• عدد المراجعات :
  • 1976
  • 3/11/2009
  • تاريخ :

المسؤولية الأخلاقية للعلماء- البيوإتيقا

البنية الوراثية

إذا كانت المخاطر التي يطرحها تحكم الشركات المتعددة الجنسية فيما أضحى يعرف بالذهب الأخضر للقرن الواحد والعشرين (الجينات) تتجاوز إرادة العلماء، فإن ما تنبه له البيوإتيقا في هذا الإطار يتعلق بالدرجة الأولى بالمسؤولية الأخلاقية للعلماء تجاه أبحاثهم واكتشافاتهم في الوقت الذي صارت فيه تحت وصاية المؤسسات الصناعية. بل إن هذا التحذير يذهب أحيانا إلى رفض أشكال التحكم الجيني التي يطورها العلماء بمختبراتهم والمنطوية على مخاطر محتملة مثل نشر الأمراض بواسطة فيروسات معدية، وتهديد الإنسان في غيريته واختلافه، كإنتاج أعضاء بشرية موجهة لأغراض تجارية. وعن هذه الأخيرة تؤكد هيلين كاردين أن الطلب في هذا المضمار قوي بلا شك، وأن التقنية على ما يظهر لا تجد بدا من الاستجابة له إلى أبعد الحدود.

مما يبعث على قلق حقيقي اتجاه تسويق المنتوج العلمي واستخدامه لأغراض تتناقض والمبادئ المؤسسة لخصوصية الكائن الإنساني.

ما هي طبيعة المشاكل الأخلاقية التي يواجهها العلماء أثناء نشاطهم؟

تقول كلودين جوينين أنها تتمثل في مستويين:

 1) مستوى البحث العلمي، 2) مستوى تطبيق الاكتشافات العلمية المترتبة عن البحث.

 وتعتقد أن هذه المشاكل ربما تحتد وتتعقد أكثر على المستوى الثاني، سيما وأنه مجال منفتح على المستقبل وغير متوقعة آفاقه البعيدة فكثير من المشاكل تنحدر من تطبيق قوانين Huriet والبيوإتيقا على أبحاث الهندسة الوراثية. على أنه في بعض الحالات يدعو العلماء إلى توخي نوع من الحذر الفكري تجاه تضخم وتعملق المشكل الأخلاقي، إذ أن "كثيرا من الأخلاق تقتل الأخلاق" كما تقول كلودين، زيادة إلى أن بعض القوانين الشرعية المنظمة للبيوإتيقا تستنزف الكثير من الوقت على صعيد البحث. وإذا كانت قوانين Huriet ضرورية في زمنها لتأطير البروتوكولات العلاجية فإن تمديدها لتشمل الأبحاث في نطاق الهندسة الوراثية تطرح الكثير من التعقيدات، خصوصا في الاختبارات الوراثية على المرضى لدى الشركات وشركات مشكلا سياسيا خطيرا للغاية. ويعتقد أنه بالنظر للإيقاع الذي تسير به الأمور فإن الاختبارات ستنتهي لأن تصبح في متناول غايات جماعية طالما أن الطلب واقعي تماما. فالأفراد أنفسهم سيطالبون بمعرفة مستقبلهم الجيني. ويضيف هذا الباحث أن السؤال المطروح حول مستقبل الاختبارات يتمفصل مع العلاقة الأبدية للعرض والطلب. فلما يتعلق الأمر بحالة عائلة مثلا مهددة باحتمال كبير للإصابة بسرطان الثدي، فإن الخوف يكون واردا لدى الأفراد عموما.والحالة هاته فإن واجب الطبيب أن يعمل في اتجاه الملاحظة الجينية لأنه في جميع الأحوال المعرفة أفضل من الخوف.

وعلى خلاف كلودين .ج يرى جون بيير شنجو "أن القوانين الأخلاقية في الميدان الطبي لا تعرقل تطور البحث، بل التأطير القانوني للبحث أمر لا بد منه، خاصة بالمجالات التي تهم البحث في الوقت الراهن، حيث تطرح مسألة كرامة الفرد. ومن ثم فإن دور اللجنة الاستشارية الوطنية للأخلاق بفرنسا مثلا، يتمثل بالأساس في معالجة كثير من النقط المتصلة بحماية كرامة الأفراد ومنع الانحراف الذي يتهدد البحوث الطبية في ميدان التجارب على السكان واختبار فعالية الأدوية. ويشير الباحث في هذا السياق إلى أن محكمة نورنبيرغ 1946 بإدراكها لجرائم الأطباء النازيين، شكلت المحطة التأسيسية للتفكير البيوإتيقي. وعليه فإن من واجب اللجنة المذكورة أن تتصدى للقضايا الأخلاقية المترتبة عن تطور الأبحاث سواء تعلق الأمر بالفرد أو الإنسانية جمعاء.

إن البيوإتيقا أضحت اليوم مرجعية عمومية لمواجهة التحديات التي تطرحها الثورات العلمية الجديدة في عدد من المجالات، وخصوصا ما يتصل بقدرات بعضها على تغيير أنماط الحياة في الكون وتعديل الكائنات الحية وتهديد التنوع البيولوجي مثل الهندسة الوراثية التي تزعم القدرة على تغيير الجينوم البشري وبالتالي الجنس البشري نفسه.

والحال أن هذه التحديات تتجاوز العلماء أنفسهم في كثير من الأحيان، وهو ما يدعو إلى خلق تحالفات واسعة تضم قوى متعددة ومتضامنة للتصدي لها على المسرح العمومي. ولعل مبادرة جيرمي ريفكن في هذا الصدد لجديرة بالانتباه. فقد قاد هذا الأخير تحالفا احتجاجيا دوليا ضد تسجيل براءة الاختراع تسيطر عليه شركات لا رادع أخلاقي لها مثل شركة (ميرماد جبيتيك) التي سجلت براءة اختراع "جين" يكبح ورم سرطان الثدي BRCA وقامت بتسويق اختبارات جينية مسموحة تجاريا، وهو ما رأى فيه هذا التحالف تهديد واضح لخصوصية النساء، سيما إذا وصلت المعلومات إلى شركات التأمين، هذا فضلا عن كون ذلك يعد احتكارا وتجاوزا لمنطق التنافس العلمي مما يمكن القطاع الخاص من جني أرباح طائلة من بحث ممول من قبل الدولة.

على أن المشكلة تظل قائمة ضمن مسؤولية العلماء في معالجة الآثار الأخلاقية المترتبة عن أبحاثهم في مجال الهندسة الوراثية على وجه الخصوص.

يذكر م.كاكو أن علماء البيولوجيا الجزيئية استفادوا من أخطاء علماء الطاقة النووية الذين أغفلوا التجاوزات بسماحهم القيام بتجارب إشعاعية سرية على مواطنين أبرياء 20 ألف دون علمهم منذ الأربعينات، وذلك بأن طالبوا بتخصيص 3% من ميزانية مشروع الجينوم لمعالجة التأثيرات الأخلاقية والقانونية والاجتماعية، والتي تظل على كل حال نسبة ضئيلة للغاية. على أن مسؤولية هؤلاء تبقى قائمة لمواجهة التجاوزات المحتملة للثورة الجينية، مما يحتم ضرورة المساهمة في خلق نقاش "واعي بين مواطنين مثقفين لاتخاذ قرارات ناضجة بشأن تكنولوجيا من القوة بما يسوغ أن نحلم بأنها ستتحكم في الحياة نفسها". وطالما أنه من المستحيل احتواء التكنولوجيا الحيوية، فليس بالإمكان، يقول "كاكز"، سوى مناقشة واختيار التكنولوجيا المختلفة إما عبر قانون حكومي أو عن طريق الضغط الاجتماعي والسياسي". ويعتقد هذا العالم أيضا أن أفضل وسيلة للتصدي للمشاكل الأخلاقية والقانونية والاجتماعية الناجمة عن علم الجينات تتمثل في "ذكر مخاطر وإمكانيات البحث الجيني علنا أمام الجمهور وإصدار قوانين تحدد بشكل ديمقراطي اتجاه التكنولوجيا نحو تخفيف المرض والألم". بل إن عالمنا لا يرى مانعا من التحريم النهائي لبعض نواحي البحث الجيني التي لا يمكن التحكم فيها واحتواء مخاطرها.

وإجمالا يقترح "كاكو" أن ترتكز مسؤولية العلماء على المساهمة الجدية في ترسيخ مبادئ بيوإتيقية تضمن ما يلي: 1) العدالة للجميع، 2) عدم التمييز الجيني، 3) حق الخصوصية بمنع إذاعة الأسرار، 4) الرعاية الصحية وإتاحة الخدمات للجميع، 5) الحاجة إلى التعليم ورفع وعي الجماهير.

إن هذه المبادئ هي عموما ما يسمح بالتعاطي مع الأخلاق كمسألة تقع في صلب جدلية العلاقة بين العلم واستعمال المعرفة من قبل المجتمعات الإنسانية بما يضمن حقوق الأفراد وكرامتهم وخصوصياتهم.

المصدر/ القسم العربي - تبيان


المرجع الشامل في علم الوراثة  

البنية الوراثية: Genotype

شبکة الحياة

علم الوراثة الإنجابي والإرشاد الوراثي من المنظرين العلمي والأخلاقي

البنية الوراثية -بكتيريا قرحة المعدة تؤرخ لهجرات الشعوب

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)