• عدد المراجعات :
  • 1371
  • 1/14/2009
  • تاريخ :

ثلاث ثورات علمية ستطبع القرن الحالي ببصمات قوية
االسرعة

الأولى ثورة الكم التي كانت قد أطلقت في القرن العشرين موجة من الاكتشاف العلمي ارتكز على وصف المادة في تعددها الظاهري اللامتناهي قلبت المفاهيم القديمة الموروثة من العصر اليوناني رأسا على عقب. ومن المرجح أن تساهم هذه الثورة المتواصلة بشكل حاسم في فتح آفاق جديدة أمام العلماء والبشرية ستمكن من التحكم في المادة وتصميم أشكال جديدة للحياة.

 ثانيها الثورة الإلكترونية التي مكنت من فهم أنظمة الذكاء ودراسة أنواعه المتعددة والموزعة في كل أنحاء المحيط الكوني. ويفترض أن تقود هذه الثورة في القرن الواحد والعشرين إلى التحكم بأنواع متقدمة من الذكاء.

ثالثها الثورة البيوجزئية التي تعد المستفيد الأكبر من الثورتين السالفتين، مما سيسمح لها بتفسير الحياة بالاعتماد على مؤشرات عالية الدقة مثل الشفرة الوراثية للحياة، التي أصبحت ممكنة بفضل تكنولوجيا البيولوجيا الجزئية. وهكذا فإن حل شفرة الجينوم البشري سيمكن العلماء من "دليل تشغيل" للكائن البشري، وبالتالي القدرة على التحكم في الحياة بشكل يستجيب لرغبة البشر؟!

لقد خلخلت هذه الثورات الكثير من اليقينيات وأفسحت في المجال لظهور تنبؤات جديدة أثارت حماسا كبيرا وسط العلماء، وفي الوقت نفسه مخاوف مشروعة فيما يعود لانعكاسات تطبيقاتها التقنية ذات الصلة بالإنسان والطبيعة. ويجدر التذكير هنا أن هذه المخاوف لم تعد مقتصرة على الرأي العام، بل نجدها أيضا لدى العلماء أنفسهم، خصوصا الذين يعملون في مجالات الحي le vivant كالبيولوجيا والطب. ولعل استحضار مصطلح البيوإيتيقا bioéthique الذي كان قد أطلقه عالم بيولوجي أمريكي قبل أكثر من ربع قرن، كاف للتدليل على تنبه العلماء للمشكلات الأخلاقية التي يطرحها التقدم العلمي، خاصة تلك المرتبطة بالعالم الحي. إن عمر هذا المصطلح يفصح عن حقيقة أن السؤال الإيتيقي الذي يلازم إنجازات العلوم وتطبيقاتها ويقلق العلماء والفلاسفة لا يخص فقط علوم الهندسة الوراثية وإنجازاتها في نطاق الاستنساخ وقدراتها على فك الشيفرة الكيميائية التي ستمكن من "خلق الإنسان"، وتحليل الخريطة الوراثية للكائن الحين (يقدم مشروع الجينوم البشري مثالا لتلاقح الثورات الثلاثة التي تمهد لقرن علمي جديد فاصل في تاريخ البشرية)، وإنما هو يتجاوزها ليشمل جل العلوم الأخرى التي تتعدى أبحاثها نطاق المختبرات والصياغات الرياضية، مثل الفيزياء الجديدة والكيمياء وغيرها. ويكفي الإشارة في هذا السياق أن المشكل الأخلاقي كان قد بلغ ذروته مع إقدام مجموعة من الفيزيائيين العاملين في مشروع "منهاتن" على إنتاج القنبلة الذرية وتفجيرها لأول مرة بالمدينتين اليابانيتين (هيروشيما وناكازاكي)، حيث خلق هذا الفعل الشنيع أزمة ضمير ألقت بظلالها على جيل كامل من العلماء على حد تعبير ميشال سير. وقد سارع بعض العلماء على إثر ذلك إلى التخلي عن تخصصهم العلمي ليتجهوا نحو مجالات بحث أخرى كان يعتقد حينها أن تطبيقاتها سيكون لها نفع كبير للإنسانية مثل البيوكيمياء وتطبيقاتها في الميدان الطبي. غير أنه سرعان ما تبين لهؤلاء أن هذه العلوم بدورها تطرح مشكلاتها الأخلاقية التي لا تقل حساسية وخطورة عن ما طرحته التطبيقات الفيزيائية. وهكذا يظهر اليوم أن كل العلوم

تطرح أسئلتها الأخلاقية الخاصة بها:

 الكيمياء ومشاكل البيئة والبيوكيمياء وتحويل الجينات، بل وحتى الثورات الإلكترونية، التي يبدو مجالها محايدا، تطرح مخاطرها المتمثلة في تهديد الحريات المدنية والخصوصية من خلال التنصت والرقابة، وتعميق الفوارق بين الناس (الذين يملكون المعلومات والذين لا يملكونها)، "وإحالة عشرات الملايين من الناس إلى طوابير الخبز، مما يؤدي إلى زيادة الفوارق على هذه الأرض". وتعميق الفوارق بين الأمم، بين تلك التي تستثمر استراتيجيا في العلم والتكنولوجيا، وبين أمم لا تملك من العلم والتكنولوجيا شيئا وتكتفي باستهلاك ما تملك من ثروات ومواد طبيعية قابلة للنفاذ .


عقلانية القرن 21 أو نحو إنسانوية جديدة

بداية ناجحة لتجربة محاكاة "الانفجار الكوني الكبير"

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)