• عدد المراجعات :
  • 3232
  • 2/11/2009
  • تاريخ :

الإسلام والسعادة الدنيويه
السعادة

 

في المأثور عن أهل بيت العصمة(عليهم السلام) نور من نور الكتاب وهدى من هداه ، وكلماتهم مرآة تربك أفكار الكتاب ومفاهيمه ورؤاه وطروحاته . فلتكن لنا وقفة مع الحديث في المحاور التالية :

 سعادة الدنيا

«ثلاثة هي من السعادة الزوجة المواتية ، والولد البارّ ، والرزق يرزق ، معيشة يغدو على صلاحها ويروح على عياله» [1] «من سعادة المرء المسلم أن يكون متجره في بلاده ، ويكون خلطاؤه صالحين ، ويكون له ولد يستعين به» [2] ، «إن من سعادة المرء المسلم أن يشبهه ولده ، والمرأة الجملاء ذات دين ، والمركب الهني ، والمسكن الواسع» [3] ، «من سعادة المرء أن تكون صنايعه عند من يشكره ومعروفه عند من لا يكفره» [4] .

تتحدث الكلمات عنهم(عليهم السلام) عن أمثلة من زوجة جميلة موافقة ذات دين ، ومركب هنئ مريح ، ومسكن واسع ، وصلاح معيشة ، ومكسب مستقر ، ومن ولد بارّ ، وخلطاء صالحين ، وجو اجتماعي مناسب ممّا يعطي راحة بال وهدأة نفس وانشراح خاطر هنا في الحياة ، وتعد ذلك من السعادة المطلوبة المرغوبة التي تدفع إليها .

وإذا راجعت الإسلام في أنظمته كلها وجدت هذه الكلمات منهم(عليهم السلام)ترمز إلى مضامين تتكفل تلك النظم بتحقيق مصاديقها على أرض الواقع، بل إن هذه الكلمات نفسها إنما جاءت لتؤدي دورها في إطار النسيج العام الإسلامي لتحقيق واقع السعادة في الأرض بما تطيقه ظروف الحياة عليها ، فهي مؤشرات عامة لخلق المناخات الفكرية والنفسية والاجتماعية التي تحتضن هذا اللون من عوامل السعادة في مجتمع تسوده روح التقوى وأمل الآخرة . على أن الإسلام كما تقدّم لا يحاول أن يقيم للسعادة في الأرض كيانا مفصولاً عن قضية الإيمان والقيم الرفيعة، والتربية الإلهية لذات الإنسان ، فإنه شأن لا يلتقي ورؤيته الكونية الأصيلة وعلمه الدقيق بالإنسان ، مع كونه يرى أن مثل هذه المحاولة أمر فاشل ، فإن بقاء الجوعة الروحية في الإنسان ، وما يحدثه التوجه المادي الصرف من فوضى في حياة المجتمعات ، ومن طموحات جنونية في نفوس الأفراد والجماعات تجاه المادة بما تعجز الأرض عن تلبيته ، ويمثّل ملهاة مضِلّة مُغوية للإنسان ; كاف لأن يحرم من السعادة من طلبها عن طريق النهم المادي المفتوح وإشباعه ، كيف وهو كلّما تنامى هذا التهم داخله احترق به ؟ أو كل ما تسبّب إليه من اجتماع مال وجاه وقوة وسلطة بيده زاد من مستوى همّه وقلقه والحسرة على مفارقته ؟!

إن ما لا شك فيه هو أن المنهج الرباني يأخذ المجتمع الإنساني إلى منجاة من الفقر والمرض والخوف والجهل والكسل والتمزّق ، وعن كل العوائق التي تستهلكه في دوّامة همومها ومآسيها عن تكميل ذاته ، وصناعة مستواه الإنساني الكريم ، وتستنفذه دون أن يحقّق غاية حياته من سموّ الروح وعظمة المعنى ، كما نأى به عن حياة الضنك والشحّ والمعاناة في أوضاعه المعاشية والمادية عامة حتى لا تضيق به الحياة ولا تتحول أيام دنياه إلى مأساة وطريقه إلى اللّه سبحانه إلى طريق شائك . الأصل أن يعيش أوضاعاً موسّعة تُلمسه لطف اللّه به في كل جنبات الحياة ، على أن لا يكون له من تمدّد الثروات والغنى الفاحش، ويبطره ويلهيه عن الغاية القصوى من معرفة اللّه وعبادته ، ويجعله ركّاضاً وراء سراب العزّة والعظمة والخلود الكاذب في المال ، ومظاهر الزينة السطحية ، ومستنقع الشهوات .

وقد يأتي تدفّق في النعم استدراجاً لا رحمة لقوم لا يفقهون (أيحسبون أنما نمُدُّهم به من مال وبنين * نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون) [5] كما قد يأتي النقص فتنة ودرسا من دروس الواقع المر لتتجلى من خلاله الأحجام والأوزان ، وتنكشف لذاتها ولغيرها الذوات في مجتمع الإنسان : (ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين) [6] .

وهاتان ظاهرتان تكوينيتان تحدثان بتقدير إلهي حكيم تأديبا أو تربية حسب مقتضيات أوضاع المجتمع البشري في الحكمة الإلهية المتعالية ، والتحولات التي تعرض عليه من انحراف عن خط اللّه عمداً أو غفلة انحرافا يمسُّ التصورات والمشاعر والتوجهات وأنماط السلوك والتعامل . وهذا الدرس التكويني أو ذاك إنما يعمل على ردّ المجتمع البشري لما يستهدفه النظام التشريعي من تركيز الأوضاع بالصورة التي تناسب سعادة الإنسان في الحياة وتجلّيها في حدِّها الأكمل في الآخرة .

الهوامش:

[1] البحار 100 : 5 ح 18 .

[2] نفس المصدر : 7 ح 27 .

[3] البحار 63 : 149 ح 3 .

[4] ميزان الحكمة 4 : 463 من غرر الحكم .

[5] المؤمنون : 55 ـ 56 .

[6] البقرة : 155 .


الآمال الطويلة عند الإنسان

الأبعاد الروحية للشعائر الإسلامية

تشريعات حفظ الكرامة الإنسانية

الإيمان بالله.. هو الدواء الشافي

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)