• عدد المراجعات :
  • 3020
  • 10/12/2008
  • تاريخ :

الشّك فيمن تحبّ
الحب

زرت صديقاً حميماً امس، فوجدته غارقاً في مناجاة نفسه ذاهلاً عنّي على غير ما الفته من حسن معاملته الدائم لي، فعجبت منه دون ان استنكر عليه فعله، او اسأله عن المخاطب في نجواه، فقد غرقت في تأمّل قوله لنفسه: ماذا جنيت من سوء الظّنّ ايها الاثم؟

لم لم تتأكّد حالك قبل الزّواج، فتستريح من الشّك فيمن تحبّ؟

أليس اخبارك امّك وزوجك بحالك في بدء الزّواج خيراً لكم جميعا؟

ايّ فاجعة نزلت بك لو فعلت ما وسوس لك الشّيطان به في ذلك اليوم المشئوم؟

من انجاكم من عار الدّنيا ونار الاخرة غير رب العالمين سبحانه وتعالى؟

وأفقت من سكرتي، وابتسمت في وجهه الحزين قائلاً: من تخاطب بربّك؟ وما المناسبة؟ فاجاب عن ابتسامتي باحلى منها وقال: لما رأيت وسمعت يا اخا الروح قصّة مريرة جرت لاحدهم في مثل هذا اليوم قبل خمس سنوات.

فضحكت وقلت: وهذا اوان التفضّل بها مشكورا.

فابتسم ثانية، وقال بلطفه اللطيف: حباً وكرامةً لمن القى السّمع وهو بصير.

واطرق هنيهة قال بعدها: اجل يا ابن امّي، لقد كان ذلك الرجل معلّماً شكاكاً في النّساء ولا سيّما المتعلّمات منهنّ، ولذا لم تجد امّه اللبيبة الفطنة بدّاً من النّزول على ارادته ان يتزوّج ابنة عمه التي لم تخرج لمدرسة قطّ.

وعاشت الاسرة الصّغيرة ايّاماً احلى من العسل زادها حلاوة مرّ الشّهر الاوّل والعروس البتول على طهرها الذي دخلت به هذا البيت المزدهر بعفافها العفيف.

وضحّت الامّ الحليمة العروسين الى صدرها، وقبّلتهما مبشّرة ابنها بالسّراج الذي سينير المنزل المتطلّع الى نوره الحبيب.

فاغضت العروس الحسناء حياء ورجاء، وخفق قلب زوجها بما تكرهه الاسرة، لكنّه تظاهر بغيره.

وفي وقت استفاض فيه سرور الحماة وكنّتها بهذا الامل الواعد في كل مكان لم يكن سرور ربّ البيت سوى تظاهر بارد فضحه تبدّل معاملته لهما تبدّلاً بدّد طمأنينة ذلك البيت السعيد.

ولم تعرف المرأتان النّبيلتان سرّ هذا التبدّل السريع في وقت كانتا ترجوان فيه ان يتلألأ سيّد البيت بما سمع، فالرجل كتوم حذر لا يفلت منه شيء حتى خيال ذلك السّر المرتبط برجولته ارتباطاً وثيقا.

واخذ المعلم المرتاب غيظاً على امرأته التي ما اختارها الاّ حبّاً لها وثقةً بها كلما مرّت ساعة من الشّهر الثاني لا تخبر بكذب الحمل، لانّ صدقه يعنى خيانة تلك البتول العفيفة المقدّمة على كلّ عفيفة عنده، فقد اخبره الطّبيب انّه لن يكون له ولد الاّ بعلاج طويل.

وتسهّد ليله، وتعاظم غمّه، حتى جزم بالانتقام منها انتقاماً يشفي قلبه، ويغسل عاره من دون ان يخرب بيته.

وعزم على حسم امره قبل ان يبين لاحد من الناس في يوم تذهب فيه امّه لزيارة اخته فتنجو من الخطر المحدق بمن بدّلت حسن ظنّه بها سوءا.

ورأى ان يفتح الغاز في المطبخ عند خروجه من الدار، ويغلق بابه، لينفجر على الخائنة متى فتحته، او فعلت ما يبعث على الانفجار.

وسنحت الفرصة المنتظرة، فقد ذهبت امّه لزيارة اخته عصر الجمعة، لتعود صباح الاثنين، وبات هو تقلّبه كفّ التّردّد فيما نوى، فلمّأ اصبح ودّعته امرأته الى عمله داعية له ان يعود سالماً من كلّ اثم غانماً من كلّ برّ.

وعاد قبل الزّوال ليفعل ما بيّته من سوء شدهه عنه وجود امّه غير المحتمل في ذلك الوقت فسألها دهشاً: ماذا وراءك يا امّاه؟

فاجابته: خير يا ولدي.

فقال لها: ما اسرع عودتك!

قالت: اجل، فقد شاركوا جيرانهم في رحلة استجمام بدأت اليوم، وحملتني على العودة اليكم. وما كاد يستريح حتّى اجهشت اليه قائلة: دع هؤلاء، وكلّمني في الامل الذي خاب يا ولدي. فقال مرتبكاً: ايّ امل يا امّي؟

وهي تمسح الدّموع المتحدّرة على خدّيها: النّور الذي اردنا ان نستضيء به.

واثلج كلامها صدره، فسألها متحقّقاً ما قالت: ولم خاب جعلت فداك يا امّي؟

قالت: لانّ ابنة عمّك النّبيلة لم تكن حاملاً اصلا.

فتأكّد براءة امرأته، وقال وهو يضحّها هي وامّه اليه مواسياً: اخلف الله لنا. وحمد الله واثنى عليه في اعماق نفسه اذ انقذه من فتنة وارية وحفظ عليه كرامته وسعادته.

ونسي ان يعود الى المدرسة التي اذنت له بمغادرتها ساعة لقضاء امر لابدّ منه. وعاشا بعد ذلك متسامحين لا يكدّر صفوهما شيء، حتى فجأته امّه يوماً قائلة له: لقد قرأت امرأتك العفيفة الطّهور كلّ ما استسرّ في نفسك المضطربة يوم اخبرناك بما فتمنّاه جميعاً ووعدته حرفاً حرفاً، لكنّها ما ازعجتك بسؤال ولا عتاب اكراماً لك، واعتزازاً بك، ولو كانت غيرها مكانها اذاً لاذاقتك الوان العذاب.

وانتبه انّه اذا نام هجر بما خطر له في يقظته، فاستحيا، وشكر لامّه ايقاظها اياه من الغفلة، ولامرأته اخلاصها له وعفوها عنه معتذراً اليهما ممّا حمله عليه الضّعف.

فسرّتا وذهبوا جميعاً الى طبيب بارع في علاج امثاله، فكشف عن خطأ الطّبيب الاوّل في علاجه فازداد ندماً واسفاً على ما فرّط في جنب ابنة عمّه السامية.

ورزقه الله هذين البدرين المشرقين بين يديك بلطفه _ تعالى _ واحسانه. فعانقته مباركاً له ما رزقه الله _ سبحانه _ شاكراً له هذه القصّة من قصص العبرة. .

بقلم  بشير  الجزائري

العلاقةالزوجيةالناجحة

العفة والستر علاقة متفاعلة بين الرجال والنساء

فشل العلاقة الزوجية ...الاسباب والحلول

كما تدين تدان

الحب المتبادل

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)