• عدد المراجعات :
  • 1057
  • 2/8/2011
  • تاريخ :

بابِ التوبةِ

الورد

إنّ انفتاح بابِ التوبةِ في وجهِ العُصاة والمُذنبين والدعوة إليها من التَعاليمِ الاِسلاميّة بل مِن مقرّرات جميعِ الشرائع السَّماويّة.

فعندما يندَمُ الاِنسانُ المذنبُ من عَمَلِهِ القبيحِ نَدَماً حقيقيّاً ويملاَُ التوجّهُ إلى الله، والتضرُّع إليه فضاءَ رُوحه، فيقرّر من صميمِ قَلبه أن لا يرتكبَ ما ارتكبَ ثانيةً، قَبِل اللهُ الرحيمُ أوبتَه وتَوبته، بشروطٍ مَذكورةٍ في كتُبُ العقيدة والتفسير. يقول القرآنُ الكريمُ في هذا الصَدَد:(وَتُوبُواْ إِلَى اللهِ جَمِيعاً أيّها الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)(النور:31).

إنّ الّذين لا يَعرفونَ الآثار التربويّة الاِيجابيّة للتوبة يتصوَّرُون أنّ فتح هذين البابين (بابِ الشفاعة وباب التوبة) في وجه العُصاة والمذنبين يشجّعهم  بشكلٍ مّا  على المعصية، في حين يغفل هؤلاء عن أنّ كثيراً من النّاس متورّطونَ في بعض المعاصي، وقلّما يوجَد من لم يرتكبْ ذَنباً في حياته طوال عمره.

إنَّ الآثار الاِيجابيّة لاَصل التوبة تتّضحُ أكثر فأكثر عندما نعلم بأن الاِسلام يقيِّد قبولَ التوبة بشروطٍ خاصّةٍ ذكرَها  بتفصيل  أئمةُ الدّين، والمحقّقون من علماءِ الاِسلام.

وعلى هذا الاَساس، إذا لم يكن بابُ التوبة مفتوحاً في وَجه هؤلاء لقالَ الذين يريدون أن يغيّروا مسيرهم ويقضوا بقيَّةَ أيّام حياتِهِمْ في الطُّهْر والنَقاء مع أنفسهم: إننَّا سنَلقى "على كلّ حالٍ" جزاءَ ذُنوبنا، وندخل جهنّم فلِمَ لا نستجيبُ لِرَغباتنا؟ ولمَ لا نحقّق شهواتِنا فيما تبقّى من عُمُرنا ما دام هذا هو مصيرُنا، وهو مصيرٌ لا يَتَغيَّر قطّ ولا مفرّ منه أبداً؟.

وهكذا نكونُ بإغلاقنا بابَ التَّوبة قد فَتَحْنا في وجه النّاس بابَ اليأس والقنوط، ومَهَّدْنا للَمزيد من المعصية وللتمادي في ارتكاب القبائِح والذنوب.

إنَّ الآثار الاِيجابيّة لاَصل التوبة تتّضحُ أكثر فأكثر عندما نعلم بأن الاِسلام يقيِّد قبولَ التوبة بشروطٍ خاصّةٍ ذكرَها  بتفصيل  أئمةُ الدّين، والمحقّقون من علماءِ الاِسلام.

إنَّ القرآن الكريم يتحدّث عن التوبة بصراحةٍ تامةٍ إذ يقول:(كَتَبَ رَبُّكُم عَلى نَفسهِ الرَّحمةَ أنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءاً بجهالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)(الاَنعام:54).

ثم إنّه قد ذُكرَ الاَشخاصُ الذين لا تُقبَلُ توبتهم عندَ الله سبحانه في كُتب الفِقه، والتفسير، والعقيدة فمنَ شاء راجَعَها.

الاِنسان ينال جزاء أعماله:

يَشهدُ العقلُ والنقلُ بأنّ كلَّ إنسانٍ يَرى جزاءَ عملِهِ، إنْ خيراً فخيرٌ، وإن شرّاً فشرّ.

يقول القرآنُ في هذا الصَّدد: (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّةٍ خيْراً يَرَهُ)(الزلزلة:7).

ويقول أيضاً: (وأنَّ سَعْيَهُ سَوفَ يُرى * ثُمَّ يُجزاهُ الجزاءَ الاَوفى)(النجم:40-41).

ويُستفاد من الآيات السابقة أنَّ أعمالَ الاِنسان القبيحة، لا تُزيل أعمالهُ الصالحة ولا تقضي عليها، ولكن يجب أنْ نعلم في نفس الوقت أنّ الذين يرتكبون بعضَ الذنوب الخاصّة كالكُفر والشرك، أو يَسلكون سبيلَ الاِرتداد سيُصابون بالحَبط، أيْ أنّ أعمالَهم الصّالِحة تُحبط وتهلَكَ، ويَلقون في الآخرة عَذاباً أبديّاً كما يَقول سبحانه:(وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافرٌ فَأُوْلَئكَ حَبِطتْ أَعْمالُهُمْ في الدُّنْيا وَالآخِرةِ وَأُوْلئكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فيهَا خالدونَ)(البقرة:217).

ونظراً إلى ما قلناه فإنّ كلَّ إنسانٍ مؤمنٍ سيَرى ثوابَ أعماله الصّالِحَة في الآخرة خيراً كانت أو شراً، إلاّ إذا ارتدّ، أو كَفَرَ، أو أشرَكَ، فإنّ ذلك سيأتي على أعماله الصالِحَة ويقضي عليها  كما دَلّ على ذلكَ الكتابُ والسُنّةُ.

 

وفي الختام لابُدَّ من التذكير بالنقطة التالية وهي:

أَنّ اللهَ سبحانه وتعالى وإنْ وَعَدَ المؤمِنين بالثواب على أعمالِهم الصالِحة، وفي المقابل أوعد على الاَعمال السيئة، ولكن "الوعدَ" و "الوَعيد" هذين يختلف أحدُهما عن الآخر  في نظر العقل  لاَنّ العَملَ بالوعد أصلٌ عقليٌ، والتخلّفَ عنه قبيح، لاَنّ في التخلّف عنه تضييعاً لِحقّ الآخرين، وإن كانَ هذا الحقُ مما أوجبَهُ الواعدُ، نفسُه على نفسه، وهذا بخلاف الوعيد فهو حق للمُوعِد وله الصفح عن حقه والاِعراض عنه ولهذا لا مانعَ مِن أن تستر بعضُ الاَعمالِ الصالِحة الحسنة قباحةَ بعض الاَعمال السيئة وهو ما يُسمّى بالتكفير1.

وقد صَرَّحَ القرآنُ الكريمُ بكونِ بعضِ الاَعمال الصّالحة الحَسَنة مكفّرةً للاَعمال السَّيئة، وأحَد هذه الاَعمال هو اجتناب الشخص للذنوب الكبيرة:(إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائرَ ما تُنْهَونَ عَنْهُ نُكَفّرْ عَنكُمْ سَيِئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيماً)(النساء:31).

وكذا يكونُ لاَعمالٍ أُخرى مثل التوبة2، وصدقة السروغير ذلكَ مِثل هذا الاَثر.

 

الخلود في الجحيم خاصّ بالكفّار

إنّ الخُلودَ في عذاب جهنّم خاصّ بِالكفّار، وأمّا المؤمنون العُصاة الذين أشرقت أرواحهم بنورِ التوحيد، فطريقُ المغفرة والخروج من النار غير مسدودة عليهم كما يقولُ اللهُ تعالى:(إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمنَ يَشَاءُ وَمَن يُشْرِك بِاللهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً)(النساء:48).

إنّ الآيةَ المذكورةَ الّتي تخبرُ بِصراحة عَن إمكان المغفرة والعفو عن جميع الذنوب (ما عدا الشرك) ناظرة  من دون شَكٍّ  إلى أُولئك الّذين ماتُوا من دون توبة، لاَنّ جميعَ الذنوب والمعاصي  حتى الشرك  يشملُها العفوُ والغفرانُ إذا تابَ عنها الاِنسانُ.

وحيث إنّ هذه الآية فَرَّقت بين المشرك وغير المشرك، وَجَب أن نقول: إنّها تحكي عن إمكان مغفرةِ من ماتوا من دونِ توبة.

ومن الواضح أنّ مثلَ هذا الاِنسان إذا كان مشركاً لم يغفرِ اللهُ له، وأمّا إذا لم يكنْ مُشركاً فيمكنهُ أن يأمَل في عَفو اللهِ ويَطمع في غفرانه ولكن لا بشكلٍ قَطعيّ وحتميّ، إنما يحظى بالعفو والغفران من تعلَّقت الاِرادةُ والمشيئةُ الاِلَهيّةُ بمغفرته.

فإنّ قَيْد "لِمنْ يَشاءُ" في الآية تضعُ العُصاة والمُذنبين بين حالَتي "الخَوْف" و"الرَّجاءِ" وتحثهم على التوقّي من الخطر وهو التوبة قبلَ الموت.

ولهذا فإنّ الوَعدَ المذكور يدفع بالاِنسان على طريق التربية المستقيم، بإبعاده عن منزلَق "اليَأس" و"التجرّي".

*العقيدة الاسلامية،آية الله جعفر السبحاني

--------------------------------------------------------------------------------

الهوامش:

1- لاحظ التحريم:8.

2- لاحظ البقرة:271.


الحبط والتكفير

الجنة والنار وتجسد الاعمال

التوسل باختصار

البدعة باختصار

بواعث إنكار المعاد وشبهات المنكرين

أشراط الساعة (2)

المعاد وحكمة الخلق

 

 

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)