• عدد المراجعات :
  • 1552
  • 1/24/2009
  • تاريخ :

منطق العلم ومنطق السوق
منطق السوق

في سنة 1907 كان Hugo Devries وهو بيولوجي شهير وأحد الذين أعاد اكتشاف ما يعرف بقوانين مانديل Mendel، قد أدرك أنه بالنسبة لعلم تطبيقي كالهندسة الوراثية الزراعية يهيمن الاقتصادي على ما هو علمي Le scientifique بل ويحدد ما هو "صحيح علميا". ولعل ما نشهده اليوم من هيمنة مطلقة على حقل الهندسة الوراثية والعلوم البيولوجية من قبل المركب الجينو-صناعي Le complexe genetico-industriel وتوجيهه للبحث في هذين المجالين بمنطق الربح والسوق على حساب المعايير الأخلاقية والإنسانية، لغير خير دليل على ما ذهب إليه De vries. H . فالمركب المذكور بسيطرته على التقدم التقني يسعى إلى الرفع من قيمة أرباح الشركات المستثمرة على حسبا المصالح الحيوية للمجتمعات الإنسانية، كما أنه يعمل على تحويل القضايا السياسية إلى قضايا تقنو-علمية بالشكل الذي يمكنه من التحكم فيها أكثر.

إن إحدى المجالات الهامة التي يجري فيها إعمال سيطرة المركب المشار إليه أعلاه تتمثل اليوم فيما أصبح يعرف بالفلاحة الاصطناعية التي غدت حقل اختبار حقيقي للتقنيات التي تمكن من الحصول على أنواع من العضويات الحية يتم تعديلها أو تغيير شفرتها الوراثية بحيث تصبح ذات إنتاجية عالية وقدرات فائقة على المقاومة والتكيف مع ظروف إنتاجها. وقد أثار استعمال هذه التقنيات مواقف متناقضة بين أنصار يتشكلون من منتجي المواد والمنتجات الفلاحية، وهم يزعمون أن أشكال التحكم الوراثي التي يجري تطويرها في أحضان البيو-تكنولوجيات ستمتع بعض العضويات بخصائص وراثية جديدة من شأنها أن تسهم في محاربة المجاعة في العالم، ومناهضين يرون أن ذلك لا يخلو من مخاطر عدة، أهمها اختفاء التنوع البيولوجي الناجم عن نمط الفلاحة الصناعية التي تمنح الأسبقية لعدد محدد من الأنواع العضوية ذات مردودية عالية. والحال أن الشركات المهيمنة لا يهمها توفير الأمن الغذائي للعالم بقدر مصالحها الخاصة، وهي لذلك لا تتوانى في ممارسة كل أشكال الضغط على التحركات التي تستهدف وضع قواني حماية الأمن البيولوجي مثل تقنين "بعثرة" المنتوجات المعدلة وراثيا OGM في المحيط الإيكولوجي وقوانين حماية المستهلك والبيئة من المخاطر المترتبة عن تسويق هذه المنتوجات.

إن السباق المحموم بين الشركات المتخصصة في "الصناعة الفلاحية" يكشف حقيقة أن الأمر لا يتعلق لديها بتوفير الأمن الغذائي للبشرية بقدر ما أن ذلك يخدم بالدرجة الأولى سعيها إلى تنحية الفلاحة الأحادية وتقوية موقعها على مستوى الأسواق العالمية من خلال السيطرة والتحكم بالأبحاث التكنولوجية والاختراعات. ويكفي استحضار مثلا شركة "مونساطز" في هذا البابا لتنفيذ خرافة الأمن الغذائي. فقد قامت هذه الأخيرة باختراع "سوجا" معدلة وراثيا تتمتع في الآن نفسه بمقاومة مبيد الحشائش تصنعه نفس الشركة، مما يعني أن زراعة هذه السوجا يستوجب استعمال ذات المبيد الذي تصنعه الشركة المسوقة لها.

وهو ما يفيد عمليا إحكام القبضة على رقاب الفلاحين وتحويلهم إلى عبيد جدد للأسواق. وفي السياق نفسه يكشف التنافس الشرس حول امتلاك براءات الاختراع الوضع الاحتكاري للشركات المتعددة الجنسية، فيما يبقى الفلاحون مرغمين على استعمال البذور التي يتوقف إنتاجها على براءة الاختراع (ومن هنا يصبح مفهوما سعى الولايات المتحدة لجعل حقوق الملكية الفكرية إحدى النقاط الأساسية في مفاوضات التجارة العالمية المتعددة الأطراف التي كسبت في النهاية رهانها غداة مداولات الأروغواي).

فالحقوق الفكرية تطال اليوم العضويات الموجودة في المحيط الطبيعي، مما يعني حرمان الفلاحين ودول العالم الأخرى من استغلال ما يعتبر ملكا مشاعا بين الإنسانية جمعاء. على أن الخطر الأكبر يظل هو محاولات تملك التنوع البيولوجي والعبث بالإرث المشترك للبشر.

إن منطق السوق الذي يتحكم في معالجة مسألة الأمن الغذائي للإنسانية يوهم أن مشكلة المجاعة ذات طابع تقني يمكن حلها بواسطة الهندسة الوراثية.

 والحقيقية أنها قضية ترتبط في النهاية بما يسميه إدغار بيزاني بـ"السيادة الغذائية المرتبطة بدورها بتقوية السياسة الاقتصادية المستقلة للدول السائرة في طريق النمو وحماية حقوقها إزاء الغزو الاقتصادي والتخريب الإيكولجي والاجتماعي الذي تمارسه الدول الغنية.

اعداد القسم العربي - تبيان


ثلاث ثورات علمية ستطبع القرن الحالي ببصمات قوية

عقلانية القرن 21 أو نحو إنسانوية جديدة

بداية ناجحة لتجربة محاكاة "الانفجار الكوني الكبير"

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)