• عدد المراجعات :
  • 1252
  • 5/17/2006
  • تاريخ :

المثل الثامن: عاقبة الاُمور

عاقبة الاُمور

يقول الله تعالي في ثامن مثل من أمثال القرآن في الآية 266 من سورة البقرة: (  أيَوَدُّ أحَدَكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنّةٌ مِنْ نَخِيْل وَأعْنَاب تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ لَهُ فِيْهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وأصَابَهُ الكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَةٌ ضُعَفَاءُ فأصَابَهَا إعْصَارٌ فِيْهِ نَارٌ فاحْتَرَقَت كَذلك يُبَيِّن اللهُ لَكُمُ الآياَتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ) .

تصوير البحث

كيف يكون أحدكم راغباً في ان يبتلي بمصير الشخص الذي له بستان فيه نخيل وأشجار مثمرة وفيه أنهار بعد ما بلغ هذا الشخص سن الكبر، وكان قد جمع حوله ذرية واطفالا ضعفاء، حينئذ يواجه البستان إعصاراً متزامناً مع نار ملتهبة تلتهم بستانه وما فيه ليصبح ذليلا بعد عمر من العز.

الشرح والتفسير

للمفسرين أقوال في هذه الآية:

يعتقد بعض المفسرين أنَّ هذا المثل يحكي عاقبة الإنسان الذي يحرق محاصيل انفاقه وبذله بنار الرياء، لتذهب بذلك أعماله الصالحة وعباداته سُدي.

قد يقوم البعض باعمال كثيرة من قبيل الحج والصلاة والصيام والجهاد واعانة المساجد وبناء المستشفيات واعانة الايتام، وقد يقضي عمراً طويلا في هذه الأعمال إلاَّ أنه قد يحرقها ويُذهب بها مع الريح ليمحو آثارها وذلك بأن يتراءي بها.(1)

ويري البعض أنَّ آية المثل لا تختص بالرياء، بل تشمل جميع الذنوب، فإنَّ الآية تحذّر المسلمين ليراقبوا أعمالهم وعباداتهم، ويحفظوها مما قد يدمرها ويحرقها من الذنوب.

وحسب هذه الاية، فانّ الإنسان إذا لم يراقب أعماله قد يبتلي بمصير هذا الشيخ الذي تضرر هو مع عياله وأولاده وأوقع مستقبل اطفاله بخطر.(2)

وبعبارة أخري: يا إنسان! حافظ علي أعمالك وعباداتك دائماً وبشكل مناسب وفكر بعاقبة امرك; وأنَّ حفظ العمل اصعب من اداء نفس العمل.

قال رسول الله(صلي الله عليه وآله): «من قال لا إله الا الله، غرس الله بها شجرة في الجنة»، والحديث يعني أنَّ الإنسان كلما نطق بهذه الكلمة غرست له شجرة في الجنة».

والمستفاد من هذه الرواية هو أنَّ الجنة وكذا جهنم تبني بواسطة أعمالنا، فهي ليست مبنية من ذي قبل.

قال رسول الله(صلي الله عليه وآله): « من قال: سبحان الله غرس الله بها شجرة في الجنة. ومن قال: الحمد لله غرس الله له بها شجرة في الجنة. ومن قال: لا اله الا الله غرس الله له بها شجرة في الجنة. ومن قال: الله اكبر غرس الله له بها شجرة في الجنة».

فقال رجل من قريش: يا رسول الله إنّ شجرنا في الجنة لكثير، قال: «نعم، ولكن إيَّاكم أنْ ترسلوا عليها نيراناً فتحرقوها وذلك أنَّ الله عزوجل يقول: (  يَا أيُّهَا الّذِيْنَ آمَنُوا أطِيْعُوا اللهَ وأطِيْعُوا الرَّسُولَ وَلاَ تُبْطِلُوا أعْمَالَكُم ) . (3)

ويقول الرسول(صلي الله عليه وآله) في حديث آخر: «

العلماء كلهم هلكي إلاَّ العاملون، والعاملون كلهم هلكي إلاَّ المخلصون، والمخلصون علي خطر».(4)

وفي هذا الحديث تحذير آخر للانسان بان لا يذهب باعماله الخالصة الماضية بذنوبه المقبلة.

- ( أيَوَدُّ أحَدَكُم أنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيْل وَأعْنَاب ) إنَّ الإشارة إلي فاكهة العنب والتمر دون غيرهما يفيد أنهما أهم أغذية للبشر، أما الأهم منها فمعدم أو قليل.

- ( تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ فِيْهَا مِنْ كُلِّ الثَمَرَاتِ ) البستان قد يحتوي علي بركة أو قنال يسقي منها، والأخير قد يستدعي بذل المال مقابل الماء. وفي كلا الحالتين، إنَّ السقي بهما يستلزم متاعب وزحمات جمة. إلاَّ أنَّ البستان الذي تحدثت عنه الآية يقع في مسير نهر، وهذا يعني أنَّ السقي لهذا البستان مريح جداً ولا يستدعي تحمل زحمات وافرة. اضافة إلي هذا; فإنَّ في هذا البستان فواكه من قبيل التمر والعنب.

- ( وأصَابَهُ الكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءٌ ) أي أنَّ صاحب هذا البستان أصبح شيخاً كبيراً. وضعف الذرية اشارة إلي عدم امكانهم اعانته علي شؤون البستان، بل انَّ عبء هؤلاء الأطفال واقع جميعاً علي عاتق هذا الشيخ، وهذا البستان لا يحتاج إلي عناية كبيرة ومستمرة فيمكنهم التمتع بمحاصيله وثماره.

- ( فَأصَابَهَا إعْصَارٌ فِيْهِ نَارٌ فاحْتَرَقَتْ ) أي في الوقت الذي يكون فيه الشيخ بأمسِّ الحاجة إلي هذا البستان يأتي إعصار من نار يحرق هذا البستان ويبدله إلي تل من الرماد ثم يذهب هذا الرماد مع الريح متناثراً بحيث لا يبقي أي اثر منه.

الإعصار يحصل اثر اصطدام ريحين قادمين من اتجاهين مختلفين، وهو يحضي بقدرة عجيبة إذا حصل في مكان فانه يذهب معه كل ما يكون هناك من اشياء، فقد يذهب بماء حوض مع اسماكه ويسقطها في مكان اخر بحيث يتصور البعض انّ الاسماك جاءت من السماء، وقد يرفع انساناً من مكانه ويلقيه في مكان آخر.

سؤال: كيف يحصل النار ويتزامن مع هذا الاعصار؟

هناك إجابات عديدة لهذا السؤال:

الف - يعتقد البعض أنَّ الاعصار خال من النار، والنار تقدم من الصواعق فالصاعقة تحرق البستان ثم يأتي الاعصار ليذهب برماد البستان وينقله إلي مكان آخر.

باء - إنَّ الاعصار قد يتلاقي مع نار مستعرة فياخذ منها ويلقيه علي البستان فيحترق البستان ويتبدل رماداً.

جيم - هذه الأعصار ليست اعصاراً متعارفة، بل هي اعصار يطلق عليها (سموم) تهب غالباً في السعودية والذين يقعون في طريقها يتقنعون وينبطحون إلي أنْ تَتجاوزهم، وهذه الأعصار عندما تلاقي البستان تحرقه وتدمره.

( كَذَلك يُبَيِّن اللهُ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكُم تَتَفَكَّرُونَ ) يعتبر الله الهدف من هذا المثل هو التفكّر والتعقل. ووفقاً لهذه الآية الشريفة، فإنَّ علي الإنسان أن يودع نفسه بيد الله ويعتقد أنَّ كل ما يقوم به من أعمال وطاعات وعبادات هي قليلة في حق الله وأنَّ ما يصله من الله تعالي من نعيم هو بلطفه وإحسانه لا لعمل وعبادة استحق بهما الإنسان تلك النعم.

من المؤسف أنَّ هذا الإنسان الضعيف قد لا يفكر جيداً ويغتر بما جاء به من ركعات صلاة وأيام من الصوم فيعد نفسه - لأجل ذلك - من أصحاب الجنة. بل يعد الجنة، واجبة له، ونفس هذا الإنسان قد يري نفسه ميتاً خلو الإيمان.

اللهم اجعلنا من المرحومين ولا تجعلنا من المحرومين.

إنّ السوء كان عاقبة هذا الشخص

في زمن الطاغوت البهلوي كان طالب حوزة متدينٌ جداً ومتق، وكان يواضب علي اعماله كثيراً، وقد كان متذمراً من اخيه ولا يعاشره لاجل انه كان لا يدفع الخمس والزكاة. في يوم من الأيام مرض هذا الطالب مرضاً شديداً فاخذه اخوه إلي بيته ليعتني به وأثناء تواجده عند أخيه ذهب احد الاساتذة لعيادته وعند الدخول قال للاستاذ: لا تجلس علي السجادة لانها مغصوبة.. لكن الزمان غيّر هذا الطالب ولم يبقه علي ما كان، بل حوّله إلي درجة أنّه ما كان يجلس علي مأدبة طعام خالية من المسكر.

يقول الإمام علي(عليه السلام) في الخطبة القاصعة(5) التي تعرض في جزء منها إلي آثار التكبر  والعجب: «فاعتبروا بما كان من فعل الله بابليس إذ احبط عمله الطويل وجهده الجهيد وكان قد عبد الله ستة الاف سنة، لا يدري أمن سني الدنيا ام من سني الاخرة عن كبر ساعة واحدة»، فإنَّ ساعة من العناد والتكبر احبطت اعماله وورطته بمصير لا يحمد.

وعلي هذا، فلا ينبغي ان يغتر الإنسان ابداً بطاعاته واعماله، بل عليه ان يتطلع دائماً إلي عفو الله ورحمته.

اللهم اجعل عاقبة أمرنا خيراً.

خطابات آية المثل هي الاحباط والتكفير

من البحوث المطروحة في علم الكلام هي مسألة الاحباط والتكفير وقد أشارت اليهما الآية.

إنَّ الاحباط عبارة عن أعمال وذنوب، الاتيان بها يؤدي إلي ذهاب حسنات الإنسان وعباداته. أمّا التكفير فهو عبارة عن اعمال، اداؤها يؤول إلي ذهاب الذنوب ومحوها. وعلي سبيل المثال، فإنَّ تكبر الشيطان وحسده ولجه سبب في احباط اعماله التي أدَّاها خلال ست الاف سنة، أمّا توبة الحر بن يزيد الرياحي عند الامام الحسين(عليه السلام)فقد كانت تكفيراً لذنوبه التي ارتكبها.

ان التوبة تطفي نار الذنوب، وعلي المسلمين ان يتوبوا وينيبوا إلي الله دائماً بالدعاء والمناجاة والتوسل بالأئمة  المعصومين (عليهم السلام).

اضافة إلي الايات، فإن ادعية العشرة الثالثة من شهر رمضان أشارت إلي مسألة الاحباط والتكفير، فنقرأ في دعاء ليلة القدر مثلا: «وان كنت من الاشقياء فامحني من الاشقياء واكتبني من السعداء»(6) فان القسم الاول من الدعاء يشير إلي مسألة الاحباط والقسم الثاني إلي مسألة التكفير.  

الاستدلال علي وجود الاحباط والتكفير

 

رغم أنَّ بعض العلماء المسلمين لا يعتقد بالاحباط والتكفير ولا يري تأثيراً لاحدهما علي الاخر أي أنَّ الأعمال الحسنة لا تؤثر علي السيئة والسيئة لا تؤثر علي الحسنة، لكن القرآن يصرح في بعض الآيات بالاحباط والتكفير.

ونختار من ذلك بعض النماذج:

الف - يقول الله في الآية 114 من سورة هود: ( وَأَقِمِ الصَّلوةَ طَرَفَي النَّهَارِ وَزُلْفاً مِنَ اللَّيْلِ إنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلك ذِكْرَي للذّاكِرِينَ ) .

باء - يتحدث القرآن المجيد عن الاحباط في الآية 5 من سورة المائدة: ( وَمَن يَكْفُرْ بِالإيمَان فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَة مِنَ الْخَاسِرِينَ ) . (7)

وعلي هذا، فأصل الإحباط والتكفير قد بُيِّنَ في الآيات، إلاّ أنها لم توضح أي نوع من الذنوب توجب الاحباط وأي نوع من الاعمال توجب التكفير، وعلينا استفادة ذلك من الروايات.

ما ينبغي علينا إلاّ مُراقبة أعمالنا خوف أنْ يصدر منّا عمل يحبط اعمالا قيّمة كثيرة. وإذا ما اذنبنا فعلينا طلب الاعانة من الله بالبكاء والنواح لكي يتوافر بذلك بحر من الماء يطفئ نار الذنوب. وإذا كانت شخصية مثل الإمام علي ((عليه السلام)) يسجد ويقول خضوعاً: «آه من قلّة الزاد وطول الطريق وبعد السفر...»(8) فكيف بنا نحن انا وأنت؟!

--------------------------------------------------------------------------------

الهوامش

1. انظر الأمثل 2: 216 - 217.

2. انظر مجمع البيان 2: 379.

3. بحار الأنوار 90: 168.

4. ميزان الحكمة، الباب 1032، الحديث 4768.

5. نهج البلاغة، الخطبة 192.

6. مصباح الكفعمي، أعمال ليلة الثالث والعشرين من شهر رمضان المبارك اضافة الي هذا فان جملة (ان تجعل اسمي في هذه الليلة في السعداء) نجدها في جميع ادعية الليالي العشر الاخيرة من شهر رمضان.

7. وهناك آيات أخري من القرآن الكريم دلت علي الاحباط والتكفير، للمزيد راجع تفسير الأمثل 2:67 - 96، ومحال أُخري من الكتاب نفسه متناثرة في باقي مجلداته، منها في سورة هود ومنها في سورة الحجرات وغيرهما من السور.

8. نهج البلاغة، الكلمات القصار، الكلمة 77.


المثل السابع: الإنفاق اللائق

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)