• عدد المراجعات :
  • 4461
  • 4/28/2008
  • تاريخ :

الانتحارSuicide

الانتحار

  مقدمة

يتعلق الأمر بموضوع كلاسيكي في علم الاجتماع. وبعد ما تطرق إليه الإحصائيون (الأخلاقيون) جري ومورسلي مثلاً، كان موضوعاً (لدراسة سوسيولوجية) شهيرة وضعها دوركهايم الانتحار Le Suicide (1897). وقد أعيد النظر فيما بعد بأطروحات دوركهايم وصححت عدة مرات ولاسيما من قبل هالبواش في (Les causes du suicide) (1930) أو من قبل هنري وشورت (Suicide and homicide) (1964) تقع كل هذه الدراسات في مجرى (الإحصاء الأخلاقي) كونها تتناول جميعها الانتظام والتغيّر والفروقات في معدلات الانتحار كما تلاحظها الإحصاءات الرسمية. ومنذ فترة غير بعيدة كانت صحة هذه الرؤية الكمية موضوعاً للنقد الجذري على الأقل، إذا لم يكن مبطلاً لاسيما من قبل دوغلاس (1967).

يمكن تفسير اهتمام الإحصائيين الأخلاقيين بظاهرات الانتحار بواسطة ثلاثة أسباب. أولاً، ثمة في العديد من البلدان، أحياناً منذ البدء، وغالباً اعتباراً من النصف الثاني للقرن التاسع عشر، إحصاءات رسمية للانتحار: إنها تشكل مدونة إحصائية متميزة تسمح بالمقارنة في الزمان وفي المكان. ثانياً، كانت معدلات الانتحار تظهر بصورة عامة متصاعدة بانتظام خلال القرن التاسع عشر بكامله: أليس ثمة مادة متميزة للتأمل حول نتائج ما سيسمى فيما بعد (الثورة الصناعية)؟ ثالثاً، الانتحار هو عمل فردي دون منازع. ولكن المعطيات الإحصائية تبدو وكأنها تتميز بانتظام ملفت للنظر. ذلك أن النصف الثاني من القرن التاسع عشر يهيمن عليه فيما يتعلق بابيستمولوجيا العلوم الاجتماعية تيار طبيعي قوي (ليس ثمة فرق بين الظاهرات الإنسانية والظاهرات الطبيعية) وتيار وضعي (ينبغي أن تدرس الظاهرات الإنسانية على غرار الظاهرات التي تدرسها العلوم الأخرى ولاسيما الأولى بينها وهي الفيزياء). كانت دراسة الانتحار (مثل دراسة الجريمة) تمثل إذن فائدة خاصة من وجهة النظر الابيستمولوجية: لقد سمحت بإثبات أن الأفعال الأكثر فردية في الظاهر يمكن اعتبارها عن حق نتاج القوى (كما يقول الإحصائيون الأخلاقيون مستعيدين بمغزى، مفهوماً رئيسياً في الفيزياء) الجماعية ومظهراً لها.

إن كتاب الانتحار لدوركهايم هو بالتأكيد المؤلف الأساسي الصادر عن تيار الإحصاء الأخلاقي. فدوركهايم يحاول أن يبرهن، مستعملاً مجموعة هامة من المعطيات، أن الانتحار لا يمكن اختزاله إلى ظاهرة نفسية أو نفسانية مرضية: فلا نرى علاقة إحصائية بين معدل الانتحار ومؤشرات حدوث الأمراض العقلية. ولكن برهان دوركهايم حول هذه النقطة ليس مقنعاً كثيراً. وبالفعل، إنه يقفز فوق صعوبة التفسير التي أبرزها التحليل الأيكولوجي الكمي للترابطات المحسوبة على وحدات جماعية والانتحار لا يمكن أن يختزل حسب دوركهايم إلى التاثير الفيزيولوجي للعوامل الجوية والمناخية، رغم وجود دورات فصلية للانتحار، وبالفعل، تترافق الدورات الفصلية للانتحار بدورات أسبوعية ودورات يومية. الأولى وحدها يمكن أن ترتبط بتأثير من هذا النمط، وهذه الفرضية ايضاً يقتضي رفضها ليس إلا لأن الدورات الفصلية للانتحار أكثر بروزاً في الريف منها في المدينة. فأشكال الانتحار التي لا يمكن ربطها لا بالأسباب الفردية ولا بالأسباب (الطبيعية) ينبغي إذن أن تدرك حسب دوركهايم بصفتها أثراً لمتغيرات اجتماعية.

حينئذٍ يوسع دوركهايم نظريته الشهيرة عن الأنماط الأربعة للانتحار: إن تكيف الفرد مع المجتمع يفترض ألا تكون التفردية فظة جداً أو قصوى جداً. إذا كانت قصوى جداً، تولد فردية مفرطة يسميها دوركهايم بالأنانية. وعندما يميل الفرد لأن ينقطع عن محيطه وأن ينعزل فيتطور الانتحار من النمط الأناني. إذا كانت التفردية فظة جداً فإن الانتحار من النمط الغيري يصبح أكثر حدوثاً. من جهة أخرى، يفترض التوازن بين الفرد والمجتمع ألا تكون الضوابط الاجتماعية إكراهية جداً ولا قليلة الإكراه أو مشكوكاً فيها: إن الضوابط الشديدة الإكراه تساهم في حدوث انتحارات من النمط القدري. وإذا أخذنا مثلاً لاحقاً لدوركهايم فإن انتحار الكاميكاز من هذا النمط. وإن الضوابط القليلة الإكراه تترافق بتطور الانتحار من النمط الارتباكي. وإن عدم توجيه الفرد برؤية واضحة للأغراض والوسائل ذات القيمة اجتماعياً، يضله.. لقد قاد دوركهايم برهانه ببراعة منهجية كبيرة، وحلل تحليلاً جيداً في مقالة مهمة لسيلفان وأخترع دوركهايم مستبقاً الآخرين، ما سيسميه المنهجيون فيما بعد التحليل المتعدد التنوع، والتحليل (الأيكولوجي) الكمي، الذي ينسى مع ذلك مبادئه – كما رأينا – عندما يقود إلى استنتاجات تبدو له غير مرغوب فيها. فلكي يبين مثلاً أن الانتحار ينمو مع الأنانية، يبحث دوركهايم عن عدد معين من المؤشرات لهذا المتغير (غير المرئي) بحد ذاته: إن الديانة البروتستانتية باعتبارها تترك مكاناً واسعاً (لحرية الضمير) تبدو له أنها تدفع إلى الأنانية أكثر من الديانة الكاثوليكية. ذلك أننا نرى أن معدلات الانتحار تكون بصورة عامة أعلى في البلدان البروتستانتية، وأنها تتغّير (في المقاطعات الألمانية أو الكانتونات السويسرية مثلاً) وفقاً لنسبة البروتستانت فيها. فضلاً عن ذلك، تبرهن معطيات فردية (وغير متجمعة كما في الأمثلة السابقة) أن البروتستانت لديهم معدلات انتحار أعلى من الكاثوليكيين. وكان أن الأنانية – حسب دوركهايم – تميل إلى الانخفاض في فترات الأزمات السياسية والحرب، كذلك الانتحار الأناني فإنه يتراجع بشكل موازٍ. والمسيرة هي نفسها فيما يتعلق بالأنماط الأخرى للانتحار (لنشر مع ذلك إلى أن الانتحار القدري ليس موضوعاً إلا لملاحظة قصيرة). وهكذا يظهر دوركهايم وجود ما سيسمى فيما بعد (الترابط) بين معدلات الانتحار ومؤشرات الارتباك. فالانتحار أكثر حدوثاً مثلاً في مرحلة الازدهار الاقتصادي المفاجئ، ويكون أكثر حدوثاً في المهن المميزة للمجتمعات الصناعية الحديثة منه في المهن التقليدية. وهو يتزايد في الوقت نفسه مع الطلاق، الخ.

إن هالبواش، خلال تفحصه لنظرية دوركهايم بعد مرور ثلاثين سنة عليها، يؤكد قسماً من استنتاجاته. وهكذا، إن تنوعات الانتحار المرافقة للأزمة البولانجية (Boulangiste) ولقضية دريفوس تظهر بوضوح أن معدلات الانتحار تميل إلى النمو في فترة الأزمة السياسية. وفي الوقت نفسه، إن المعطيات الإضافية التي توفرت لهالبواش بالنسبة لدوركهايم والنقد الدقيق لنص دوركهايم سمحت له بإظهار هشاشة بعض البراهين الواردة في كتاب الانتحار والمتعلقة مثلاً بالتعارض الكاثوليكي البروتستانتي: فالدانمارك والسويد وبخاصة النروج عرفت اعتباراً من عام 1900 بالنسبة للبلد الأول واعتباراً من عام 1840 بالنسبة للبلدين الآخرين، معدلات انتحار أدنى بكثير من معدلات فرنسا مثلاً. هل كان ذلك ناجماً عن أن السويد والنروج، كانا في تلك الحقبة بلدين زراعيين؟ من الصعب قول ذلك. من جهة أخرى، يظهر هالبواش بوضوح أن استنتاجات دوركهايم بخصوص ألمانيا مشكوك فيها: فالبروتستانتيون ليسوا فقط بروتستانتيين؛ إنهم كذلك بصورة عامة، متمركزين على الأغلب في المدن مثل الكاثوليك، وتوزعهم في المدى الاجتماعي – المهني يختلف عن توزع الكاثوليك؛ وفضلاً عن ذلك ، تحتوي مقاطعات ألمانيا الشرقية أقليات مهمة من أصل بولوني. يمكن تلخيص نقد هالبواش بالطريقة التالية: ثمة العديد من استنتاجات دوركهايم كانت افترضت أن التحليل المتعدد التنوع (كما يقال في اللغة الحديثة) يمكن أن يدفع أكثر من ذلك. وكان يقتضي إدخال عدد أكبر من متغيرات الرقابة. ولكن بالنسبة لنقاط جوهرية، تكون مثل هذه الرقابة غير قابلة للتطبيق بسبب الترابط الذي تقيمه المتغيرات (التفسيرية) فيما بينها. إن الكاثوليكيين أقل تمثيلاً في الواقع من البروتستانتيين في بعض المهن وأكثر منهم في البعض الآخر. كيف يمكن في هذه الحالة، فصل أثر المعتقد على أثر المهنة؟ هل أن معدلات الانتحار عند البروتستانت أعلى لأنهم بروتستانت. أم لأنهم يمارسون أكثر من غيرهم مهناً مثيرة للضيق؟ لقد كان دوركهايم واعياً في بعض الحالات للمشكلة التي يطرحها وجود ترابط بين المتغيرات التفسيرية. ولكن في حالات أخرى، لا يرى أن هذه الظاهرة التتابعية – كما سيقال فيما بعد – يمكن أن تحول دون الحسم بين الفرضيات المختلفة جداً. وبمواجهة هذه الصعوبة، كان لديه ميل بالأحرى إلى الخيار، كما يشير إلى ذلك خفية هالبواش، بالنسبة للتفسيرات التي تظهر له بأنها الأكثر اتفاقاً مع نظريته العامة للانتحار.

فيما تبقى، تتناول مساهمة هالبواش ثلاث نقاط رئيسية. من ناحية أولى، أنه يبين بوضوح مصاعب التفسير لإحصائيات الانتحار التي تنجم عن التنوع في الزمن وفي المكان لنمط إبرازها. ومن ناحية ثانية، إنه يشير بحق إلى الأهمية الناجمة عن الأخذ بعين الاعتبار ليس فقط عمليات الانتحار (الناجحة)، وإنما كذلك محاولات الانتحار، فكلتاهما تظهران موزعتين بطريقة مختلفة ومرتبطين بمتغيرات مثل السن أو الجنس بطريقة غالباً ما تكون متناقضة. وهكذا، تكون عمليات الانتحار (الناجحة) أكثر عدداً عند الرجال، ولكن محاولات الانتحار أكثر عدداً عند النساء، ومن ناحية ثالثة، بعد أن عمل هالبواش أكثر من ربع قرن بعد دوركهايم، استطاع أن يبين أن معدلات الانتحار، التي تزايدت بصورة عامة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر تميل إلى الاستقرار، وحتى التناقض في بعض البلدان من بداية القرن العشرين إلى الفترة التي كتب فيها. وإذا مددنا ملاحظات هالبواش، نذكر أن التطورات كانت من ثم متنوعة جداً من وضع إلى آخر: وهكذا، بين 1903 – 1913، 1970 كان الانتحار مستقراً في هانوفر، في هس وفي بيد – ورتنبرغ ولكنه تزايد في بافاريا ووستفاليا، (ألمانيا)؛ وكان مستقراً في لندن من 1900 إلى 1970، ولكنه يتناقص بقوة في باريس خلال المرحلة نفسها. إن مثل هذه التنوعات تستبعد دفعة واحدة كل تفسير مجتزأ. وليس مؤكداً أننا نستطيع اليوم تأكيد استنتاج آخر من استنتاجات هالبواش، القائل بميل إلى التماثل في معدلات الانتحار، رغم أن معدلات الانتحار تظهر ميلاً إلى التزايد منذ عقد من الزمن.

نستخلص من التفحص النقدي لدوركهايم الذي قام به هالبواش – والذي يفرض نفسه بشكل أقوى أيضاً عندما نتفحص معطيات الانتحار اللاحقة التي كان يمكن أن تتوفر لهالبواش – إن التحليل (المتعدد التنوع) المستعمل من قبل دوركهايم، إذا كان حقاً طريقة فعالة لتحليل معطيات الانتحار، فعليه أن يتضمن عدداً مهماً من متغيرات الرقابة، وكما أنه في العديد من الحالات، لا يمكن ملاحظة متغيرات مهمة على مستوى التحقيقات الاحصائية، يكون من الضروري إكمال هذه التحقيقات بتحقيقات على العينات تسمح في آن واحد بإدخال هذه المتغيرات غير المرئية وبإبعاد آثار المتغيرات التي تظهر أنها مرتبطة على المستوى الإحصائي. وحتى اليوم، فإن الدراسات الخاصة بحالة معينة والدراسات الخاصة بالعينة والدراسات المنطلقة من الإحصائيات، هي موضوع لتحليلات غير منسقة. ينجم عن ذلك أن سببية الانتحار وتنوعاته في الزمن وفي المكان تفوتنا في جزء كبير منها على الرغم من النتائج التي أبرزها دوركهايم ودققت من قبل هالبواش. إننا نقدّر اليوم إلى أي حد تكون سببية الانتحار معقدة. كيف نفسر مثلاً أنه منذ عام 1830 وحتى الفترة التي كتب فيها هالبواش، تزايد الانتحار والإدمان على الكحول بشكل مضطرد في فرنسا، وتراجعت الظاهرتان في النروج، بينما في السويد تدنى الإدمان على الكحول في حين تزايد الانتحار؟ هذه التطورات المعقدة تحث على أن نتفحص بتأنٍ النظريات التي تزعم أنها تكشف تأثير بعض السمات الثقافية الوطنية على معدلات الانتحار. وحتى لو احتوت هذه الفرضيات الثقافية قسطاً من الحقيقة، من الصعب الاعتقاد – قد يقتضي في كل الأحوال إثبات ذلك باللجوء المنهجي إلى التحليل المتعدد التنوع الذي رأى دوركهايم بوضوح أهميته الأساسية في تحليل وتفسير المعطيات الإحصائية – إن معدلات الانتحار مرتفعة في فرنسا وفي ألمانيا لأنه يوجد في هذين البلدين بورجوازية صغيرة واسعة تميل بصورة خاصة إلى الزهد.

الانتحار

إن الصعوبات التي يصادفها تطبيق الطرائق الإحصائية على تحليل الانتحار ولّدت نقداً جذرياً: نقد دوغلاس في الولايات المتحدة وعلى أثره بشلير في فرنسا لقد دعا دوغلاس، بعد أن دفع إلى الحد الأقصى بشكوك هالبواش حول مدى صحة الإحصاءات حول الانتحار، دعا إلى تحليل من النمط البيوغرافي والنوعي؛ إن الهدف الذي عليه أن يسعى إليه عالم الاجتماع المهتم بالانتحار لا يمكن أن يكون إلا إظهار تفسير الانتحار بالنسبة للفرد الذي يرتكبه.

من الصعب تخيل موقع أبعد لدوركهايم من موقع دوغلاس. لقد سعى الأول ليبين أن حوافز المنتحرين هي في آن واحد أصعب من أن يتناولها التحليل وذات فائدة علمية ضعيفة. وأراد الثاني ألا تمثل الحوافز وحدها فائدة علمية وحسب، وإنما أن تكون وحدها سهلة المنال اعتباراً من الوقت الذي يحكم فيه على المعطيات الإحصائية بأنها غير قابلة للاستعمال. لقد طوّر بشلير بشكل رائع المنهج المقترح من قبل دوغلاس: فانطلاقاً من مدوّنة لتاريخ الانتحار، بذل جهده لكي يبين أنه بالإمكان دائماً، عندما تتوفر عناصر المعلومات الكافية، تفسير الانتحار باعتباره جواباً على وضع معين: كل عمليات الانتحار تنجم عن كون المنتحر ترك نفسه ليحشر في فخ. ينبغي إذن أن يفسر الانتحار باعتباره حلاً (استراتيجياً) أعطاه الفرد لمشاكل وجودية. ومع أن مثل هذه النظرية تتضمن قسطاً مهماً من الحقيقة. فإنها دون شك، على غرار نظرية دوركهايم التي تعارضها، عامة جداً في طموحها. من الصعب القبول أن الانتحار ينجم دوماً عن أسباب اجتماعية، كما أراد دوركهايم. ومن الصعب كذلك القبول بأن نظرية (استراتيجية) للانتحار يمكن أن تكون ذات مدى عام. إن النظريتين، بإنكارهما لتأثير العوامل التي وصفها دوركهايم (بالنفسانية المريضة) تبديان تسلطية سوسيولوجية ذات أساس ضعيف على الأرجح فيما يتعلق بتحليل الانتحار.

من الصحيح، كما كان قد أوحى بذلك هالبواش، أن دراسة الانتحار لا يمكن إلا أن تتعمق إذا كان بمقدورنا تحليل دوافع الانتحار – هذا الغرض الذي اعتقد دوركهايم دوغماتياً وجوب إنكار فائدته – من الناحية المثالية، تقتضي معرفة الدوافع، أي توزيع دوافع الانتحار والأسباب الاجتماعية المؤثرة على توزيع هذه الدوافع وكذلك على تنوعات هذا التوزيع في الزمان وفي المكان. يفترض ذلك التخلي عن الرؤية السوسيولوجية التي تعتبر أن لا دوافع الانتحار، ولا بصورة عامة أسباب الانتحار المرتبطة ببنية الشخصية، يمكن أن تمثل (وقائع اجتماعية) ملائمة، وكذلك الرؤية الذرية التي تعتبر أن عالم الاجتماع عليه أن يقتصر على إقامة تصنيفية لسلوكيات الفرد التي تؤدي إلى الانتحار.

 

الانتحارعدوان على الذات، شعوري وإرادي، يسبّب الموت.

الانتحار أكثر تواتراً لدى الرجال منه لدى النساء (أكثر بمرتين إلى ثلاث)، ولكن محاولات الانتحار منتشرة لدى النساء أكثر من الرجال بمرتين. ويزداد عدد حوادث الانتحار مع العمر (لثلثي ضحايا الانتحار عمر يزيد عن خمسة وأربعين عاماً)، ولكن محاولات الانتحار تنجز على الأغلب قبل الأربعين عاماً. ويمثل الانتحار في فرنسا 16% من مجموع وفيات المراهقين من خمسة عشر عاماً من العمر إلى عشرين (مقابل 1.65% لدى الراشدين)، وثمة، في رأي ف. دافيد سون وب. أنجل (1978)، نحو أربعين ألف شاب يعتدون على حياتهم سنوياً. أما أسباب الانتحار فمعقدة ولا تزال غير معروفة بصورة كاملة، ونجد على الغالب، لدى الشباب، إخفاقاً مدرسياً أو عاطفياً، والانعزال الوجداني (طلاب، متدربون، انتقلوا إلى مدن كبيرة)، وغياب التواصل، والإرهاق، وانشغال البال بالمستقبل والصعوبات المادية، والعدوى الذهنية، والمحاكاة، يمكنهما أن يؤديا دوراً في الانتحار. والواقع أننا نسجل في بعض الأحيان أوبئة حقيقية من الموت الإرادي في بعض الأماكن المعينة (بركان، سكة قطار، الخ) بحيث أن السلطات المحلية مرغمة على حراستها، وسلوكات التدمير الذاتي يمكن أن يحرضها مؤلف فلسفي أو فني أو أدبي مثل آلام فرتر لغوته (1774)، أو الباب الضيق (1909)، لأندره جيد، أما عوامل الانتحار لدى الأكبر عمراً فهي التدهور الجسمي والعاهات، والوحدة، والصعوبات المادية، والشعور بعدم الجدوى، بل الاستبعاد من الجماعة الاجتماعية، والصورة النموذج (للمرشح) إلى الانتحار في الولايات المتحدة الأمريكية هي صورة رجل (75% من المنتحرين) من عمر معين، من العرق الأبيض (عدد المنتحرين من البيض خمس أضعاف عددهم من السود)، أرمل أو مطلق، يعيش وحده، مريض ودون عمل. وعدد المنتحرين يظل مرتفعاً في فرنسا لدى سكان الأرياف والأطر العليا، وينقص عدد المنتحرين في زمن الحرب، ولكنه يزداد خلال مراحل (الازدهار) الاقتصادي. ويبدو أيضاً أن الشروط الجغرافية وشروط التغيرات الجوية تؤدي دوراً في هذه الظاهرة، ذلك أن انخفاضات الضغط الجوي المفاجئة يرافقها ازدياد حوادث الانتحار، وهي أكثر تواتراً في الشتاء منها في الصيف، في الوديان وعلى طول الشاطئ أكثر منها في الجبال وبلدان الغابات. وبين عوامل الانتحار الأخرى الممكنة، يمكننا أن نلاحظ ضرباً من الاستعداد الأسري المسبق، المرتبط بوراثة مثقلة (ذهان الهوس الاكتئابي على الأغلب).

وكوّنت العلاقات بين الانتحار والاضطرابات النفسية موضوع مناقشات محمومة. والمقبول في الوقت الراهن أن للمرضى العقليين نزوعاً إلى التدمير الذاتي أقوى من نزوع الأفراد الأسوياء. فالفعل يمكنه أن يكون اندفاعياً أو، على العكسن موضع تأمل طويل. والموت الإرادي متواتر بصورة خاصة لدى السوداويين، حتى لدى أولئك الذين يبدون في مرحلة خمود، وغير نادر أن يرى المرء هؤلاء المرضى يسببون الموت لدى بعض أعضاء محيطهم. ونلاحظ بخاصة لدى المكتئبين، غير السوداويين، محاولات انتحار. وفعل تدمير الذات، لدى الفصاميين، طارئ اندفاعي، ترافقه تشويهات في بعض الأحيان، وبتر أعضاء يتحقق دون انفعال ولا ألم ظاهر. والانتحار نادر لدى المصابين بالهذيان المزمن. إن له عندئذ دلالة الهروب بالنسبة إلى (مضطهد)؛ والتضحية بالنسبة لهاذ صوفي؛ وقرارٍ بطولي لدى المصاب بالذهان الهذائي. وتظل أفكار الانتحار لدى المصابين بالعصاب الوسواسي على الأغلب في مرحلة الفكرة الثابتة المرهقة. ونواجه عادة لدى الهستيريين محاولات انتحار مشهدية، ولكنها يمكنها أيضاً أن تؤدي بهم إلى الموت. ومحاولات التدمير الذاتي لدى المصابين بعدم التوازن في الطبع متواترة، اندفاعية دائماً على وجه التقريب، ونقول أخيراً أن الارتكاسات الانتحارية متوافرة إلى حد كاف في حالات السكر الكحولي ولدى المصابين بالصرع.

ويؤكد إميل دوركهايم، في دراسته الانتحار (1897)، إذ قارن تواتر الموت الإرادي في مختلف الجماعات الإنسانية، أن هذا التواتر يزداد طرداً مع تراخي الروابط الاجتماعية.

والسلوكات الانتحارية يمكنها أن تكون ذات وظائف مختلفة ثلاث: فالانتحار، بالنسبة لبعض الأفراد، يكوّن وسيلة تجنب، الهروب من وضع هم عاجزون عن قبوله. وهو، بالنسبة لآخرين، يقابل الارتداد ضد الذات، ارتداد دافع عدواني لم يكن يمكنه أن يوجه ضد الغير. إنهم يعتدون مع ذلك على من يحيطون بهم حين يعتدون على حياتهم هم، ذلك أن على من يحيطون بهم أن يواجهو الحزن، بل تأنيب الضمير، والانتحار بالنسبة للكثيرين، أخيراً، رسالة يائسة تعبر عن ضروب اللوم الموجهة إلى الغير على اللامبالاة، كما تعبر في الوقت نفسه عن العجز عن الاضطلاع بوضع صعب. ويعاني كثير من المنتحرين عاطفة العزلة والنبذ. وهذا هو السبب الذي من أجله تكوّنت هيئات الوقاية من الانتحار، في كل أنحاء العالم على وجه التقريب، بدءاً من الأربعينيات من هذا القرن، وحددت لنفسها مهمة مفادها أن تستجيب لكل نداء هاتفي، في النهار والليل، وتصغي دون أن تطلق حكماً، وتسكّن حصر صاحب النداء، وتبذل جهدها في نقل بعض من الدفء الإنساني إلى المتحدثين المغفلين، وتعيد إليهم شيئاً من الأمل. وأشهر هذه التنظيمات هما تنظيم (S.O.S للصداقة) يُعنى بالإصغاء الهاتفي المغفل وتنظيم (بحث ولقاء) لاستقبال الذين يشعرون بالعزلة.

 

المصدر: ويكيبيديا، الموسوعة الحرة

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)