• عدد المراجعات :
  • 2825
  • 6/3/2011
  • تاريخ :

اللذات المادية واللذات المعنوية

الورد

هناك موضوع كان مطروحاً منذ القدم ألا وهو المادة والمعنى كانوا يقسمون الأمور إلى مادية ومعنوية، ليس المقصود من الأمور المعنوية الأمور المجردة وما وراء الطبيعة "الله والملائكة... الخ".

بل المقصود أن في حياة الإنسان أموراً غير محسوسة أو ملموسة، وليس لها حجم أو وزن ولكنها موجودة، كالأمور التي ذكرناها، وكان هذا السؤال يطرح على البشر دائمأً: ما هي الحرية؟

لا يستقر المال في يدي الأحرار، كما لا يستقر الصبر في قلب العاشق ولا الماء في الغربال.

لا تنحصر الأمور التي يهتم بها الإنسان ويعيرها أهمية وقيمة بالأمور المادية والجسمانية، والأمور المحسوسة التي لها حجم ووزن، إن الماء والخبز ضروريات للإنسان ولكن هناك أمور أخرى ذات أهمية للإنسان أيضاً، كالحرية الإجتماعية وحرية العقيدة، فإن لحرية العقيدة أهمية خاصة عند الإنسان فيها يتمكن أن يكون حراً في اعتقاده ولا يزاحمه أحد في عقيدته.

عَرَّفَ العلماء القدامى هذه الأمور "بالأمور المعنوية"، فالإنسان يتمتع ويلتذ بنيل أهدافه المعنوية، كما يلتذ بنيل الأهداف المادية، وفي المقابل تكون آلام الإنسان نوعين أيضاً فبعدم نيل الأهداف المادية والمعنوية أو الوصول إلى ضدها تحصل الآلام المادية والمعنوية.

لا تنحصر الأمور التي يهتم بها الإنسان ويعيرها أهمية وقيمة بالأمور المادية والجسمانية، والأمور المحسوسة التي لها حجم ووزن، إن الماء والخبز ضروريات للإنسان ولكن هناك أمور أخرى ذات أهمية للإنسان أيضاً، كالحرية الإجتماعية وحرية العقيدة،

وهناك تفسير مماثل في علم النفس أيضاً، يقولون: اللذات المادية واللذات المعنوية، والآلام المادية والآلام المعنوية، ويفرقون بين الاثنين مثلاً بأن اللذات المادية والآلام هي عضوية وجسمية أي أنها تختص بعضو معين وأنها ترتبط بعامل خارجي، أي أنها تحصل بسبب التلاقي والتماس مع التعامل الخارجي، كلذة الأكل، فإنها تختص بعضو معين، أي ان الإنسان يحس بها في عضو خاص هو عضو التذوق، ولا يشعر بها في باطن يده مثلاً؛ إضافة إلى أنه لابدّ من وجود شيء فوق اللسان لتحدث هذه الانفعالات وتحصل اللذة. أما اللذات المعنوية فإنها لا تختص بعضو وليس لها مكان خاص للإحساس بها. وهي لا ترتبط بعامل خارجي يسبب الاحساس باللذة بسبب التماس معه. فكم يحدث أن تؤدي فكرة ما إلى التذاذ الإنسان كلذة الافتخار التي تنتاب الفائز في المسابقة. لنفرض أن شخصاً اشتهر بعنوان أفضل فنان أو كاتب ويسمع بأنه مُدِحَ في المكان الفلاني، فإنه سوف يشعر باللذة في نفسه "لا يمكن القول بأن لهذا عاملاً خارجياً وهو السماع. لأن الاستماع وسيلة لاخباره واطلاعه على الموضوع، وأما اللذة فهي ليست لذة السمع والأذن كالتي يلتذ بها في سماع الموسيقى مثلاً". أين هذه اللذة؟ هل هي في حاسة البصر؟ أم في الأذن؟ أم في الفم؟ كلا، إنه يشعر باللذة في تمام وجوده، دون أن يتمكن من تعيين مكان ونقطة واحدة.

 

إن الأمور المادية والمعنوية كانت معروفة لدى الإنسان. يعتقد الفلاسفة أن اللذة على ثلاثة أقسام:

 

1 ـ اللذات الجسمية.

2 ـ اللذات العقلية.

3 ـ اللذات الوهمية.

 

والتي تعتبر محقرة بالنسبة إلى اللذات العقلية، وعلى الإنسان أن يبحث عن اللذات العقلية لا الوهمية.

 

أصل القيمة والأهمية

تطرح هنا مسألة أخرى وهي: أن البشر يريد هذه الأمور فهو مضطر لأن يعطي أهمية وقيمة لها. القيمة هي نفسها التي نسميها في اصطلاح العرف: الثمن.

والآن من أين تحصل القيمة، ولماذا توجد قيمة للاشياء؟ إن الشيء إذا كان مفيداً ومحققاً لغرض خاص ويعد كمالاً للوجود الإنساني ولا يحصل عليه بسهولة أو دون ثمن، يكون ذا قيمة وأهمية. فليس للهواء مثلاً قيمة. لماذا؟ لأنه لا يشترى بثمن، ولا يمكن تملكه. أما الأرض فانها ليست كذلك؛ فإن البعض يستثمر الأراضي ويختص بها دون غيره ويحرم الآخرين منها. ومن هنا تحصل لها القيمة والأهمية.

ولهذا السبب يكون للأمور المعنوية قيمة. فإن الإنسان ينجذب نحو الأمور المادية بالفطرة وهو لنفس السبب ينجذب نحو الأمور المعنوية. لهذا فنحن نقيم للأمور المعنوية وزناً وقيمة، ولكنها قيمة معنوية. إن القيم المعنوية من مختصات الإنسان والقيم المادية ليست من مختصاته، فإنسانية الإنسان هي أن تكون القيم المعنوية قوية لديه وبمقدار ما يكون ملتزماً بهذه القيم، فانه يعد متكامل الإنسانية.

يرى البعض اننا نضع لأعمالنا قيمة؛ نحن أنفسنا نخلق القيمة والثمن هل أن القيمة شيء مخلوق واعتباري؟ ان ما يمكننا خلقه وإيجاده هو الاعتبارات.

كان القدماء يطرحون المسائل بهذا النحو من الاُصول والمباني التي لا تنتهي إلى طريق مغلق. ولكن الغربيين اليوم يطرحونها بنحو آخر، ولهذا وصلوا إلى طريق مسدود، لقد فككوا بين الأمور المادية والأمور المعنوية وبين المنفعة والقيمة، قالوا: إن بعض الأشياء نافعة ومفيدة للإنسان، وبعضها غير نافعة، لكن الإنسان يضع لها قيمة ويثمنها. أما القسم الأول فهو الأمور المادية، وأما القسم الثاني فيقيّمه الإنسان مع أنه لا فائدة فيه، ولا يزيد من كماله. إننا نبحث عن الشيء المفيد، أما الشيء الذي لا يحقق لنا الخير والسعادة، فلا نقيم له أهمية وقدراً. انه لا يعد كمالاً لنا، ليمدحنا عليه الآخرون. انه يدخل ضمن الأمور الفرضية والخيالية والاعتبارية.

علة هذا التفكير انهم لم يريدوا وضع معنى في مقابل المادة، ولم يريدوا وضع قيم معنوية لواقع الإنسان، ويقولون: إن للإنسان بطناً، وله ما وراء البطن أيضاً؛ كل ما تحتاجه بطنه يعد قيماً، وهكذا لكل ما يحتاجه ما وراء بطنه قيمة واهمية، هؤلاء لم يضعوا قوة أخرى وراء هذه القوى المادية. رأوا في الظاهر أن الإنسان لا يملك غير هذه البنية المادية. فاهتموا فقط بما تحتاجه هذه البنية. وقالوا: إن إرادة الشيء غير المفيد للبنية المادية مخالف للمنطق، والسؤال: ما هو أصل هذه القيمة؟ لا جواب لذلك.

يرى البعض اننا نضع لأعمالنا قيمة؛ نحن أنفسنا نخلق القيمة والثمن هل أن القيمة شيء مخلوق واعتباري؟ ان ما يمكننا خلقه وإيجاده هو الاعتبارات. ونحن لا نتمكن من أن نخلق لكل شيء قيمة دون سبب؟ القيمة والمنفعة شيء واحد، أي أنهما متساويان من جهة واحدة. ويرتبطان بواقع الإنسان الذي يبحث عن خيره وكماله.

ولكن الإنسان ليس فقط هذه البنية المادية، فان الخير المادي له نوع من القيمة بالنسبة للإنسان، والخير المعنوي له نوع آخر من القيمة. فبدلاً من قولنا: المنفعة والربح والقيمة، نقول المادة والمعنى أو القيمة المادية والقيمة المعنوية. هذا هو الكلام المنطقي، وإنما يسمون دنيا اليوم بعالم تزلزل القيم لأنهم يريدون قطع جذور القيم وإعطاء البشر قيمة في الوقت نفسه، وهذا تناقض. إنهم قطعوا جذور القيم بما لديهم من نظرة بشأن تعريف الإنسان. عندما ينظرون إلى الإنسان نظرة مادية ويعرفونه بأنه هذا الجسم المادي فقط، فإن الأخلاق والقيم المعنوية وأصالة البشر والإنسانية تصبح كلها بدون معنى. عندما يكون الإنسان مادة أعقد من باقي المواد، إذاً فما معنى الشرف؟ يقال إن جهاز "أبولو" يتكون من خمسة ملايين جزءاً وقطعة اتصلت ببعضها، لا يمكن مقايسة هذا الجهاز مع كرسي صغير متكون من أربع قطع، لكن هل تقيمون "لأبولو" وزناً وشرفاً كما تقيمون للإنسان شرفاً؟ كلا، إن "أبولو" لا يختلف عن باقي المواد لكنه أعقد منها. لو اعتبرنا الإنسان ماكنة عظيمة فحتى لو كان حجم هذه الماكنة بقدر الدنيا فلا قيمة لها. لهذا فإنهم قطعوا جذور تلك الأشياء التي سموها أنفسهم (قيماً) ـ أو التي نسميها نحن "معاني" ـ. نحن لا نفكك بين المادة والمعنى، ولا نقول بأن الشخص يريد شيئاً دون سبب، ولكن نقول "إرادة" الاثنين لها سبب ومنطق خاص، ومن المستحيل أن يبحث الإنسان عن شيء ويتابعه دون سبب....

التربية والتعليم في الاسلام،الشيخ مرتضى مطهري


للمسلم على أخيه ثلاثون حقاً (1)

للمسلم على أخيه ثلاثون حقاً (2)

للمسلم على أخيه ثلاثون حقاً (3)

دور التآخي في بناء الفرد

خصلتان لاخوان الثقة

كيف تنجح مع إخوانك؟

إنتهاك الإنسان لحق أخيه

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)