه الحقّ من الباطل، والصدق من الكذب، والعدل من الظلم، والرذيلة من الفضيلة. ولأجل هذه السّعة في معنى الميزان يقول سبحانه: "لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ"(الحديد:25)، فلا معنى لتخصيص الميزان هنا بما توزن به الأثقال، مع أنّ الهدف من إرسال الرسل وإنزال الكتب والميزان هو قيام الناس بالقسط في جميع شؤونهم العقيدية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية. وبذلك يعلم أنّ تفسير الميزان بالعدل، أو بالنبي، وبالقرآن، كلّها تفاسير بالمصداق، فليس للميزان إلاّ معنى واحد هو: ما يوزن به الشيء، وهو يختلف حسب اختلاف الموزون من كونه جسماً وحرارة ونوراً وضغطاً ورطوبةً وغير ذلك .

يقول صدر المتألهين رحمه الله: "ولو تأملوا قليلاً في نفس معنى الميزان، وجرّدوا حقيقة معناه عن الزوائد والخصوصيات، لعلموا أنّ حقيقة الميزان ليس يجب أن يكون البتة مما له شكل مخصوص، أو صورة جسمانية، فإنّ حقيقة معناه وروحه وسّره، هو ما يقاس ويوزن به الشيء، والشيء أعمّ من أن يكون جسمانياً وغير جسماني، فكما أنّ القبّان، وذا الكفتين وغيرهما ميزان للأثقال، والاسطرلاب ميزان للارتفاعات والمواقيت، والشاقول ميزان لمعرفة الأعمدة، والمسطر ميزان لاستقامة الخطوط، فكذلك علم المنطق ميزان للفكر في العلوم النظرية، وعلم النحو ميزان للإعراب والبناء، والعروض ميزان للشعر، والحسّ ميزان لبعض المدركات، والعقل الكامل ميزان لجميع الأشياء، وبالجملة ميزان كل شيء يكون من جنسه، فالموازين مختلفة والميزان المذكور في القرآن ينبغي أن يحمل على أشرف الموازين وهو ميزان يوم الحساب، كما دلّ عليه قوله تعالى: "وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ"(الأنبياء:47) وهو ميزان العلوم وميزان الأعمال القلبية، الناشئة من الأعمال البدنية"1.

ويؤيد ذلك أنّه سبحانه يصف الميزان بكونه منزلاً من جانبه سبحانه، كما في الآية السابقة ويقول: "اللهُ الذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَق وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ"(الشورى:17).

وبما أنّ توزين الأعمال بالموازين القسط، من الأُمور الغيبية الّتي لا يقف عليها الإنسان إلاّ بخرق الحجب وحضور ذلك المشهد، يعسر تبيين حقيقته، والّذي يمكن أن يقال إنّه ليس من قبيل هذه الموازين الحسية التي توزن بها الأجسام الثقيلة وغيرها. وما ذكر له من التفاسير لا يتجاوز حدّ الاحتمال.

يقول صدر المتألهين: "وأمّا القول في ميزان الأعمال، فاعلم أنّ لكل عمل من الأعمال البدنية، تأثيراً في النفس فإن كان من باب الحسنات والطاعات، كالصلاة والصيام والحج والزكاة والجهاد، وغيرها، فله تأثير في تنوير النفس وتخليصها من أسر الشهوات وجذبها من الدنيا إلى الأُخرى، ومن المنزل الأدنى إلى المحل الأعلى، وكذلك فلكل عمل حق مقدار معين من التأثير في التنوير والتهذيب .وإذا تضاعفت وتكثّرت الحسنات، فبقدر تكثرها وتضاعفها، يزداد مقدار التأثير والتنوير.

وكذلك لكل عمل من الأعمال السيئة قدراً معيناً من التأثير في إظلام جوهر النفس وتكديرها وتعليقها بالدنيا وشهواتها، فإذا تضاعفت المعاصي والسيئات، ازدادت الظلمة والتكثيف شدّة وقدراً، وكل ذلك محجوب عن مشاهدة الخلق في الدنيا. وعند قيام الساعة وارتفاع الحجب، ينكشف لهم حقيقة الأمر في ذلك، ويصادف كل أحد مقدار سعيه وعمله، ويرى رجحان إحدى كفتي ميزانه، وقوة مرتبة نور طاعته وظلمة كفرانه"2.

وعلى هذه النظرية، فليس هنا ميزان وراء انكشاف السرائر والملكات الحسنة والسيئة، وغاية ما في الأمر أنّ الإنسان يقف بعد رفع الحجاب على قربه وبعده من الربّ، وتتجسد له مرتبة نور طاعته وظلمة كفرانه .

وعلى ضوء هذا، فالقرآن ميزان، كما أنّ النبي ميزان، والإمام المعصوم ميزان، فلا غرو من أن نزور علياً ونقول:  "السلام على يعسوب الإيمان وميزان الأعمال، وسيف ذي الجلال"

ويقرب منه ما ذكره صاحب المنار، قال: "إذا كان البشر قد اخترعوا موازين للأعراض كالحرّ والبرد، أفيعجز الخالق البارئ القادر على كل شيء، عن وضع ميزان للأعمال النفسانية والبد نية، المعبّر عنها بالحسنات والسيئات بما أحدثته في الأنفس من الأخلاق والصفات، والنقل والعقل متفقان على أنّ الجزاء إنّما يكون بصفات النفس الثابتة، لا بمجرد ما كان سبباً لها من الحركات والأعراض الزائدة"3.

وبما قدمنا يندفع عمدة ما أشكل على المتقدمين من المتكلمين في توزين الأعمال من أنّ العمل عرض غير باق، فكيف يمكن توزينه في الآخرة؟!

فبعد إمكان توزين الحرارة والبرودة، والضغط والرطوبة، وغيرها من الأعراض الزائلة، بل توزين الطاقة والحركة والعمل التي هي الوجه الآخر للمادة، إذ ليست هي إلاّ المادة المستهلكة، وهي توزن بالآلات وتقاس، فيقال إن لهذا المحرك جهد كذا من الأحصنة، وغير ذلك من الأقيسة، فبعد إمكان وزن الأعراض وعمل الآلات، ألا يمكن وزن عمل الإنسان في الآخرة بوجه من الوجوه؟!

هذا كله حول الميزان في النشأة الأُخرى، واعلم أنّه سبحانه لم يترك الإنسان سدى، بل جعل لتشخيص صحة عقائده وأخلاقه وأعماله، موازين كالكتاب والسنّة والعقل، قال الإمام الباقر عليه السَّلام لأحد أصحابه:" إعرض نفسك على ما في كتاب الله، فإن كنت سالكاً سبيله، زاهداً في تزهيده، راغباً في ترغيبه، خائفاً من تخويفه، فاثبت وأبشر، فإنّه لا يضرك ما قيل فيك، وإن كنت مبائناً للقرآن، فماذا الّذي يغرّك من نفسك؟"4.

وعلى ضوء هذا، فالقرآن ميزان، كما أنّ النبي ميزان، والإمام المعصوم ميزان، فلا غرو من أن نزور علياً ونقول:

"السلام على يعسوب الإيمان وميزان الأعمال، وسيف ذي الجلال"5.

وفي الختام نشير إلى أمرين

الأوّل: إنّ بعض السلف، اغتراراً بالظواهر، ذهب إلى أنّ الميزان له كفّتان ولسان وساقان. وهو تعبّد بالظاهر وتعطيل للتعقل والتدبّر في نفس القرآن الكريم. بل الأولى لهم ان يقولوا: الميزان عبارة عمّا يعرف به مقادير الأعمال وليس علينا البحث عن كيفيته بل نؤمن به ونفوض كيفيته إلى الله تعالى، كما قال المحقق الدواني6.

الثاني: المنقول عن المعتزلة7 أنّهم ينكرون الميزان قائلين بأنّ الأعمال أعراض وقد عدمت، فلا يمكن إعادتها. وعلى تقدير إعادتها، لا يمكن وزنها، وعلى تقدير أمكانه، مقاديرها معلومةٌ له تعالى فوزنها عبث.

يلاحظ عليه: لو صحّت النسبة، فانّما يرد لو كان المراد من الميزان هو ما نقل عن بعض السلف. وأمّا على ما عرفت من التطور في الميزان فالشبهة مندفعة. وأمّا القول بأنّها معلومة، فالحكمة في التوزين مثل الحكمة في الحساب الذي لا شبهة فيه.

الإلهيات،آية الله جعفر السبحاني

- ------------------------------------------------------------

الهوامش:

1- الأسفار، ج9 ص 299.

2- الأسفار، ج 9، ص 303 ـ304.

3- المنار، ج 8، ص 323.

4- البحار،ج78، باب وصايا الباقر عليه السَّلام ،ص 162.

5- مستدرك الوسائل ،ج2،ص 197.

6- شرح العقائد العضدية،ج2،ص 264.

7- وهذه النسبة التي ذكرها المحقق الدواني في شرح العقائد العضدية غير صحيحة. قال القاضي عبد الجبار في شرح الأصول الخمسة: فإن قالوا: وأي فائدة في وضع الموازين التي أثبتموها، ومعلوم أنّه إنّما يوضع ليوزن به الشيء، ولا شيء هناك يدخله الوزن ويتأتى فيه، فانّ أعمال العباد وطاعاتهم ومعاصيهم أعراض لا يتصور فيها الوزن. قيل له: ليس يمتنع أن يجعل الله تعالى النور علماً للطاعة، والظلم أمارة للمعصية. ثم يجعل النور في إحدى الكفتين، والظلم في الكفّة الأخرى، فإن ترجحت كفّة النور حكم لصاحبه بالثواب، وإن ترجحت الأخرى حكم له بالأُخرى... إلى آخر كلامه...شرح الأصول الخمسة، ص 735 نعم، القاضي يتخيل أنّ المراد من الميزان هو المتعارف بيننا، وقد عرفت ما في ذلك.


قبول التوبة واجب على اللّه أو لا

من يدخل النَّار بلا حساب؟

من هم المخلدون في النار؟

الجنَّةُ ونعيمها - أنهار الجنَّة وعيونها

أشراط الساعة(4)

لقاء اللّه ومشاهدته العقلية

قبول التوبة واجب على اللّه أو لا ؟

 

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)