• عدد المراجعات :
  • 1924
  • 6/22/2008
  • تاريخ :

التمثيل السادس والعشرون :لقمان الحکيم

القران الکريم

( وَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِمّا رَزَقْناهُمٍ تَاللهِ لَتُسئَلُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ * وَيَجْعَلُونَ للهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَه وَلَهُمْ ما يَشْتَهون * وإِذا بُشّرَ أَحَدُهُمْ بِالاَُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيم * يَتوارَى مِنَ القَومِ مِنْ سُوءِ ما بُشّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدسُّهُ فِي التُّرابِ أَلا ساءَ ما يَحْكُمُون * لِلَّذينَ لا يُوَْمِنُونَ بِالآخِرَة مثلُ السَّوءِ وَللهِ المَثَلُ الاََعلى وَهُوَ العَزِيزُ الحَكيم )

. (1)

تفسير الآيات

إنّ الله سبحانه هو الواجب الغني عن كل من سواه، قال سبحانه: ( يا أَيُّهَا النّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الغَنِيُّ الحَمِيد ) (2) فلا يصحّ وصفه بما يستشمُّ منه الفقر والحاجة، لكن المشركين غير العارفين بالله كانوا يصفونه بصفات فيها وصمة الفقر والحاجة، و قد حكاها سبحانه في غير واحد من الآيات، فقال: ( وَجَعَلُوا للهِ مِمّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالاََنْعامِ نَصِيباً فَقَالُوا هذا للهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا فَمَا كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلى اللهِ وَمَا كانَ للهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ سَاءَ ما يَحْكُمُون ). (3)

فقد أخطأوا في أمرين:

أ: فرز نصيب لله من الحرث والاَنعام ،وكأنّه سبحانه فقير يجعلون له نصيباً ممّا يحرثون و يربّون من أنعامهم.

ب: الجور في التقسيم و القضاء، فيعطون ما لله إلى الشركاء دون العكس، وما هذا إلاّ لجهلهم بمنزلته سبحانه وأسمائه وصفاته.

وقد أشار إلى ما جاء تفصيله في سورة الاَنعام على وجه موجز في المقام، وقال: ( وَيَجْعَلُونَ لِمَا لا يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِمّا رَزَقْناهُمْ تَاللهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَفتَرُون ).

ونظير ما سبق انّهم كانوا يبغضون البنات ويجعلونها لله ، ويحبون البنين ويجعلونهم لاَنفسهم، وإليه يشير سبحانه بقوله: ( وَيَجْعَلُونَ للهِ البَناتِ سُبحانهُ وَلَهُم ما يَشتَهُون ) والمراد من الموصول في ( ما يشتهون ) هو البنون، وبذلك تبيّن معنى قوله سبحانه: ( لِلّذِينَ لا يُوَْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوء ) أي انّ المشركين المنكرين للآخرة يصفونه سبحانه بصفات السوء التي يستقبحها العقل ويذمّها، وقد عرفت كيفية وصفهم له فوصفوه عند التحليل بالفقر والحاجة والنقص والاِمكان، والله سبحانه هو الغني المطلق، فهو أعلى من أن يوصف بأمثال السوء، ولكن الموحّد يصفه بالكمال كالحياة والعلم والقدرةوالعزّة والعظمة والكبرياء، والله سبحانه عند الموَمنين ( هُوَ الْمَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ الْمُوَْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الجَبّارُ الْمتَكَبّرُ سُبْحانَ اللهِ عَمّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللهُ الْخالِقُ الْبَارِىَُ الْمُصَوّرُ لَهُ الاََسْماءُ الْحُسْنى ) (4) و يقول سبحانه: ( وَلَهُ المَثَلُ الاََعلى)

فِي السَّموات وَالاََرض ) (5) وقال: ( لَهُ الاََسماءُ الحُسْنى ). (6)

ومنه يظهر جواب سوَال طرحه الطبرسي في "مجمع البيان" ، وقال: كيف يمكن الجمع بين قوله سبحانه ( وَلله المثل الاَعلى ) وقوله: ( فَلاَ تَضْرِبُوا للهِ الاََمْثالَ إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُون ). (7)

والجواب انّ المراد من ضرب الاَمثال هو وصفه بما يدل على فقره وحاجته أو تشبيهه بأُمور مادية، وقد تقدم انّ المشركين جعلوا له نصيباً من الحرث والاَنعام، كما جعلوا الملائكة بناتاً له، يقول سبحانه: ( وَجَعَلُوا المَلائِكَةَ الّذينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمن اناثاً ) ، (8) ويقول سبحانه: ( وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجِنّة نَسباً ). (9) إلى غير ذلك من الصفات التي يتنزه عنها سبحانه، فهذا النوع من التمثيل أمر محظور، وهو المراد من قوله ( فَلا تَضْرِبُوا لله الاََمْثال ).

وأمّا التمثيل لله سبحانه بما يناسبه كالعزّةوالكبرياء والعلم والقدرة إلى غير ذلك، فقد أجاب عليه القرآن ولم ير فيه منعاً وحظراً، بشهادة انّه سبحانه بعد هذا الحظر أتى بتمثيلين لنفسه، كما سيتضح في التمثيل الآتى.

وربما يذكر في الجواب بأنّ الاَمثال في الآية جمع "المِثْل" بمعنى "الند"، فوزان قوله ( لا تضربوا لله الاَمثال ) كوزان قوله : ( فَلا تَجْعَلُوا للهِ أَنْدَاداً ) (10)، ولكنّه معنى بعيد، فانّ المثل بفتح العين يستعمل مع الضرب، دون المثل بسكون

العين بمعنى الند فلم يشاهد اقترانه بكلمة الضرب.

ويقرب ممّا ذكرنا كلام الشيخ الطبرسي حيث يقول:

إنّ المراد بالاَمثال الاَشباه، أي لا تشبّهوا الله بشىء، و المراد بالمثل الاَعلى هنا الوصف الاَعلى الذي هو كونه قديماً قادراً عالماًحياً ليس كمثله شيء.

وقيل إنّ المراد بقوله: ( المثل الاَعلى ) : المثل المضروب بالحق، وبقوله: ( فلا تضربوا لله الاَمثال ) : الاَمثال المضروبة بالباطل. (11)

وفي الختام نودُّ أن نشير إلى نكتة، وهي انّ عدّ قوله سبحانه ( للّذين لا يوَمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الاَعلى وهو العزيز الحكيم ) من قبيل الاَمثال القرآنية لا يخلو من غموض، لاَنّ الآية بصدد بيان نفي وصفه بصفات قبيحة سيئة دون وصفه بصفات عليا فأين التمثيل؟

إلاّ أن يقال: إنّ التشبيه ينتزع من مجموع ما وصف به المشركون، حيث شبّهوه بإنسان له حاجة ماسّة إلى الزرع والاَنعام وله بنات ونسبة مع الجن إلى غير ذلك من أمثال السوء، فالآية بصدد ردّ هذا النوع من التمثيل، وفي الحقيقة سلب التمثيل، أو سوق الموَمن إلى وصفه سبحانه بالاَسماء الحسنى والصفات العليا.

-------------------------------------------------------

الهوامش:

1 ـ النحل:56ـ60.

2 ـ فاطر: 15.

3 ـ الاَنعام:136.

4 ـ الحشر:23ـ 24.

5 ـ الروم:27.

6 ـ طه:8.

7 ـ النحل:74.

8 ـ الزخرف:19.

9 ـ الصافات:158.

10 ـ البقرة:22.

11 ـ مجمع البيان:3|367.


التمثيل الخامس والعشرون :لقمان الحکيم

التمثيل الرابع والعشرون :لقمان الحکيم

التمثيل الثالث والعشرون :لقمان الحکيم

التمثيل الثاني والعشرون :لقمان الحکيم

التمثيل الواحد والعشرون :لقمان الحکيم

التمثيل العشرون :لقمان الحکيم

التمثيل التاسع عشر :لقمان الحکيم

التمثيل الثامن عشر :لقمان الحکيم

 

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)