• عدد المراجعات :
  • 2679
  • 9/21/2008
  • تاريخ :

الشيـطان
شيطان

كلما خشيت ان ينطفئ الشّعاع الباقي من سراج شبابها الذابل في خدمة اب كريم بلغ عندها الكبر اعتصمت بالجلد، وانفقت من روحها وراحتها في برّه، حتى انفضّ من حولها من تنافسوا في نيل رضاها، وكفوا السمع عن ذكرها، ولم يشفع لها عفيف الجمال ولا نبيل الخصال.

وباعت ما في الدار البائسة من بالي الاثاث قطعة فقطعة، فناءت بفادح الدّين في علاجه، وهدّدها الدائنون بالاستيلاء على دارها لقاء مالهم عليها، فضاقت عليها الارض بما رحبت، وفي خضمّ هذه المحنة رزقها الله ان تكون كاتبة في ادارة المستشفى المجاور لمأواها، فسهل عليها ان تصون وجهها عن الوقوف بابواب الذين نسوا حتى السائل والمحروم فيما اتاهم الله من فضله تقترض الغذاء والدّواء، وان تطلّ على ابيها العليل بين فينة واخرى مستأنسة باقبالها عليه ورضاه عنها بعد ان القته كف الزّمان في ظلّها الحنون حطاماً تخلّى عنه القريب ونسيه البعيد.

وما كادت تبتهج بما انعم الله عليها من رزق جديد خفّف عنها شيئاً من العبء الثقيل، حتّى شانتها الالسنة بما نسجه خيال الحسد والظلم عليها من زخرف الباطل، فتأجّج قلبها غضبا، واشتعل رأسها شيبا، فناحت بين يدي ابيها متفجّمة متوجّعة من هول ما نزل بها من البلاء الذي تمنّت لو انّها خرجت من الدّنيا قبل ان تترامى اليها كلمة منه.

وهوّن عليها الاب ما شكت منه، ودلّها على رجل صالح متجمّل بالزهد ساع في اصلاح ذات البين في ظنّه.

فاسف ذلك الرجل على ما اصابها من الافك، وطمأنها بوقوفه معها يشدّ ازرها وييسر امرها، ويذود عنها السّوء. وناولها مبلغاً من المال يؤدي العاجل من دينها المتراكم.

شيطان

وعادت اليه تجدد الشكر له على تخفيفه ما انقض ظهرها من همّ الليل وذلّ النهار، وتعده ان توفيه حقّه فور استطاعتها.

فمدّها بمبلغ اخر من المال، وقال: هذا وما قبله هبة لك، ولك لديّ مزيد.

وبعد مدة رجا الاّ يلقاها على خلاف الشّرع، فظنّت ان الحظ العبوس قد ابتسم لها بعد طول تجهّمه لها، وان الرجل الزاهد السّخيّ خطبها على ابنه الطيب الذكر، فقالت: له مسرورة: وهذا ما يسعدني غاية السّعادة. وبهتت حين سمعته يقول لها: اذن نتزوج زواجاً ليس وراءه الاّ ان يحلّ لاحدنا ان يخلو بالاخر بلا حرج، فانا هنا فانت في بيت ابيك لا يجمعنا الاّ قضاء حاجتك غير اثمين.

وهالها ما سمعت، وابته في البدء، لكنّ محامياً نبيلاً حظها على الثّقة بهذا الرجل الذي يخشى ربّه، ويعرف حلاله من حرامه.

وانطفأت جمرة الافتراء عليها منذ استجابت للذئب الذي بقي يتوسّل اليها ان تنبله ما زعم انه لا يريده منها، لكن بلا جدوى ومضى عليهما زهاء عام ايقنت فيه انّ مكره الفاجر هو مثار الافتراء عليها، وقرّرت ان تنتقم لنفسها من غدره، وتكشف النّقاب عن شرّه.

ووجهته المحكمة بما لا يعلمه سوى تلك الانسة التي جنى عليها ابشع الجنايات مستخفياً بلباس الصّالحين، فقال متفاصحاً في جوابه: قد علم الجميع اني كففت عنها سوء السّمعة، وسترت عليها تفريطها بنفسها، وقضيت دينها في سبيل الله الذي تفرّق عنه الناس، فوقفتني هذا الموقف.

فقال المحامي الذي دلّها عليه في البدء محسناً به الظنّ: هذا رجل ركب ثقة الناس به الى ماربه، فهو الذي شوّه سمعة هذه الانسة مثلاً، وعاد يعبّرها فعله كما استمعتم في دفاعه عن نفسه بدلالة امرين: احدهما اشتراطه وقف الافتراء عليها بأن يتزوجها، وقد حصل ذلك الوقف مذ عقد عليها. والاخر اقرار من يبعد تواطؤهم على الكذب _ وهم الواقفون بينكم _ بأنّه اول سمّع بها. وحسبه بهذا جرما.

واماّ ادّعاؤه تفريطها بنفسها، فايغال في الجرم مردود بأمرين ايضاً: اولهما انّه لم يمسسها قطّ على ما اعلمتني هي نفسها وثانيهما هو هذا الذي يقطع كل مقال.

ورفع المحامي يده بكتاب من الطّبّ العدليّ يشهد ببراءة موكّلته من كلّ سوء، ووضعه بازاء القاضي، وقال: وليس بعد ذا من بيان عن جرم مخاتل اظهر الخير، واضمر الشّرّ.

ولذا اطلب من المحكمة الموقّرة الحكم على هذا الرّجل بكلّ ما يفرضه القانون من عقاب. وهتفت القاعة بالتعزير في الملأ العامّ والتغريم والحبس والنّفي.

وهكذا كان، فقد رأيته يجلد في ساحة المدينة الكبرى حليقاً، ثمّ طيف به حافياً مكشوف الرأس على حمار في الازقّة والشّوارع.


وسائل الشيطان

سبل الاستقامة وحسن العاقبة

محاسبة النفس ومراقبتها

الملجأ عند الشدة

ظلم النفس

العفة وحقيقتها ومحاسنها

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)