• عدد المراجعات :
  • 4477
  • 6/28/2009
  • تاريخ :

التعريف الاجتماعي القانوني للجريمة  

الجريمة

يأخذ التعريف الاجتماعي القانوني للجريمة بمسألة الخروج على المعايير الاجتماعية ، و انتهاك القانون في آن واحد ، و من هذا المنطلق عرفت الجريمة بأنها ، كل سلوك مؤذ و ضار اجتماعيا ، و يتعرض صاحبه للعقاب من الدولة .

و هي أيضا ، كل فعل انتهك القيم الاجتماعية ، التي حددتها الغالبية العظمى من الهيئة ، التي وضعت القانون الذي يجسد هذه القيم .

التعريف النفسي للجريمة:

شهد هذا الجانب ، مثله مثل الجوانب السابقة ، اختلافات أخرى ، غير أن الاختلافات في مجال علم النفس ظ، تبدو أقل بسبب أنه ركز على جانبين في تعريفه للجريمة:

الأول : ان الجريمة غريزية.

الثاني : ان الجريمة فعل لا إرادي ناتج عن صراعات نفسية ، تحدثها مكبوتات اللاشعور .

ففي الجانب الأول عرفت الجريمة بأنها :

( فعل يهدف إلى إشباع غريزة إنسانية ،  و صادف هذا الإشباع خلل كمي أو شذوذ كيفي في هذه الغريزة ، انهارت معه الغرائز السامية و الخشية من القانون ) .

و في الجانب الثاني ، عرفت الجريمة بأنها:

( انعكاس لما تحتويه شخصية الفرد من مرض نفسي ، يعبر عن صراعات انفعالية لاشعورية ، و لايعرف الفرد صلتها بالأعراض ، التي يعاني منها ) .

بعض تعاريف علم النفس ، تمزج بين المفهوم النفسي و القانوني و الاجتماعي للجريمة ،  ومن قبيل ذلك تعريف يقول : (الجريمة فعل إنساني ، يسأل عنه الفرد ، و يتحمل عواقبه إذا توافرت الإرادة و الحرية و الاختيار ) ، و مما يلاحظ على التعاريف النفسية للجريمة ، أنها تركز على الحالة الصحية للنفس و العقل لدى الشخص ، وقت ارتكابه للفعل ، و هي أمور تتطلب فحصا علميا متخصصا في الطب و العلاج النفسي ، و الطب العقلي ، لإثبات اعتلال الصحة النفسية من عدمه قبل المحاكمة ، و هناك من السلطات القضائية بل الدينية بشكل عام في بعض المجتمعات من لا تزال تنظر إلى علم النفس على أنه ضرب من الكفر.

إن علم الجريمة و العقاب علم واسع و معقد ، و يدخل في تراكيب و تفاعلات مفاهيمه كل مكونات المعرفة الإنسانية ، و ما أوردناه من تعاريف ليس إلا اختصارا لعدد كبير ، و موسع من التعاريف ، التي احتوتها معظم الدراسات العربية و الأجنبية في مجال علم الجريمة و العقاب ، و هي في صياغتها و مواضعها الأساسية ، و في صورها المختصرة هذه ، تدل بوضوح على أنه قد أصبح لدى العلماء و الباحثين و المفكرين اقتناع بوجود عوامل موضوعية وراء الإجرام ، تشرك المجتمع و مؤسساته في المسؤولية عن السلوك الإجرامي ، أو تخفف من العقاب على الجاني ، أو تدرأ العقوبة بإخراج الجاني من نطاق المسؤولية الأخلاقية عن فعله ، و هي العوامل نفسها التي دعت المشرعين إلى تصنيف الجرائم حسب شدتها إلى جناية جنحة مخالفة ، و يمكن تقسيم هذه العوامل إلى ثلاثة محاور، كل محور يحتوي على عدد من التفريعات على النحو الآتي:

المحور الأول : البيئة الأساسية للمجتمع و تشمل

البيئة الجغرافية ، البيئة الثقافية ، البيئة الدينية القيمية ، البيئة العائلية البيئة السياسية ، البيئة الاقتصادية ، البيئة التعليمية ، البيئة السكانية التغير الاجتماعي.

المحور الثاني : المعايير الأخلاقية و المثالية السائدة و تشمل

الضوابط الاجتماعية التقليدية و الرسمية ، نظام التدرج الاجتماعي ، الدخل و الثروة ، المنافسة ، و الصراع .

المحور الثالث : العوامل الشخصية و تشمل

الوراثة ، التكوين النفسي ، التكوين العضوي .

من المؤكد أن هذا التحول لم يكن سريعا أوسهلا، فقد بدأت بوادر التفكير في الأسباب الموضوعية للسلوك الإجرامي منذ عام 1586م على يد العالم ( ديلابورطا Della Borta ) ، حين تحدث عن وجود علاقة بين الجريمة و العيوب الجسمية الظاهرة على الفر د، إلا أن بعض الموروثات الثقافية السيئة عن العصور القديمة و الوسطى ، استمرت تتناقلها الأجيال كحجر ، لم يتبدل حتى العصر الحديث في بعض المجتمعات ، من ذلك أن عقوبة الخرق على الخازوق ظلت تطبق في أوروبا حتى عام 1786م .

 كما أن الاتجاه الكنسي بالتخلي عن فكرة أن المجرم شيطان ، يجب استئصاله من المجتمع ، لم يظهر إلا في القرن الثامن عشر ، و على الرغم من البطء الشديد للتغير الاجتماعي بعامة ، و وجود عوائق تلقائية ، و أخرى مصطنعة اعترضت سبيل هذا التغير .

فإن من الواضح أن التطورات الفكرية في مجال تفسير السلوك الإجرامي ، كانت سببا في تطور أهداف العقاب ، و تحولها من الرغبة في الانتقام من الجناة إلى الرغبة في إصلاحهم و إعادة تأهيلهم ، والتحول من العقوبات الاستئصالية و البدنية إلى العقوبات السالبة للحرية و منها السجن،

و لكون المجتمعات الغربية حديثة عهد بعقوبات القرون القديمة و الوسطى ، فقد ظهرت عقوبة السجن على أنها اتجاه إنساني ، و يبدو أيضا ، أنه بازدياد التطور الفكري ، بدأ النقد يطال هذه العقوبة ، و ازدادت القناعة بضرورة الإصلاح من نظم السجون ، و تحويلها من مؤسسات عقابية بحتة ، إلى مؤسسات إصلاحية ، إلى جانب كونها تنضوي على إجراء عقابي ، كما هو الحال عندما بدأ إصلاح نظم السجون في أمريكا بعد الحرب الأهلية ، ثم تحول هذا الاتجاه إلى برنامج رسمي في الولايات المتحدة الأميركية ، لتحسين أساليب التعامل مع المذنبين ، و تطبيق بدائل الإجراءات الجنائية و العقابية و برامج الخدمة الاجتماعية في جميع مراحل الدعوى الجنائية ، و ذلك في عام 1968م.

و يمكننا في نهاية هذا الموضوع ، أن نخلص إلى مجموعة حقائق و استنتاجات من أهمها:

1 - ان التغير الفكري سمة لازمت الإنسان منذ الأزل القديم ، لكن هناك عوائق مادية و معنوية ، طبيعية و مصطنعة ، اعترضت طريقه ، مما أدى إلى ركوده أوتقهقره أو الإبطاء من سرعته.

2 - ان تطور العقاب مرتبط ارتباطا تاما بالتطور في مجال تفسير السلوك الإجرامي ، و تابع له.

3 - ان المؤسسات التشريعية في المجتمعات الغربية ، نظرت إلى عقوبة السجن كاتجاه إنساني في معاملة المذنبين ، قياسا على العقوبات الوحشية ، التي كانت تطبق في المجتمعات الغربية خلال العصور القديمة و الوسطى.

4 - ان نتائج البحوث العلمية و الفكرية ، لاتحدث التحول المطلوب في المجتمع بشكل سريع و فعال ، ما لم يكن هناك سعي حقيقي من السلطة نحو الأفضل ، بحيث تقبل تلك النتائج و ترعاها.

5 - إن العقوبة في معظم مجتمعات العصر الحديث ، و بخاصة في النصف الأخير من القرن التاسع عشر ، لم تعد غاية في حد ذاتها ، و إنما أصبحت وسيلة تهدف إلى العلاج و الوقاية.

6 - ان هناك ستة اتجاهات في تعريف الجريمة هي: الاتجاه الإسلامي ، الاتجاه الاجتماعي ، الاتجاه القانوني ، الاتجاه الاجتماعي ، القانوني الاتجاه النفسي ، الاتجاه النفسي ، القانوني الاجتماعي.

7 - انه لا يوجد تعريف للجريمة متفق عليه بين مختلف الثقافات و التخصصات العلمية ، فالوقت لم يحن بعد.

8 - ان تقسيم جاروفالو للجريمة إلى طبيعية و مصطنعة ، يمكن أن يكون مدخلاً لإيجاد تعريف متفق عليه للجريمة الطبيعية على أساس أن الشفقة و الأمانة ، تتشابه لدى كل المجتمعات ، و ليس من المنتظر أن تتطابق في المستقبل القريب ، و ما لا يدرك كله لا يترك جله ، أما الجريمة المصطنعة فسوف يبقى الاختلاف على تعريفها قائما طالما أن هناك اختلافات ثقافية كبيرة بين المجتمعات ، و سوف تتقلص هذه الاختلافات كلما زاد عدد المجتمعات الموجودة على مقدمة مذنَّب الحضارة بسبب انتقال مجتمعات إلى هذا الموقع ، بعد أن وصلت من الرقي الحضاري إلى مستوى يؤهلها لهذا الانتقال ، و هنا يكون التجانس الحضاري قادرا على إيجاد تعريف موحد للجريمة ، لايشذ عنه إلا مجتمع ما زال على ذيل المذنَّب الحضاري.

9 - ان المشرعين قد أحسنوا صنعا ، عندما قسموا الجرائم إلى جناية جنحة مخالفة ، و كم  سيكون مفيدا ، لو أن المشرعين ، تخلصوا من عيب دقيق في هذا التقسيم ، يتمثل في أنه تم في إطار لفظ الجريمة و مفهومها العام ، فالمشرعون عندما قالوا ، ( تقسيم الجرائم ) أبقوا المخالفة و الجنحة جريمة ، فجُرد هذا التقسيم من هدفه ، و لجعل هذا التقسيم يحقق هذفه ، نقترح تعديل عبارة ( تنقسم الجرائم ) إلى عبارة ( تقسيم الأفعال المعاقب عليها ) ، ثم يتم إحلال لفظة ( جريمة ) ، محل لفظة ( جناية ) ، ليصبح التقسيم على النحو الآتي:

( تنقسم الأفعال المعاقب عليها إلى ، جريمة جنحة مخالفة ) ، و هذا التقسيم المقترح سيسهل ، ايضا، وصف من يرتكب فعلاً يعاقب عليه فيصبح : ( مجرما ، جانحا ، مخالفا ) ، ( مجرمة ، جانحة ، مخالفة ).


عولمة الجريمة و الإرهاب 1

عولمة الجريمة و الإرهاب 2

عولمة الجريمة و الإرهاب 3

مفهوم الضحية بين نظرية علم الاجتماع والنظرية العامة للتجريم

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)