• عدد المراجعات :
  • 456
  • 2/13/2011
  • تاريخ :

الموت نافذة إلى حياة جديدة (4)

الورد

الأمر السادس: الموتُ والأجل المُسَمّى

 

يقسم القرآن الأجل، واجل مسمى، وبيانه

إنّ لكل نوع من أنواع الموجودات الحيّة، بل مطلق الموجودات، قابلية خاصة لإدامة الحياة والوجود. ومن هذا، مايقال إنّ العمر الطبيعي للإنسان هو مائة وعشرون سنة، فالإنسان "بما هو إنسان" قابل لأن يعيش هذا المقدار من الزّمن. وفي ضوء ذلك، لكلّ إنسان "أجل"، بهذا المعنى، ولكنه ليس أجلاً حتمياً وقطعياً، بل قد ينقص عنه أويزيد عليه لعوامل خاصة في حياته، فربّ إنسان يموت في العقد الخامس أو السادس من عمره، وهو أجل حتمي ومسمّى له، مع أنّ الأجل المطلق كان أزيد منه. وربّ إنسان يعيش أزيد من هذا الحدّ الطبيعي، ويموت في العقد الخامس عشر من عمره، وهو أجل حتميٌّ ومسمّى له، وإن كان الأجل المطلق أنقص منه .

والأجل المطلق يعرفه غيره سبحانه، ولكنّ الأجل الحتمي عنده، فهو الّذي يعرف الحدّ الّذي تقف فيه حياة كل أنسان، ولا تتجاوزه قطعاً، يقول سبحانه: (هُوَالَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِين ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ)(الأنعام:2).

 

الأمر السابع: الإنابة عند الموت

أنّ قسماً من النّاس يخافون من الموت لما علموا من أنّ كواهلهم مثقلة بعظائم الذنوب، أو لاعتقادهم بأنّه خاتمة المطاف في الحياة البشرية. والصنف الأوّل، إذا فوجئوا بالموت، يلجأون إلى التوبة والإنابة، ويندمون، ولكن لات حين مندم، فإنّهم قد ضيّعوا الفرص، والتوبة إنّما تقبل إذا كان الإنسان ذا مقدرة على الفعل والترك والطاعة والعصيان، فيرجّح باختياره الانقياد، على المخالفة، وهذا من تقبل توبته، لأنّ الإنابة في هذا المقام، تكشف عن تحول روحي، وثورة نفسانية على المعصية والتمرد والتجرّي، وأمّا إذا وصل الأنسان في مدارج حياته إلى نقطة ليس أمامه إلاّ طريق واحد، وهو ترك التمرّد، لفقدان القوة والطاقة، فلا تقبل التوبة عند ذاك، لأنّها لا تكشف عن انقلاب روحي نحو الكمال، وإلى ذلك يشير قوله سبحانه:(وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآن)(النساء:18).

وقد ندم طاغية مصر، فرعون، عندما وافاه الغرق، وأحس بالعجز عن استمراره بالعصيان فأسلم، وقال: (آمَنْتُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ * آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ)(يونس:90ـ91).

وقد كان الطغاة من الأُمم السالفة على هذا النمط، فلا يلجأون إلى الإنابة إلاّ بعدما يروا بأس الله تعالى، يقول سبحانه:

(فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا)(غافر:84-85).

يقول الإمام علي عليه السلام: "فهو يعضّ يده ندامةً على ما أصحرله عند الموت من أمره"1.

 

الأمر الثامن: الوصية عند الموت

لا ينبغي لإمرئ مسلم أنّ يبيت ليلةً إلاّ ووصيته تحت رأسه 2.

ومع ذلك ربما يترك الإنسان هذه الفريضة، فله الإيصاء حال الموت.

يقول سبحانه: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ)(البقرة:80) والمراد من الخير هوالمال.

ويقول سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْل مِنْكُمْ...)(المائدة:106).

 

الأمرالتاسع: جهل الناس بأوان موتهم

اقتضت الحكمة الإلهية جهل الناس بزمان ومكان موتهم، وذلك لوجهين

أـ لو علم الإنسان بزمن موته، فربما يفشل في العمل قبل أن يحلّ أجله، فأنّ العامل الباعث إلى العمل والنشاط في الحياة، هو الأمل، فالأمل رحمة، ولولاه لما أرضعت والدة ولدها، ولا غرس غارس شجرة3.

ب ـ إنّ لجهل الإنسان بأوان موته ومكانه، تأثيراً تربوياً، فإنّه لوعلم بأنّه سيموت بعد عام أو أشهر، فترك التمرّد والتجري، فلا يعد ذلك كمالاً روحياً وثورة للفضائل على الرذائل، وهذا بخلاف ما إذا سلك طريق الطاعة، وترك المعصية، وهو يرجو العيش أعواماً طويلة، فانّه يكشف عن كمال روحي، يدفعه نحو الفضائل، يقول سبحانه: (وَمَا تَدْري نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْض تَمُوتُ)(لقمان:34)4.

 

الأمرالعاشر: الملائكة الموكّلون بقبض الأرواح

قد عرفت أنّ الخلق والتدبير من شؤونه سبحانه، فهوالقائل عزّ وجلّ: (أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)(الأعراف:54). غير أنّ كونه مدبّراً لا ينافي أن يكون هناك أسبابٌ غيبيّة أو طبيعية لقبض الأرواح فأنّه أيضاً من شؤون التدبير. فتوفي الأنفس وأخذها، فعلٌ لله سبحانه، وفي الوقت نفسه فعلٌ لملائكته، يقول سبحانه: (اللهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا)(الزمر:42).

وفي الوقت نفسه ينسبه إلى الملائكة، ويقول: (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ)(النحل28-32).

وفي موضع ثالث ينسبه إلى ملك الموت، ويقول (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الذِي وُكِّلَ بِكُمْ)(السجدة:11).

والنّسب كلّها صحيحة.

*الإلهيات،آية الله جعفر السبحاني

--------------------------------------------------------------------------------

1- نهج البلاغة، الخطبة 109.

2- وسائل الشيعة، ج13، كتاب الوصايا، الباب الأول، الحديث 7.

3- سفينة البحار، مادة: "أمل".

4- وها هنا وجه ثالث وهوأنّ علم الإنسان بزمن موته يشجّعه على الفجور والعصيان متكلاً على التوبة والإنابة قبل مدّة من حلول أجله. 


المعاد مجلى لتحقّق وعد الله ووعيده

الموت نافذة إلى حياة جديدة (3)

الصراط

بابِ التوبةِ

الحبط والتكفير

الجنة والنار وتجسد الاعمال

 

 

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)