• عدد المراجعات :
  • 2774
  • 3/7/2009
  • تاريخ :

نظرية النشوء والارتقاء
التطور،  الصعود

 

نطلق صفة التطور أو التكامل على كل اتجاه من البسيط إلى المركب، ومن الفوضى إلى النظام. وقد تم إطلاق اسم "الداروينية" ‏أولاً على النظرية التي كانت تبحث عن منشأ وتكوين الأحياء. ثم أطلق عليها اسم "التطور ‏Evolotion‏" وهي كلمة لاتينية الأصل ‏تعني شيئاً أو جسماً له طبقات متعددة, وتنفتح كل طبقة بشكل متعاقب الواحدة منها إثر الأخرى، وفتح أستاره للنفوذ إلى داخله. ‏وفي الاستعمال اليومي لكلمة "التطور" نلاحظ أنه علاوة على ضمها لمعاني التكامل التدريجي والارتقاء والنضج، فهي لا تشير فقط ‏إلى الداروينية، بل تستعمل أيضاً للتعبير عن التغيرات الحاصلة في الأحياء نتيجة للطفرات والتغيرات والاستحالات. أي أننا نعني ‏بالتطور جميع الأفكار والطروحات الداروينية القديمة منها والحديثة.‏

كان هناك في الحقيقة من طرح ادعاءات مشابهة لهذا قبل دارون، منهم "كانت" و"باكون" و"هيجل" حسب رأي البعض. بل ‏إن بعضهم أدرج مع الأسف العالم والشاعر المتصوف "إبراهيم حقي" (الوفاة 1780م) ضمن هؤلاء. بينما ذكر هذا العالم ‏المتصوف أن الإنسان يحتل الذروة بين الأحياء. وهو يعتقد أن هناك مراحل تنقية واصطفاء واستحالة بين المخلوقات التي خلقها الله ‏تعالى من العناصر الأربعة (الماء والهواء والنار والتراب)، وأن المعادن هي المرحلة الأولى ثم تأتي بعدها النباتات ثم الحيوانات ثم ‏الإنسان، وأن هناك بين كل مرحلتين مرحلة وسطى، وأن المرحلة الوسطى بين الإنسان والحيوان هي القرود التي هي أكثر ‏الحيوانات قرباً وشبهاً بالإنسان. وفي الطبعة القديمة من كتابه "معرفت نامة" (ص 19) يتكلم عن مثل هذه المراحل التكاملية، ‏ولكنه بعد صفحتين يدخل في موضوع الخلق المباشر مستنداًَ إلى المعاني الظاهرة في هذا الخصوص والواردة في الآيات القرآنية وفي ‏الأحاديث الشريفة وليس إلى أي نظرية أو أي ادعاء آخر، فيقول:‏

‏(إن الله جل جلاله انتقى آدم من الطين اللازب للأرض وهيأه -أي عمل خليطاً ومعجوناً من حساء بروتيني- ثم خلق الإنسان ‏منه).‏

وقد يبدو أن هناك فرقاً بين هذين الطرحين وتناقضاً عند هذا العالم في هذا الموضوع، ولكن لا يوجد في الحقيقة أي فرق أو أي ‏تناقض، ذلك لأنه كان يعني في طرحه الأوّل ما ذكره بعض من عاشوا قبله بعدة قرون (من أمثال ابن تركي الاصفهاني) وما ذكره ‏بعض المتصوفة وهو التكامل الحاصل في العقل والروح. أي أن الموجودات على سطح الأرض تعرض تدرجاً من ناحية الملكات ‏العقلية والقلبية. وهو تقييم يشترك فيه الحكماء المسلمون، وحسب هذا التقييم فهناك تنازل قوسي من السماء حتى الأرض (أي ‏خط بياني تنازلي)، وفي الأرض هناك قوس تصاعدي يبدأ من الجماد إلى النبات والحيوان حتى ينتهي بالإنسان. أي كان من ‏المستحيل أن يطرح أحد قبل ثلاثة قرون أو خمسة أو عشرة قرون نظرية تطورية تستند إلى الكروموزومات والجينات والطفرات. ‏لـذا فإن ما جاء في ص 19 من كتاب إبراهيم حقي هو إشارة وتقييم للتكامل العقلي- الروحي عند الموجودات، لذا نراه عندما ‏يتحدث عن عملية الخلق بعد صفحتين يشير صراحة وبوضوح إلى تفوق الإنسان وسموه ويقول:‏

‏(لقد أوجد الله تعالى من نوره جوهراً عظيماً وأنشأ منه الكون بأجمعه، وأظهره مرتباً ومتدرجاً، ويطلق على هذا الجوهر الجوهر ‏الأولي أو النور المحمدي أو اللوح المحفوظ أو العقل الكلي أو العقل النسبي).‏

إن اعتبار ما قاله العالم إبراهيم حقي حول حقيقة تكامل الوجود وحول ما ذكره حول الروح والمادة، كل على حدة، وتصور ‏وجود علاقة لما ذكره في هذا الخصوص مع نظرية التطور البيولوجي التي طرحت بعده بعد نصف قرن من قبل لامارك ودارون ‏سيؤلم روح هذا الولي الكبير. وعلى الرغم من هذه الحقيقة نرى أن بعضهم -غفر الله لهم- وعلى رأسهم جمال الدين سرور روانك ‏اوغلو وضياء الدين فخري فندق اوغلو، وجواد دورصون اوغلو الأرضرومي المشهور يدعون أن هذا الولي الكبير قال بنظرية ‏التطور البيولوجي، وكان من دعاتها وأنصارها.‏

وعلى الرغم من الآراء المختلفة -التي ذكرنا بعضا منها- فلم يكن هناك من طرح فكرة التطور البيولوجي قبل دارون أو نظرية ‏الاستحالة (‏Transformation‏) قبل دارون سوى العالم الفرنسي "لامارك"، فقد نشر كتابه (فلسفة علم الحيوان) الذي شرح فيه ‏نظريته في التطور في سنة ميلاد دارون (1809م). واشتهر هذا الكتاب عندما بلغ دارون سن القراءة.‏

يمكن ذكر ثلاثة عوامل ساقت دارون لطرح نظريته المعروفة. الأوّل هو قيام القس الانكليزي "مالتوس" بنشر رسالته في إنكلترة ‏في عهد كان فيه الفقر سائداً. كان مالتوس يرى أن زيادة السكان يُعدُّ عاملاً من عوامل الفقر، وكان يعارض القانون الحكومي ‏الذي كان يقضي بقيام الحكومة بمساعدة الفقراء من خزينة الدولة. وقام بنشر كتابه ( تجربة حول السكان) عام 1798م ذكر فيه ‏أن السكان على سطح الرض يتزايدون بنسبة هندسية، بينما لا تتزايد مصادر الغذاء إلا بنسبة عددية,‏ ‏ وذلك بسبب محدودية ‏الأراضي القابلة للزراعة، وأنه لولا وقوع أنواع عديدة من الكوارث الطبيعية كالسيول والآفات والأمراض المعدية لما كان بالإمكان ‏توفير الغذاء للسكان المتزايدين. وكان "مالتوس" يدعو الحكومة -حسب فكرته هذه- إلى إلغاء قانون مساعدة الفقراء. أما دارون ‏فقد استخرج من نظرية مالتوس -التي قدمت لغاية اقتصادية صرفة- نتائج علمية، حيث استند إليها -كما سنرى فيما بعد- في ‏وضع نظريته في الانتخاب الطبيعي (‏Natural selection‏).‏

والعامل المؤثر الثاني على دارون كان كتاب (حول القانون الذي ينظم ظهور الأنواع الجديدة) لمؤلفه "ألفريد رسل والاس" ‏الذي كان يقوم بأبحاثه في شواطئ أمريكا الجنوبية وفي جزر ملايا في المحيط الأطلسي. وفي الرسالة الطويلة جداً -والتي كانت بمثابة ‏كتاب- التي بعثها والاس إلى دارون أشار إلى أن المخلوقات التي تبدي تكيفاً مع بيئتها هي التي تستطيع إدامة حياتها، أي كان يشير ‏إلى وجود صراع بين الأحياء في الطبيعة. وعندما طرح دارون نظريته المعروفة كان يستند إلى مثل هذه الطروحات.‏

والعامل الثالث المهم الذي أثَّر على دارون كان بعض العلماء السابقين الذين تناولوا هذا الموضوع وذكروا حوله آراءهم مهما ‏كانت قيمة تلك الآراء، منهم "لامارك" الذي يقول عنه السيد "عدنان آدي وار" (كان شخصاً بسيطاً وكحاطب ليل يجمع بعض ‏المسائل بسرعة ودون تمحيص وبشكل لا يليق بحرمة العلم). بينما يقال أن دارون كان يجمع الآراء والأفكار من مختلف المصادر ‏ويرتبها بشكل أكثر حيوية وأكثر قرباً من الطريقة العلمية. غير أنه سيتبين مما سنذكره فيما بعد من بعض الحقائق بأن جميع ‏ادعاءات دارون وطريقة جمعه المعلومات وتصنيفها وتقديمها بعيدة عن الطريقة العلمية بفراسخ عديدة.

محمد فتح الله كولن


البنية الوراثية و نظرية التطور

علم الوراثة الإنجابي والإرشاد الوراثي من المنظرين العلمي والأخلاقي

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)