• عدد المراجعات :
  • 1904
  • 4/30/2011
  • تاريخ :

لقاء اللّه ومشاهدته العقلية

الورد

إن هناك لفيفاً من الآيات تعرب عن تمكن المؤمن من لقائه سبحانه يوم القيامة، يقول سبحانه: "فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً"(الكهف:110)1 .

الآيات الوافرة تشير إلى لقائه سبحانه. ولكن المفسرين "تنزيهاً له سبحانه عن الجسم والجسمانيات" أوّلوها إلى لقاء جزائه سبحانه وثوابه وعقابه، ورضاه وسخطه، وهذا المعنى مع صحته في نفسه، ومع التركيز على تنزيهه سبحانه عن المشاهدة بالعيون المادية، لا يمكن أن يكون معرباً عن كلّ ما تهدف إليه الآية، فإن لهذه الآيات معنى دقيقاً يدركه العارفون الراسخون في معرفته سبحانه، القائلين بأنّ المعرفة، بذر المشاهدة، لكن لا مشاهدة جسمانية، بل مشاهدة قلبية وعقلية2.

 

عاد الروحاني عند الحكماء

قد وقفت على تضافر آيات الكتاب وأحاديث السنّة على عدم حصر المعاد في الجسماني، كما تعرفت على حكم العقل في ذلك المجال، وأنّ حصره في المعاد الجسماني يخالف رحمة اللّه الواسعة وحكمته البالغة، وعلى ذلك فالشرع والعقل متعاضدان على أنّ هناك معاداً غير المعاد الجسماني، ولكن يجب إلفات نظر الباحث في المقام إلى نكتة وهي انّ المعاد الروحاني في الكتاب والسنة يرجع الى اللذات والآلام الروحية التّي تلتذ بها النفس وتتألم من دون حاجة إلى آلة جسمانية. وقد عرفت ما هو الوارد في الكتاب في هذا المجال من رضوانه سبحانه ولقائه والابتعاد عن رحمته وإحاطة الحسرة بالإنسان في تلك النشأة، فهذه هي حقيقة المعاد الروحاني التّي تتلخص في غير اللذات والآلام الجسمانية، وعلى هذا فهو يعمّ جميع أهل الجنة والنار من غير فرق بين الكاملين والمتوسطين.

وقد عرفت ما هو الوارد في الكتاب في هذا المجال من رضوانه سبحانه ولقائه والابتعاد عن رحمته وإحاطة الحسرة بالإنسان في تلك النشأة، فهذه هي حقيقة المعاد الروحاني التّي تتلخص في غير اللذات والآلام الجسمانية،

وعلى الجملة هناك لذّات روحية وآلام كذلك تحيط أهل الجنّة والنار من غير فرق بين طبقاتهم. وأمّا المعاد الروحاني عند الحكماء فهو يختلف عمّا وقفنا عليه في الكتاب بأمرين:

الأول: انّهم يخصّون المعاد الروحاني باللذات العقلية أي درك العقل الأمور الملائمة والمنافرة له، فإن اللذة عندهم على وجه الإطلاق تفسّر بإدراك الملائم من حيث هو ملائم، كالحلو من المذوقات. والملائم للنفس الناطقة، إدراك المعقولات بأن تتمكن النفس من تصوّر ما يمكن أن يدرك من الحق تعالى، وأنه واجب الوجود، بريء عن النقائص والشرور والآفات، منبع فيضان الخير على الوجه الأصوب، ثم إدراك ما يترتب بعده من العقول والنفوس المجرّدة والأجرام السماوية والكائنات العنصرية حتى تصير النفس بحيث ترتسم فيها صور جميع الموجودات على الترتيب الّذي هو لها.

وعلى هذا فإدراك الحس، الملائم للحس، معاد جسماني. وإدراك العقل، الملائم له، من الوجودات العالية، معاد روحاني.

وهذه العلوم وإن كانت حاصلة لبعض النفوس في هذه النشأة إلا أنّها معرفة ناقصة تتجلى بعد الموت في النشأة الأُخرى بصورة كاملة برفع الموانع والحجب، فكأنّ المعرفة العقلية بذر المشاهدة. فتلتذ النفوس في النشأة الأخرى بإدراك الأكمل فالأكمل.

وهذا كما ترى غير ما أشار إليه القرآن من اللذات الروحية، نعم لا مانع من ثبوت كلا النوعين من المعاد الروحاني، وليس الوارد في القرآن راداً لهذا القسم.

الثاني: إنّ المعاد الروحاني الوارد في القرآن الكريم يعمّ جميع النفوس، كاملة كانت ومتوسطة وناقصة. ولكن المعاد الروحاني الّذي عليه الحكماء يختص بصنف خاص، وهم الكاملون في المعرفة. وذلك لأنّ المعاد الروحاني حسب الكتاب والسنة، يرجع إلى اللذائذ الروحية لا إلى اللّذة العقلية التّي تختص بالكاملين في المعرفة.

يقول صدر المتألهين: "وهذا النوع من اللذة والسعادة لا تنالها كل نفس وإنما ينالها من عرف العقليات في النشأة الأولى، لأن المعرفة بذر المشاهدة فمعرفة العقليات في النشأة الأولى منشأ الحضور في العقبى"3.

إنّ المعاد الروحاني الوارد في القرآن الكريم يعمّ جميع النفوس، كاملة كانت ومتوسطة وناقصة. ولكن المعاد الروحاني الّذي عليه الحكماء يختص بصنف خاص، وهم الكاملون في المعرفة.

النفوس مختلفة ومنقسمة إلى كاملة ومتوسطة وناقصة، فلا شك أنّ حصر المعاد في الجسماني يخالف رحمته الواسعة وحكمته البالغة إذ النفوس الناقصة والمتوسطة، وإن كانت تلتذ بنعيم الجنة، ولكن النفوس الكاملة لا تلتفت إلى مثلها بل تطلب غاية أعلى منها، ولأجل ذلك يجب أن يكون هناك وراء هذه اللذات الحسية، لذة عقلية تتشوق إليها النفوس الكاملة وتصبو إليها، وليست هي إلا نيل مقامات القرب من الحق تعالى.

يقول الحكيم السبزواري: "لو حصروا المعاد في الجسماني لكان قصوراً حيث عطّلوا النفوس الكاملة عن البلوغ إلى غاياتها، لأنها المستصغرة للغايات الجزئية، الطالبة للاتصال بالأرواح المرسلة، بل لمحض القرب من اللّه تعالى".

وقال في موضع آخر: "إنّ الخلق طبقات فالمجازات متفاوتة، فكل منها محبوب ومرغوب وجزاء يليق بحالها، واللذائذ الحسية للكمّل في العلم والعمل، كالظلّ غير الملتفت إليه بالذات، والتفاتهم بباطن ذواتهم وما فوقهم"4.

ثم  إن للحكماء المتألهين في تبيين السعادة والشقاء الأُخرويين العقليين مباحث مهمة لا سيما في تبيين دور العقل النظري والعملي فيهما، فمن أراد الوقوف عليها فليرجع إلى مظانها5.

الإلهيات،آية الله جعفر السبحاني

--------------------------------------------------------------------------------

الهوامش:

1- ورد هذا المضمون في الذكر الحكيم في سور كثيرة منها: (الأنعام:31-154، يونس: 7-11 -15-45 ، العنكبوت: 5-23، السجدة: 10-23، فصلت:54.

2- ما ذكرناه نماذج من اللذات والآلام الروحية الدالة على أن الثواب والعقاب ليسا محصورين في الجسماني منهما، ومن أراد التوسع فليلاحظ كتاب "لقاء اللّه"، للعارف الكبير، الشيخ جواد الملكي، (م 1344 هـ ) وهناك روايات وردت حول الموضوع، فمن أراد الوقوف عليها فليرجع إلى توحيد الصدوق، وإلى الموسوعة القرآنية: "مفاهيم القرآن".

3- الأسفار، ج 9، ص 123، و129.

4-لاحظ إلهيات الشفاء، والمبدأ والمعاد للشيخ الرئيس. والأسفار الأربعة لصدر المتألهين، ج 9 وشرح المنظومة وأسرار الحكم، كلاهما للحكيم السبزواري، وغيرها من كتب الفلاسفة

5- شرح المنظومة للحكيم السبزواري، المقصد السادس، الفريدة الثانية 


صحائف الأعمال

مبررات الشفاعة

ضوابط جهادية

تفسير المعاد بالتناسخ وردّه

مشاهد البعث والقيامة (1)

الجنَّةُ ونعيمها – معنى الجنَّة

هل يجب في التوبة، الندم على القبيح؟

مما يهوِّن هول المحشر

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)