• عدد المراجعات :
  • 3134
  • 11/26/2007
  • تاريخ :

إطلالة على حياة الإمام علي ( عليه السلام )
 الإمام علي

ذريّة بعضها من بعض

كان عليّ بن أبي طالب من سلالة ذرية طيّبة و عائلة كريمة في صفاتها ، صالحة في أخلاقها و سيرتها ، محمودة في خصالها ، رفيعة في شمائلها ، متميّزة في رجالها و سيادتها ، فبنو هاشم ، سادة قريش بل سادة الدنيا ، « ملح الأرض ، و زينة الدنيا ، و حلى العالم ، و السنام الأضخم ، و الكاهل الأعظم ، و لباب كلّ جوهر كريم ، و سرّ كلّ عنصر شريف ، و الطينة البيضاء ، و المغرس المبارك ، و النصاب الوثيق ، و المعدن الفهم ، و ينبوع العلم ... ».

فقد كان منها أكرم خلق الله تعالى على الإطلاق ، محمّد بن عبدالله و كان منهم آله الطاهرون ، و أعظمهم و أفضلهم سيّدهم عليّ بن أبي طالب الذي اجتمع فيه من الخصال ما لم يجتمع لغيره ، و من المكارم ما لم يحظ بها أحد غيره ، و من السجايا ما لم يحظَ بها الآخرون ، فحسبٌ شريف ، و خلقٌ عال ، و فطرةٌ سليمة لم تتلوّث ببراثن الجاهلية ، و عقيدةٌ صافية ، و علم جمّ ، و شجاعة لا مثيل لها ..

- فأبوه :

 شيبة بني هاشم شيخ قريش ، و زعيمها و سيّد قومه أبو طالب ، الذي انطوت نفسه على خصال كريمة كلّها شموخ و عزّة و فضائل .. و هو الكافل المدافع الذابّ عن رسول الله(صلى الله عليه و آله) ، و الذي أحاط رسول الله بعناية عظيمة و رعاية قلَّ نظيرها ، خصوصاً إذا عرفنا مكانته في قريش و بين زعمائها ، و ما سبّبه ذلك من إحراج له و ضيق و أذًى ، و مع هذا كلّه فقد صبر أيما صبر دفاعاً عن محمّد و رسالته ، حتّى إنّ قريشاً لم تكن قادرةً على أذى رسول الله ( صلى الله عليه و آله ) مع رغبتها في ذلك حتّى توفي أبو طالب فراحت تكيد له ..

يقول رسول الله(صلى الله عليه و آله) : « و الله ما نالت قريش منّي شيئاً أكرهه حتّى مات أبوطالب » . و لم يهاجر إلى المدينة إلاّ بعد وفاة عمّه رضوان الله عليه . هذا أبوه .

- و أمّا جدّه :

فهو عبد المطّلب شيبة الحمد أمير مكّة ، و سيّد البطحاء له ولاية البيت الحرام من السقاية وا لرفادة .. و كان ذا مهابة و وقار و ميل إلى الدين و النسك ، و هو الذي قام بحفر بئر زمزم ، التي تفجّرت تحت قدمي جدّه إسماعيل من قبل ، بعد أن غاب أثرها ، و لم يهتدِ إليها أحد حتّى هتف به هاتف في منامه ، فراح يحفر حتّى اهتدى إليها مستعيناً بابنه الحارث الذي كان وحيده وقتذاك .

ثمّ هو الذي خذل اللهُ على يديه ابرهة الحبشي ، و جنده الذين جاؤوا لهدم الكعبة ، و صرف الحاجّ عنها إلى بيت بناه في اليمن ، ولمّا التقى ابرهة بعبد المطلب أراد أن يستميله إلى جنبه ، فما وجد منه إلاّ الرفض ، و إلاّ الثقة العالية بالله ، مكتفياً بأن يرد إليه إبله و شويهاته التي أخذها جنده . فقال ابرهة : كنت في نفسي كبيراً ، و سمعت أنّك وجيه في قومك ، فلمّا سألتك عن حاجتك ، و ذكرت الإبل و الشياه ، و نسيت بلدك و أهلك و بيتك المقدّس سقطت من عيني .

فقال عبد المطلب : الإبل لي ، و للبيت ربّ يحميه .

فقال ابرهة : ما كان ليمتنع منّي .

فقال عبد المطلب : أنت و ذلك ، و صعد على الجبل ، و تضرّع إلى الله ، و أنشد :

 

يارب عادِ من عاداك
 وامنعهموا أن يهدموا حماك

 

ثمّ راح يستحثّ قومه على ترك مكّة و اللجوء إلى الجبل خشية بطش ابرهة و جيشه ، و التوجّه إلى الله بالدعاء . فحلّت الكارثة بابرهة و جنده ..  و هناك سورة الفيل تحكي هذه الحادثة ..

- أُمّه :

فاطمة بنت أسد بن هاشم فهي ابنة عمّ أبي طالب ، و هي أوّل هاشمية تزوّجها هاشمي ، و عليّ أوّل مولود ( مع اخوته ) ولد لهاشميين فقد تعوّد بنو هاشم أن يصهروا إلى اُسر اُخرى . كانت ذات منزلة رفيعة ، جعلتها من اللائي امتازت حياتهنّ بمواقف جليلة في حركة الأنبياء و مسيرتهم عبر التاريخ ، فقد أثنى عليها رسول الله ( صلى الله عليه و آله ) ، و كان شاكراً لها ، و لمعروفها ، و رعايتها له ، فكان يدعوها  « اُمّي بعد اُمّي التي ولدتني » .

و راحت هي الاُخرى تفضّله على جميع أولادها الأربعة ، فقد كان طالب أكبر أولادها ثمّ عقيل ، ثمّ جعفر ثمّ عليّ ، و كلّ واحد أكبر من الذي بعده بعشر سنوات ، و كان عليّ ( عليه السلام ) أصغر أولادها . حظيت هذه السيّدة و المرأة المؤمنة الطاهرة بمكانة عظيمة في قلب رسول الله ، و تركت في نفسه آثاراً طيّبة راح يذكرها طيلة حياته ، و يترحّم عليها و يدعو لها .. تقول الرواية : ( لمّا ماتت فاطمة بنت أسد أُمّ عليّ ـ و كانت قد أوصت لرسول الله(صلى الله عليه وآله) و قَبِل وصيتها ـ ألبسها النبي ( صلى الله عليه و آله ) ، قميصه ، و اضطجع معها في قبرها ، فقالوا : ما رأيناك يا رسول الله صنعت هذا!

فقال : إنّه لم يكن أحد بعد أبي طالب أبرَّ بي منها ، إنّما ألبستها قميصي ، لتكسى من حُلل الجنّة ، و اضطجعت معها ليُهوَّن عليها . و في دعاء خاص لها قال : ( اللّهم اغفر لاُمّي فاطمة بنت أسد ، و لقنها حجّتها ، و وسِّع عليها مدخلها . و خرج من قبرها و عيناه تذرفان ) .

لقد كانت رضوان الله عليها لرسول الله ( صلى الله عليه و آله) بمنزلة الاُمّ ، بل كانت أُمّاً بكلّ ما تعنيه هذه الكلمة من معنى ، وقد كانت بارّة برسول الله(صلى الله عليه و آله) ، « لم يكن بعد أبي طالب أبرّ بي منها »، فحنانها و شفقتها و رعايتها له بلغت مبلغاً عظيماً ، حتّى فاقت رعايتها لأبنائها ، و كأنّها تعلم أنّ له مكانة عظيمة و شأنا جميلا ، تقول بعض الروايات كان أولادها يصبحون شعثاً رمصاً ، و يصبح رسول الله ( صلى الله عليه و آله) كحيلا دهيناً . هذا في مداراتها لرسول الله ( صلى الله عليه و آله ) و حبّها له .

أمّا في إيمانها فقد كانت بدرجة عظيمة ، و من السابقات إلى الإسلام و المهاجرات الاُول إلى المدينة و هي بدرية .فذاك أبوه و جدّه و هذه اُمّه ، فهو وليد هذه الاُسرة الهاشمية المباركة . ثمّ بعد هذا كان عليّ(عليه السلام) قد اختصّ بقرابة من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، فهو إضافة إلى كونه ابن عمّه ،  وقد ربّاه في حجره تربية الوالد لولده و .. كان زوجاً لابنته الزهراء التي كانت بضعة منه (صلى الله عليه وآله) ، و أباً لريحانتيه المباركتين الحسن و الحسين ( عليهما السلام ) ، و كان أخاه يوم المؤاخاة ، و كان خليفته و وصيه و وزيره و عيبة علمه ..

- بين يدي النبوّة

لقد كنت سيّدي شجرة طيّبة توسّطت روضة فيحاء وباحة خضراء ودوحة معطاء ، فكان أصلها ثابتاً وفرعها في السماء تؤتي اُكلها كلّ حين بإذن ربّها .

ففي ربى النبوّة أبصرت النور بعد أن انبرى رسول الرحمة لرعايتك و تربيتك ، و من نسيمها العذب وأريجها الفوّاح تنشقت الحياة ، و من نمير ساقيتها الصافي الذي كانت النبوّة نبعه الدافق ارتشفت أوّل قطرة ماء ، و على أديمها الأخضر كانت أوّل خطواتك ، كان حضن النبوّة يرعاك فكنت في جنّة عالية ، قطوفها دانية .

شممت رائحة النبوّة في مراحل حياتك الأولى ، و رأيت نور الوحي و الرسالة ، بعد أن وضعك رسول الله(صلى الله عليه و آله) في حجره و ضمّك إلى صدره و كنفك في فراشه و مسّك جسده الطاهر و أشمّك عَرْفه .. فجنيت بروض النبوّة ورداً و ذقت بكأسها شهداً .

و كيف لا تجني ذلك كلّه و قد اختارتك السماء برعماً تحتضنك شجرة النبوّة و الرسالة ، ثمّ لتكون بعد ذلك بقية النبوّة و الامتداد الطبيعي للرسالة . .؟!

روت فاطمة بنت أسد « اُمّ عليّآ » : ( بينا أنا أسوق هدياً إذ استقبلني رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، و هو يومئذ غلام شاب قبل البعثة فقال لي : يا أمّاه إنّي أُعلمك شيئاً فهل تكتمينه عليَّ؟

قلت : نعم .

قال : اِذهبي بهذا القربان فقولي : كفرت بهبل (كبير آلهة المشركين وهو أوّل صنم نصب بمكة) وآمنت بالله وحده لا شريك له .

فقلتُ : أعمل ذلك لِما أعلمه من صدقك يا محمّد ، ففعلت ذلك .

فلمّا كان بعد أربعة أشهر ، و محمّد يأكل معي و مع عمّه أبي طالب ، إذ نظر إليَّ و قال : يا اُمّ ما لَك! مالي أراك حائلة اللون؟!

ثمّ قال لأبي طالب : إن كانت حاملا اُنثى فزوجنيها .

فقال أبو طالب : إن كان ذكراً فهو لك عبد ، وإن كان اُنثى فهو لك جارية و زوجة .

فلمّا وضعتُه ـ في الكعبة ـ جعلته في غشاوة ، فقال أبو طالب : لا تفتحوها حتّى يجيء محمّد فيأخذ حقّه .

فجاء محمّد ففتح الغشاوة فأخرج منها غلاماً حسناً فشاله بيده ، و سمّـاه عليّاً ، و أصلح أمره ، ثمّ إنّه لقمه لسانه فما زال يمصّه حتّى نام ) .

و قد سمّته أوّل الأمر حيدر، بمعنى أسد على اسم أبيها ، فغلب عليه اسم عليّ الذي سمّـاه به محمّد(صلى الله عليه وآله) .

ثمّ راح عليّ(عليه السلام) الذي ما إن فتح عينيه في بيت أبي طالب حتى وجد محمّداً( صلى الله عليه وآله )يضمّه إلى صدره و يبثّه كلماته و يعلمه خطواته . . .

ولمّا تزوّج خديجة رضوان الله عليها انتقل إلى بيته الجديد ، ففارق بيت عمّه أبي طالب ، ولكنّه لم يترك برّه لعمّه و رعايته لابن عمّه عليّ(عليه السلام) ، و منذ ذلك اليوم راح يتعهده رسول الله(صلى الله عليه وآله) و يرعاه رعاية خاصّة و منذ نعومة أظفاره . .

و بدأ عليّ(عليه السلام) يلتهم زاده الوحيد مبادئ السماء و قيمها ، حتّى شحن بها فكره الثاقب ، و غدت نفسه الطاهرة ترتشف الايمان و تستنشق عقيدته وعبيرها ؛ لتسمو نفسه ولتصبح مصباحاً يستضيء به من حوله .

اخترتُ من اختاره الله

ولمّا مرّ أبو طالب في سنة أصابته بل أصابت قريشاً وقحط حلّ بهم وهو ذو عيال كثيرة ، ويبدو أنّ الابتلاء هذا كان عامّاً لقريش بسبب ما عانته من الجفاف .

تقول الرواية : ( إنّ قريشاً أصابتها أزمة وقحط ، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله)لعمّيه حمزة و العبّاس : ألا نحمل ثقل أبي طالب في هذا المحل؟

فجاءوا إليه وسألوه أن يدفع إليهم وِلدَه ليكفوه أمرهم ، فقال : دَعُوا لي عقيلا وخذوا من شئتم ـ وكان شديد الحبّ لعقيل ـ فأخذ العبّاس طالباً ، وأخذ حمزة جعفراً ، وأخذ محمّد(صلى الله عليه وآله) عليّاً ، وقال لهم : « قد اخترتُ من اختاره الله لي عليكم ، عليّاً » . فكان علي(عليه السلام) في حجر رسول الله(صلى الله عليه وآله) منذ كان عمره ستّ سنين.

والذي أميل إليه أنّ عليّاً(عليه السلام) لم يكن ذلك القحط وهذا الجفاف هما السبب في ملازمته لرسول الله(صلى الله عليه وآله) ، بل إنّ الأمر سبق هذا كلّه وسبق هذا العمر الذي يحددونه لبداية هذه الملازمة (6 سنوات) نعم الانتقال من بيت أبي طالب إلى بيت رسول الله قد يكون تمّ وعليّ له 6 سنوات ، إلاّ أنّ تلك الرعاية من رسول الله(صلى الله عليه وآله)لعليّ وذلك الاهتمام كان منذ اليوم الأوّل لولادته(عليه السلام) فرسول الله(صلى الله عليه وآله) حينما عاد من غار حراء وقد بشّر بولادة علي راحت يده المباركة تتوسّده وتضفي عليه بركات انعكست ثمارها على حياته(عليه السلام) في كلّ الميادين ... ) .

تقول الرواية عن يزيد بن قعنب : ( ولدت (فاطمة بنت أسد) عليّاً . . . في بيت الله الحرام ، إكراماً من الله عزّ اسمه وإجلالا لمحلّه في التعظيم . . . ، فأحبّه رسول الله(صلى الله عليه وآله) حبّاً شديداً وقال لها : « اجعلي مهده بقرب فراشي » ، وكان يتولى أكثر تربيته ، وكان يطهّر عليّاً في وقت غسله ، ويوجره اللبن عند شربه ، ويحرِّك مهده عند نومه ، ويناغيه في يقظته ، ويحمله على صدره.

وهنا نعيش لحظات جميلة مع عليّ(عليه السلام) نفسه ، وهو يصوِّر لنا منزلته من رسول الله(صلى الله عليه وآله) ويصف رعايته له وتعلّقه به وملازمته له حتّى يمكن وصفها بأنّها ملازمة الظلّ لصاحبه لا يفارقه إلاّ في أوقاته المخصوصة ، فتواشجت روحه مع أجواء ذلك البيت الطاهر وهي أجواء الرسالة والنبوّة والوحي ، انظره في خطبة القاصعة حيث يصف تلك الملازمة والمواشجة بشكل دقيق طفلا وصبيّاً وفتًى . .

« ولقدعلمتم موضعي من رسول الله(صلى الله عليه وآله) بالقرابة القريبةوالمنزلة الخصيصة، وضعني في حجره وأنا وليد ، يضمّني إلى صدره ، ويكنفني في فراشه ، ويمسّني جسده ويُشمني عَرْفه ، وكان يمضغ الشيء ، ثمّ يلقمنيه ، وما وجد لي كذبة في قول ، ولا خطلة في فعل ، ولقد قرن الله به(صلى الله عليه وآله) من لدن أن كان فطيماً أعظم ملك من ملائكته ، يسلك به طريق المكارم ومحاسن أخلاق العالم ، ليله ونهاره ، ولقد كنت أتبعه اتباع الفصيل إثر اُمّه ، يرفع لي في كلّ يوم من أخلاقه علماً ، ويأمرني بالاقتداء به . ولقد كان يجاور في كلّ سنة بحراء ، فأراه ولا يراه غيري » .

ولدتُ على الفطرة

من اللافت الذي أدهش من تتبّع حياته أنّ ولادته(عليه السلام) ـ التي كانت في الكعبة يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من رجب على قول الأكثر ـ كانت في اليوم الأوّل لدخول رسول الله(صلى الله عليه وآله) غار حراء للتعبّد والمناجاة ، وللتدبّر والتفكير في ملكوت السماوات والأرض وما بينهما وما فيهما .. وكان هذا بعد عام الفيل بثلاثين سنة ، حقّاً أنّه أمر يثير العجب ، أن السماء راحت تعدّ أمرين في آن واحد ووظيفتين في وقت واحد; ففي غار حراء على بعد من الحرم المكّي أعدّت رسولا نبيّاً ، وفي داخل الحرم المكي راحت تعدّ إماماً ووزيراً وخليلا وفيّاً; ليكمل الشوط ويملأ الفراغ آ«أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي أو لا نبوّة بعديآ» آ«أنت أخي ووصيي وخليفتي ... » .

يقول ابن أبي الحديد المعتزلي في شرحه القيم لنهج البلاغة في قوله(عليه السلام) : « فإنّي ولدتُ على الفطرة » وفي جوابه عن قول من يقول : كيف علّل نهيه عن البراءة منه(عليه السلام) ، بقوله : « فإنّي ولدتُ على الفطرة) ; فإنّ هذا التعليل لا يختص به(عليه السلام) ؛ لأنّ كلّ أحد (واحد) يولد على الفطرة ، قال النبي(صلى الله عليه وآله) : « كلّ مولود يولد على الفطرة ؛ وإنّما أبواه يهودانه وينصّرانه »؟

فكان أحد أجوبته الثلاثة : بأنّه(عليه السلام) علل نهيه لهم عن البراءة منه بمجموع اُمور وعلل وهي كونه ولد على الفطرة ، وكونه سبق إلى الإيمان والهجرة ، ولم يعلّل بآحاد هذا المجموع ، ومراده هاهنا بالولادة على الفطرة أنه لم يولد في الجاهلية ؛ لأنّه ولد(عليه السلام) لثلاثين عاماً مضت من عام الفيل ، والنبي(صلى الله عليه وآله) أرسل لأربعين سنة مضت من عام الفيل ؛ وقد جاء في الأخبار الصحيحة أنه(صلى الله عليه وآله) مكث قبل الرسالة سنين عشراً يسمع الصوت ويرى الضوء ، ولا يخاطبه أحد ، وكان ذلك إرهاصاً لرسالته(عليه السلام) فحُكم تلك السنين العشر حكم أيّام رسالته(صلى الله عليه وآله) فالمولود فيها إذا كان في حجره وهو المتولي لتربيته مولود في أيّام كأيّام النبوّة ، وليس بمولود في جاهلية محضة ، ففارقت حاله حال من يدّعي له من الصحابة مماثلته في الفضل .

وقد روي أنّ السنة التي ولد فيها عليٌّ(عليه السلام) هي السنة التي بدئ فيها برسالة رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، فاُسمع الهتاف من الأحجار والأشجار ، وكشف عن بصره ، فشاهد أنواراً وأشخاصاً ولم يخاطب فيها بشيء . وهذه السنة هي السنة التي ابتدأ فيها بالتبتّل والانقطاع والعزلة في جبل حراء ، فلم يزل حتّى كوشف بالرسالة وأنزل عليه الوحي . وكان رسول الله(صلى الله عليه وآله) يتيمّن بتلك السنة ، وبولادة علي(عليه السلام)فيها ، ويسمّيها سنة الخير وسنة البركة ، وقال لأهله ليلة ولادته ، وفيها شاهد ما شاهد من الكرامات والقدرة الإلهية ولم يكن من قبلها شاهد من ذلك شيئاً : « لقد ولد لنا الليلة مولود يفتح الله علينا به أبواباً كثيرة من النعمة والرحمة » .

وهنا يقول ابن أبي الحديد : وكان كما قال(صلى الله عليه وآله) فإنّه(عليه السلام) كان ناصره والمحامي عنه ، وكاشف الغماء عن وجهه ، وبسيفه ثبت دين الإسلام وأرست قواعده .

كما يذكر تفسيراً آخر : بأنّه(عليه السلام) أراد بالفطرة العصمة ، وأنه منذ أن ولد لم يواقع قبيحاً ولا كان كافراً طرفة عين قط ولا مخطئاً ولا غالطاً في شيء من الأشياء المتعلّقة بالدين وهذا تفسير الإمامية.

فقد روي عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) أنه قال : « إن سُبّاق الاُمم ثلاثة لم يكفروا طرفة عين : علي بن أبي طالب وصاحب ياسين ومؤمن آل فرعون فهم الصدِّيقون وعليّ أفضلهم ».

وعن رسول الله(صلى الله عليه وآله) أنّه قال : آ«ثلاثة لم يكفروا بالله قط : مؤمن آل ياسين وعلي بن أبي طالب وآسية امرأة فرعون ».

لم يسجد لصنم قطّ

بعد نعمة تربية رسول الله (صلى الله عليه وآله) له وصناعته كما تريدها السماء ، راحت نعمُ الله تترى على هذا العبد الصالح ، وتواكبه فلم تنجّسه الجاهلية بأنجاسها ، لم يعبد صنماً قطّ بل لم تمل نفسه إليها أبداً ، وهذا أمر ليس سهلا خاصةً وهو يعيش في مجتمع حالك متسربل برداء الشرك يعيش ركاماً من الجهل والعبودية والطغيان ، في بيئة أنّى اتجهت وجدت صنماً يُعبد وتمثالا يركع له ويسجد ، ومن حوله كبار قريش وزعماؤها وقد ملئت بيوتهم بهذه التماثيل وكانوا لها عاكفين .

في مجتمع فاسد كهذا تمّت صياغة علي(عليه السلام) لأنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله)أحسن غذاءه وتنشئته وإعداده ، وراحت يداه المباركتان ترعاه أحسن رعاية وتحفظه من كلّ تحديات مجتمعه وانحرافاته ، فولد وعاش طفولته وصباه وقد كرّم الله وجهه من أن يسجد للاّت أو يركع للعزّى أو يشطط به قدم هنا وهناك ، ومثل هذا ما نراه في كلام العقّاد الآتي فيما بعد .

وكيف يسجد لصنم أو ينحرف به السير .. ولحمه لحم رسول الله ودمه دمه وهو وعلي من نور واحد ومن شجرة واحدة وفي صلبه ذرية رسول الله(صلى الله عليه وآله) وهو من رسول الله ورسول الله منه؟!

ثمّ كيف يسجد لصنم وهو يكرهها صغيراً بل وهو جنين ـ فبغضه لها من بغض رسول الله(صلى الله عليه وآله) لها ـ وهو الذي راح يقلعها كبيراً ويطهِّر الأرض منها والقلوب؟!

يقول(عليه السلام) : انطلق رسول الله(صلى الله عليه وآله) إلى الكعبة فقال لي : اجلس .

فجلست ، فصعد على منكبي .

فقال لي : انهض .

فنهضت فعرف ضعفي تحته .

قال لي : اجلس .

فجلست ، ثمّ نهض بي رسول الله(صلى الله عليه وآله) فخيّل إلي أنني لو شئت نلت أُفق السماء ، فصعدت إلى الكعبة .

وتنحّى رسول الله(صلى الله عليه وآله) وقال : ألق صنمهم الأكبر ، صنم قريش . وكان من نحاس مُوتّد بأوتاد من حديد في الأرض .

فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله) : عالجه .

فجعلت أُعالجه ، حتى استمكنت منه . فقال : اقذفه ، فقذفته حتّى انكسر . ونزلت من فوق الكعبة ، وانطلقت أنا والنبي(صلى الله عليه وآله) نسعى وخشينا أن يرانا أحد من قريش وغيرهم .

وهناك مصادر تقول : إنّ هذه القصّة مع بعض التغيير وقعت بعد فتح مكّة .

إسلامه

وقد تعدّدت واختلفت أقوال المؤرِّخين في عمره الشريف حين إسلامه وتصديقه بالنبوّة ، بين من يقول كان له ثمان سنين وبين من يقول له تسع وآخر يقول له عشر ، ورابع يقول له إحدى عشرة سنة وخامس يقول له اثنتا عشرة سنة وسادس يقول له ثلاث عشرة سنة وهناك من يقول : له خمس عشرة سنة أو ست عشرة سنة ، وكلّ هذا إنّما يدلّ على تحديد عمره المبارك وقت أن أعلن الرسول رسالته للخاصّة من مريديه وموقفه الرسمي إن صحّ التعبير منها ، وإلاّ فإنّ روحه لم تتلوّث بالشرك فهو الذي لم يكفر بالله قط . وهذا ما نجده في الروايات أعلاه وفي قول الإمام زين العابدين جواباً عن سؤال من سأله عن عمر الإمام عليّ(عليه السلام) عند إيمانه ، فقال(عليه السلام) : أو كان كافراً؟! إنما كان لعلي حين بعث الله عزّوجلّ رسوله(صلى الله عليه وآله)عشر سنين ولم يكن كافراً.

والذي يؤيّد أن عمره كان عشر سنوات أنّ عمر الدعوة الإسلامية في مكّة ثلاث عشرة سنة وهاجر إلى المدينة وله ثلاث وعشرون سنة وأنه استشهد سنة 40هـ وهو ابن ثلاث وستّين سنة .

ويميل ابن أبي الحديد إلى أنّ عمره الشريف كان ثلاث عشرة سنة ، متقيداً من قوله(عليه السلام) : « لقد عبدتُ الله قبل أن يعبده أحد من هذه الأمّة سبع سنين » ، وقوله(عليه السلام) : « كنت أسمع الصوت وأبصر الضوء سنين سبعاً ، ورسول الله(صلى الله عليه وآله) حينئذ صامت ما أُذِنَ له في الإنذار والتبليغ » .

وذلك ـ والقول ما زال لابن أبي الحديد ـ لأنّه إذا كان عمره يوم إظهار الدعوة ثلاث عشرة سنة ، وتسليمه إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله) من أبيه وهو ابن ستّ ، فقد صحّ أنّه كان يعبد الله قبل الناس بأجمعهم سبع سنين ، وابن ستّ تصحّ منه العبادة ، إذا كان ذا تمييز ، على أنّ عبادة مثله هي التعظيم والإجلال وخشوع القلب ...

وقد جاء في ترجمة الإمام علي(عليه السلام) في الاستيعاب أنّ : المروي عن سلمان وأبي ذر والمقداد وخبّاب وأبي سعيد الخدري وزيد بن أسلمه أنّ علياً(عليه السلام) أوّل من أسلم وفضّله هؤلاء على غيره .

وقال ابن إسحاق : أوّل من آمن بالله وبمحمّد رسول الله(صلى الله عليه وآله) علي بن أبي طالب(عليه السلام) وهو قول ابن شهرآشوب إلاّ أنّه قال : من الرجال بعد خديجة .

وعن ابن عبّاس قال : سمعت عمر بن الخطّاب وعنده جماعة فتذاكروا السابقين إلى الإسلام فقال عمر : أمّا عليّ ، فسمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله) يقول فيه ثلاث خصال لوددت أنّ لي واحدة منهنّ ، فكان أحبّ إليَّ ممّا طلعت عليه الشمس ، كنت أنا وأبو عبيدة وأبو بكر وجماعة من الصحابة إذ ضرب النبي(صلى الله عليه وآله) بيده على منكب عليّ فقال له : يا عليّ أنت أوّل المؤمنين إيماناً وأوّل المسلمين إسلاماً وأنت منّي بمنزلة هارون من موسى.

يقول جورج جرداق عن إسلام أمير المؤمنين عليّ(عليه السلام) :

وإذا أسلم بعض الوجوه من قريش منذ أوّل الدعوة احتكاماً للعقل وتخلّصاً من الوثنية ، وإذا أسلم كثير من العبيد والأرقّاء والمضطهدين طلباً للعدالة التي تتدفّق بها رسالة محمّد واستنكاراً للجور الذي يلهب ظهورهم بسياطه ، وإذا أسلم قوم بعد انتصار النبي امتثالا للواقع وتزلّفاً للمنتصر كما هي الحال بالنسبة لأكثر الأمويين . إذا أسلم هؤلاء جميعاً في ظروف تتفاوت من حيث قيمتها ومعانيها الإنسانية وتتّحد في خضوعها للمنطق أو للواقع الراهن فإنّ علي بن أبي طالب قد ولد مسلماً ؛ لأنّه من معدن الرسالة مولداً ونشأةً وفي ذاته خلقاً وفطرةً ، ثمّ إنّ الظرف الذي أعلن فيه عمّا يكمن في كيانه من روح الإسلام ومن حقيقته لم يكن شيئاً من ظروف الآخرين ولم يرتبط بموجبات العمر; لأنّ إسلام عليّ كان أعمق من ضرورة الارتباط بالظروف ، إذ كان جارياً في روحه كما تجري الأشياء من معادنها والمياه من ينابيعها ، فإنّ الصبي ما كاد يستطيع التعبير عن خلجات نفسه حتى أدّى فرض الصلاة وشهد بالله ورسوله دون أن يستأذن أو يستشير .

لقد كان أوّل سجود المسلمين الأوّل لآلهة قريش ، وكان أوّل سجود عليّ لإله

محمّد! إلاّ أنّه إسلام الرجل الذي اُتيح له أن ينشأ على حبّ الخير وينمو في رعاية النبي ويصبح إمام العادلين من بعده وربّان السفينة في غمرة العواصف والأمواج.

كما أنّ العقاد يقول عن إسلام علي :

ولد عليٌّ في داخل الكعبة ، وكرّم الله وجهه عن السجود لأصنامها ، فكأنّما كان ميلاده إيذاناً بعهد جديد للكعبة وللعبادة فيها . وكاد عليٌّ أن يولد مسلماً . . بل لقد ولد مسلماً على التحقيق إذا نحن نظرنا إلى ميلاد العقيدة والروح; لأنّه فتح عينيه على الإسلام ولم يعرف قط عبادة الأصنام . . ..

الذبيح الثالث

إنّ من قدّر له أن يتصفّح حياته(عليه السلام) لا يجد فيها شيئاً من الخوف أو التردّد من الموت ، إنّ قاموس حياته المباركة خال من ذلك كلّه . إنّ عليّاً(عليه السلام) قهر الموت وقضى عليه فمن أي شيء يا ترى يخاف؟!

ولهذا تراه يستسلم ويطيع رسول الله(صلى الله عليه وآله) حينما يُلقي به في لهوات الحرب ويرمي به في أحلك الأمور وأعسرها .

حان الوقت ، وجاء اليوم الموعود وتشابكت خيوط المؤامرة وتسابق القوم من هنا وهناك ، واجتمع زعماء القبائل في دار الندوة في مكة ، وكان فيهم أبو جهل وعروة بن هشام وأبو البختري ، وقرّروا أن يضعوا لهذا الأمر نهاية وأن يطووا صفحته إلى الأبد . فجمعوا شجعانهم ليضربوا محمّداً ضربة رجل واحد فيتوزّع دمه هنا وهناك على جميع القبائل فيضيع وتضيع المطالبة به ، وحدّدوا لمكرهم هذا وقتاً وموعداً .

هاجر رسول الله(صلى الله عليه وآله) خفيةً وأمر عليّاً بالمبيت تلك الليلة في فراشه ، ليعتّم عليهم هجرته ، إنّه فراش الموت ، فما كان من عليّ إلاّ التسليم والانقياد وهو يعلم جيّداً أنّ القوم قد تآمروا على ابن عمّه رسول الله(صلى الله عليه وآله) وأنّهم قاتِلوه في فراشه ، وأنّهم مباغتوه لا محالة ، ولا ينجو منهم إلاّ وهو أشلاء ممزّقة وأعضاء مقطّعة ، مؤامرة نافذة واقعة لا شكّ فيها ولا ريب .

اختاره الرسول (صلى الله عليه وآله) لهذه المهمّة وهو شاب يافع في مقتبل العمر! إنّه ثالث قربان يقدَّم بعد إسماعيل وعبدالله والد النبي(صلى الله عليه وآله) وشتّان بين الذبيحين عليّ وإسماعيل ، وعليّ وعبدالله ، فكلّ منهما بيد أب شفيق رحيم يرقّ قلبه وترتجف يده ، وهو بسيف عدوٍّ نزعت الرحمة من قلبه ، وبخنجر يمسك بقوّة حاقد بغيض ، وبيد صلبة لا ينتابها الخوف ولا تربكها الرحمة . .

إنّه امتحان عصيب لهم جميعاً ، ولكن أي الثلاثة أشدّ محنةً وأقسى؟! وأيّ امتحان هذا لإيمانه وانقياده واستسلامه؟!

لقد تيقّن فتى بني هاشم أنّه ما إن يغمض عينيه حتّى تنهال عليه مديّهم التي امتشطوها وسيوفهم التي حملوها وتبضعه خناجرهم . . . فلا تردّد ولا خوف بل لسان حاله يقول : نعم ستجدني إن شاء الله من الصابرين . .

فأنجاهما الله برحمته من كيد المشركين ومكرهم ، وأنزل في ذلك : ( و َإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ) .

زواجه المبارك

كان عمره(عليه السلام) حينما هاجر إلى المدينة بعد هجرة رسول الله(صلى الله عليه وآله) ثلاثاً وعشرين سنة ، وهناك كانت بضعة رسول الله(صلى الله عليه وآله) فاطمة الزهراء(عليها السلام) التي طالما تمنى التشرف بها كبار الصحابة; ومن أهل السابقة في الإسلام والفضل والشرف والمال ; لأنّها بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله)ولكثرة ما كانوا يسمعون منه(صلى الله عليه وآله) في ثنائه عليها واحترامها وتقديرها ، ولموقعها العظيم منه(صلى الله عليه وآله) . راحت نفوسهم تطمح للاقتران بها ، وكانوا كلّما تقدّم واحد منهم لم يجد عنده(صلى الله عليه وآله) إلاّ أن يعرض بوجهه الكريم حتّى يخرج منه القادم وهو يظنّ أنّه(صلى الله عليه وآله)ساخط عليه وغير راض عنه ، وإلاّ الرفض ، وأنّه ينتظر في زواجها أمر الله وقضاءه.

تقدّم عليٌّ(عليه السلام) بخطوات يكتنفها الحياء ، وراحت نظراته تتوزع هنا وهناك ، نظرة إلى وجه رسول الله(صلى الله عليه وآله) وأخرى يرسلها بعيداً ، وثالثة إلى ما بين يديه ، ماذا يقول ويده خالية .

حانت نظرة من رسول الله(صلى الله عليه وآله) إليه فعرف ما يريد : إنّ علياً جاء لحاجة ، وحاجة عليّ يمنعه حياؤه من التحدّث بها ، فبادره رسول الله(صلى الله عليه وآله) مشجّعاً حتّى ينطق ، وما إن نطق حتّى كان ذلك البيت من أبهى وأزهى وأزكى وأعظم بيوت الدنيا بل وأغناها إيماناً وطهارةً وأثراها أخلاقاً وعلماً ... إنّه بيت عليّ وفاطمة ثمّ ريحانتي رسول الله(صلى الله عليه وآله) الحسن والحسين(عليهما السلام) والذرّية الصالحة!

وفي السنن الكبرى يقول عليّ(عليه السلام) : « لقد خطبت فاطمة بنت النبيّ(صلى الله عليه وآله) فقالت لي مولاة : هل علمت أنّ فاطمة تخطب؟

قلت : لا ـ أو نعم ـ

قالت : فاخطبها إليك .

قال : قلت : وهل عندي شيء أخطبها عليه؟! قال : فوالله ما زالت ترجيني حتّى دخلت عليه ، ـ وكنّا نجلّه ونعظّمه ـ فلمّا جلستُ بين يديه ألجمت حتّى ما استطعت الكلام .

قال : هل لك من حاجة؟ فسكتُ فقالها ثلاث مرّات .

قال : لعلّك جئت تخطب فاطمة!

قلت : نعم يا رسول الله .

قال : هل عندك من شيء تستحلّها به؟

قال : قلت : لا والله يا رسول الله .

قال : فما فعلت بالدرع التي كنتُ سلّحتكها؟

قال عليّ : والله إنّها درع حُطمية ما ثمنها إلاّ أربعمائة درهم .

قال : اِذهب فقد زوّجتكها ، وابعث بها إليها فاستحلّها بهآ».

وقال رسول الله(صلى الله عليه وآله) : آ«إنّ الله أمرني أن أزوّج فاطمة من عليّ ».

وقال(صلى الله عليه وآله) أيضاً : « والله ما ألوت (أي ما قصّرت في أمرك وأمري) أن أزوجك خير أهلي ».

وعن عائشة وأمّ سلمة : أمرنا رسول الله(صلى الله عليه وآله) أن نجهّز فاطمة حتّى ندخلها على عليّ ، فعمدنا إلى البيت ففرشناه تراباً ليّناً من أعراض البطحاء ، ثمّ حشونا مرفقتين ليفاً فنفشناه بأيدينا ثمّ أطعمنا تمراً وزبيباً وسقينا ماءً عذباً ، وعمدنا إلى عود فعرضناه في جانب البيت ليلقى عليه الثوب ، ويعلّق عليه السقاء ، فمارأينا عرساً أحسن من عرس فاطمة.

العبادة عند عليّ(عليه السلام)

وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ) ، العبادة كانت عنده(عليه السلام) وقفة مع السماء يتأمّل فيها ، ويتدبّر حياته وسيرته ، ويربّي فيها نفسه ويبعدها عن كلّ مزالق الشيطان ، ويقوّي فيها إيمانه ، ويكسب فيها مزيداً من التقوى .

العبادة عنده(عليه السلام) عبادة الأحرار لا عبادة التجّار أو العبيد آ«وجدته أهلا للعبادة فعبدتهآ» إذن لا طمع في جنّة وثواب ولا خوف من نار وعذاب .

العبادة عنده(عليه السلام) نموّ مستمر وسمو متواصل واستلهام واع لكلّ معاني العزّ والفخر والخير والعطاء . « إلهي كفى بي عزّاً أن أكون لك عبداً ، وكفى بي فخراً أن تكون لي ربّاً ، أنت كما أحبّ فاجعلني كما تحبّ » .

العبادة عند عليّ(عليه السلام) خشوع وتواضع لخالق السماوات والأرض .

العبادة عند أمير المؤمنين(عليه السلام) شكر لنعمه تعالى المتواصلة على العباد .

العبادة عنده(عليه السلام) اعتراف بخالق الكون ورضا بقضائه وتسليمٌ لقدره .

العبادة عنده(عليه السلام) تحمّل لأمانة السماء ، ومسؤولية كبرى أمام الله سبحانه وتعالى من جهة وإزاء المجتمع من جهة اُخرى .

إذن فهي ليست عبارات جوفاء ومفردات لا معنى لها و حركات منتظمة وحسب.

هكذا يؤدّي عليّ(عليه السلام) عبادته بخشوع عظيم وبصوت حزين ونغمة شجيّ .

فيما رواه عروة بن الزبير : كنّا جلوساً في مسجد رسول الله(صلى الله عليه وآله)فتذاكرنا أهل بدر وبيعة الرضوان ، فقال أبو الدرداء : يا قوم ألا أُخبركم بأقلّ القوم مالا وأكثرهم ورعاً وأشدّهم اجتهاداً في العبادة؟

قالوا : مَنْ هو؟

قال : علي بن أبي طالب .

قال : فوالله لقد رأيت كلّ من كان في المجلس إلاّ أعرض بوجهه عنّي . فقال : يا عَوَيمر لقد تكلّمت بكلمة ما وافقك عليها أحد مذ أتيت بها .

فقال أبو الدرداء : يا قوم إنّي قائل ما رأيته . وليقلّ كلّ قوم ما رأى . شهدت علي بن أبي طالب(عليه السلام) بسويحات بني النجار ، وقد اعتزل عن مواليه واختفى ممّن يليه ، واستتر ببعيلات النخل فافتقدته وبَعُدَ عليّ مكانه ، فقلت لحق بمنزله . فإذا بصوت حزين ، ونغمة شجي وهو يقول :

« إلهي كم من موبقة حملتُها فقابلتَها بنعمتك . وكم من جريرة تكرّمت عن كشفها بكرمك . إلهي إن طال في عصيانك عمري وعظم في الصحف ذنبي ، فما أنا بغير غفرانك طامع ، ولا أنا براج غير رضوانك » .

فشغلني الصوت واقتفيت الأثر . فإذا هو عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)بعينه . فاستترت له لأسمع كلامه ، فركع ركعات في جوف الليل ، ثمّ فزع إلى الدعاء والتضرّع والبكاء والبثّ والشكوى . فكان ممّا ناجى به الله أن قال :

« إلهي أُفكّر في عفوك فتهون عليَّ خطيئتي ، ثمّ أذكر العظيم من أخذك ، فتعظم عليَّ بليتي » .

ثمّ قال :

«آه إن أنا قرأتُ في الصحف سيئة أنا ناسيها ، وأنت محصيها ، فتقول خذوه فيا لَه من مأخوذ لا تنجيه عشيرته ولاتنفعه قبيلته. يرحمه الملأ إذاأذّن فيه النداء » .

ثمّ قال :

« آه من نار تنضح الأكباد والكلى . آه من نار نزّاعة للشوى . آه من غمرة من ملهبات لظى » . ثمّ انفجر في البكاء ، فلم أسمع له حسّاً ولا حركة فقلت غلب عليه النوم لطول السهر ، أوقظهُ لصلاة الفجر (قال أبو الدرداء) فأتيته فإذا هو كالخشبة الملقاة ، فحرّكته فلم يتحرّك ، وزويته فلم ينزو ، قلت : إنّا لله وإنّا إليه راجعون . مات والله علي بن أبي طالب . فأتيت منزله مبادراً أنعاه إليهم .

فقالت فاطمة(عليها السلام): « ياأباالدرداء، ماكان من شأنهومن قصّته؟ »، فأخبرتهاالخبر.

فقالت : « هي والله يا أباالدرداء الغشية التي تأخذه من خشية الله » ، ثمّ أتوه بماء فنضحوه على وجهه ، فأفاق ونظر إليَّ وأنا أبكي .

فقال : ممَّ بكاؤك يا أباالدرداء؟

فقلت : ممّا أراه تنزله بنفسك .

فقال : يا أبا الدرداء ، فكيف لو رأيتني ودُعي بي إلى الحساب ، وأيقن أهل الجرائم بالعذاب ، واحتوشتني ملائكة غلاة ،  وزبانية حفاة ، فوقفت بين يدي الملك الجبّار ، قد أسلمني الأحبّاء ، ورحمني أهل الدنيا ، لكنتَ أشدّ رحمة لي بين يدي من لا تخفى عليه خافية .

فقال أبوالدرداء : فوالله ما رأيت ذلك لأحد من أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله)

ممّا قالوه

ما تقول في عليٍّ(عليه السلام)؟

سؤال أجاب عنه الخليل بن أحمد الفراهيدي .

« فقال : هو إمام الكلّ .

قالوا : ما دليلك عليه؟

قال : استغناؤه عن الكلّ واحتياج الكلّ إليه ، دليل على أنّه إمام الكلّ » .

حقّاً سيّدي إنّك لم تكن نبيّاً ولكنّك كنت إماماً ووصيّاً ، لم تكن رسولا ولكنّك كنت أخاً ووزيراً ، وكنت قدوةً ، وكنت جوهرةً يتيمةً ، خلقها الله وصاغها محمّد(صلى الله عليه وآله)وضيّعها الناس ، كلمة ما أعظمها نطق بها جورج جرداق حينما سئل عن الإمام عليّ(عليه السلام) : آ«ما عساني أن أقول في جوهرة يتيمة ، خلقها الله وصاغها محمّد(صلى الله عليه وآله)!»

إذن ما عسانا أن نقول فيك ـ و أنت إمام الكلّ ـ وفي فضائلك ومناقبك وفي إيمانك وتقواك وجهادك وشجاعتك ، وفي علمك وأدبك وفي فصاحتك وبلاغتك ، أنستطيع أن نصوغ معانيها البليغة والجميلة والعظيمة؟ وكيف نجرؤ أن نفرغ منقبة من مناقبك سيدي في قوالب حروف وكلمات لا نراها إلاّ ميتة؟ اللّهم إلاّ أن نقول وهو الحقّ : إنّها تبعث حيّة بذكر خصالك وفضائلك ...

وحقّاً ما يقوله أبو إسحاق النظام : « عليّ بن أبي طالب محنة على المتكلّم ، إن وفاه حقّه غلا وإن بخسه حقّه أساء! » .

و حقّاً أيضاً ما يقوله المتنبي في جواب من اعترض عليه في عدم مدحك على كثرة أشعاره وقصائده . .

 

وتركتُ مدحي للوصي تعمّداً
 إذ كان نوراً مستطيلا شاملا
وإذا استطال الشيء قام بنفسه
وصفات ضوء الشمس تذهب باطلا

 

حقّاً كلمة يتيمة ولدت في غير زمنها ولكنّها مشيئة الله .

مسك كلما حاول أعداؤه إخفاءَه انتشر عَرفه ، وكلّما بذلوا جهودهم لأن يكتموه تضوع نشره ، فشمسك يا سيدي لا تخفيها أكفُّ الظالمين والحاسدين والمبغضين . . .

نعم كانوا لا يُطيقون ظهور فضائلك ولا الإصغاء إليها فضلا عن الارتواء من نميرها .

لقد عثرتُ على قول آخر للخليل بن أحمد الفراهيدي :

« ما أقول في حقّ امرئ كتمت مناقبه أولياؤه خوفاً وأعداؤه حسداً ، ثمّ ظهر ما بين الكتمين ما ملأ الخافقين . بل ظهر نزر يسير فكان له كلّ هذا » .

ممّا فعلوه

لقد كنت سيّدي فريداً نأت عنه هذه الأمّة بسوء حظّها ، ووحيداً جفته لسوء طالعها .

كم دأب الأعداء على محو آثارك ومعالمك ، فلعلّ ذاكرة التاريخ تنساها ، فخاب كيدهم ، وأنصفك التاريخ ، فهذه كتب التأريخ والحديث والآثار تحكي لنا أنّ الذي زيّن صفحاتها كان ذِكرك ، وأنّ الذي لوّن لوحاتها كانت مناقبك وفضائلك ، فقد بهر ما ظهر منها العيون وحيّر العقول خاصة إذا تتبعنا ما أفرغه الأعداء من جهود وما بذلوه من أموال لشراء الذمم وما سخّروه من وسائلهم الإعلامية ـ بعد أن عقد حبّك وولاؤك على قلوب محبّيك ومريديك ـ على مدى سبعين سنة أو تزيد : منابر تشتمك ، وألسن تتبرأ منك ، وأخرى تلعنك . . وفي قبالها نفوس تزهق ، وألسن قطعت; لأنّها لا تقول فيك شيئاً نكراً لطمس فضائلك ودفنها ، فخابت جهودهم وبطلت أحلامهم .

لم يكتفوا بالحسد آ«فكلّ ذي نعمة محسودآ» ونعمتك ما أعظمها : فآيات نزلت بحقّك ، وروايات تواترت بفضلك ، وأقوال لرسول الله(صلى الله عليه وآله) أخذت تشيد بك ، ومواقف رسالية راحت تتباهى بك . . هذا فضلا عن الصياغة الربّانية لك : قدرات عجيبة ، وصفات فريدة ، ومناقب جليلة . . . فكيف لا يحسدوك وكلّ منهم خال الوفاض منها؟! ، ( يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمْ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ )

إن يحسدوك على علاك فإنّما
متسافل الدرجات يحسد من علا

 

بل مزجوا حسدهم بحقد دفين وثارات عقيمة ، في حصيلتها النهائية كانت بغضاً لله ولرسوله وعداءً للدين الذي حلّ بين ظهرانيهم ، فلم يستطيعوا الكيد له ، رغم كلّ جهودهم ، فكادوك لأنّ سيفك كان على رؤوسهم لينطقوا بالحقّ ، وما كانوا ليهتدوا فقالوها مرغمين ، ولم يستطيعوا شتم الرسول(صلى الله عليه وآله) فشتموك . .

فهذا عبدالله بن عبّاس حبر الأمّة وترجمان القرآن ، كان يقوده سعيد بن جبير  ـ وقد كفّ بصره ـ فمرّ على زمزم فإذا بقوم من أهل الشام يسبّون عليّاً كرّم الله وجهه ، فسمعهم عبدالله بن عبّاس ، فقال لسعيد : ردّني إليهم ، فردّه إليهم فقال :

أيّكم السابّ لله عزّوجلّ؟

فقالوا : سبحان الله ما فينا من سبّ الله عزّوجلّ!

فقال : أيّكم السابّ لرسول الله(صلى الله عليه وآله) ؟

فقالوا : ما فينا من سبَّ رسول الله(صلى الله عليه وآله)!

فقال : أيكم السابّ لعليّ بن أبي طالب؟

فقالوا : أما هذا فكان منه شيء .

فقال : شهدت على رسول الله(صلى الله عليه وآله) بما سمعته يقول لعليّ بن أبي طالب : « يا عليّ مَنْ سبّك فقد سبّني ، ومن سبّني فقد سبّ الله ، ومن سبّ الله ، أكبّه الله على منخريه في النار » . ثمّ تولّى عنهم ...

يقول عبدالله بن أحمد بن حنبل : « سألت أبي عن عليّ وأعدائه ، فقال : يا بني إنّ عليّاً كان كثير الأعداء ، ففتش عليه أعداؤه شيئاً مكروهاً ولم يجدوا ، وجاؤوا إليه وحاربوه وقاتلوه وخلعوه كيداً منهم له » .

نعم ، حاربوك فكانت حربهم ظالمة ، كادوا لك فردّ كيدهم إلى نحورهم ، افتروا عليك فكانت افتراءاتهم جائرة .

لم يجدوا عيباً فيك سيّدي فلاذوا بطمس معالمك وفضائلك وألجموا الألسنة الناطقة بمناقبك ، لقد بنوا كيانهم على شتمك وسبّك وطمس آثارك . . وكأن حكمهم ليس له هدف إلاّ إنهاء ذكرك ، وكأن ليس لهم همٌّ إلاّ إخفاء فضلك . . .

أما آن لك ـ يا معاوية ـ أن تترك عليّاً وشأنه ، وتأمر بترك مسبّته على المنابر؟

قال : لا ، حتّى يموت عليها الكبير ويربو عليها الصغير .

فقد أبت نفوس هؤلاء الطلقاء قبول عليّ بفضائله ومناقبه ومواقفه الجليلة التي كانت دفاعاً عن الرسالة والرسول ، وعن كلمة الحقّ والعدل . . أبت قلوبهم ذلك كلّه ، فراحت سياستهم تقوم على نبذ هذه المناقب والفضائل بل التصدّي لها بكلّ حزم حتّى صارت أساس سياستهم والبناء الذي تقوم عليه ، فأصدر زعيم هؤلاء القوم وعميدهم معاوية بن أبي سفيان أمراً سلطانياً : برئت الذمّة ممّن روى شيئاً في فضل أبي تراب وأهل بيته .

ولم يكتف بهذا بل عمّم كتاباً آخر إلى جميع عمّاله يقول فيه :

إذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الأوّلين ، ولا تتركوا خبراً يرويه أحدٌ من المسلمين في أبي تراب ، إلاّ وتأتوني بمناقض له في الصحابة ، فإنّ هذا أحبُّ إليَّ وأقرُّ لعيني ، وأدحضُ لحجّة أبي تراب وشيعته. وبسبب هذا كلّه وتشجيعاً من السلطان الظالم ظهر الوضّاعون وكثروا ، وظهر البهتان وانتشر وشاعت المختلقات من الروايات وذاعت بين الآفاق ، وتجرأ أعداء الدين على تشويه معالمه والكيد له . .

معاوية يقدم قومه

ولكن هيهات هيهات! فالزوابع بغبارها لا تخفي الحقيقة التي علت ناصعةً تتحدّاهم جميعاً ، فقد ذاع صيتك وعطّر الخافقين عبيرك ، وحتّى هؤلاء الأعداء راحت ألسنتهم تنطق بالحقّ ، نطقت بصفاتك ، ونشرت مجالسهم عظيم مناقبك . . . فلسان مناوئيك أنطقه الله الذي أنطق كلّ شيء ، لتكون الحجّة عليهم أقوى ، فالفضل ما شهدت به الأعداء .

* جاء ابن أحور التميمي إلى معاوية فقال : يا أمير المؤمنين جئتك من عند ألأم الناس ، وأبخل الناس ، وأعيا الناس ، وأجبن الناس .

فقال : ويلك وأنّى أتاه اللؤم ، ولكنا نتحدّث أن لو كان لعليّ بيتٌ من تبن وآخر من تبر ، لأنفد التبر قبل التبن ، وأنّى أتاه العي وإن كنّا لنتحدّث أنه ما جرت المواسي على رأس رجل من قريش أفصح من عليّ ، ويلك وأنّى أتاه الجبن؟ وما برز له رجل قطّ إلاّ صرعه ، والله يا ابن أحور ، لولا أنّ الحرب خدعة لضربتُ عنقك ، اخرج فلا تقيمن في بلدي.

* وله أيضاً : فوالله لو أنّ ألسن الناس جمعت فجعلت لساناً واحداً لكفاها لسان عليّ. ولو لم يكن للأمّة إلاّ لسان علي لكفاها .

* ولمّا جاء ابن أبي محفن معاوية قال له : جئتك من عند أعيا الناس .

قال له : ويحك! كيف يكون أعيا الناس؟! فوالله ما سنّ الفصاحة لقريش غيره.

* قال معاوية لضرار بن ضمرة من أصحاب عليّ(عليه السلام) بعد مصرعه :

صِف لي عليّاً .

فقال ضرار : اعفني .

قال معاوية : لَتصِفنَّه .

قال : أمّا إذ لابدّ من وصفه ، فكان والله بعيد المدى ، شديد القوى ، يقول فصلا ، ويحكم عدلا ، يتفجّر العلم من جوانبه ، وتنطلق الحكمة من نواحيه ، ويستوحش من الدنيا وزهرتها ، ويستأنس بالليل ووحشته .

وكان غزير العبرة ، طويل الفكرة ، يعجبه من اللباس ما قصر ، ومن الطعام ما  خشن .

وكان فينا كأحدنا ، يجيبنا إذا سألناه ، وينبئنا إذا استنبأناه . ونحن والله ـ مع تقريبه إيّانا وقربه منّا ـ لا نكاد نكلِّمه هيبةً له .

ويعظّم أهل الدين ، ويقرب المساكين ، لا يطمع القوي في باطله ، ولا ييئس الضعيف من عدله .

وأشهد أنّي لقد رأيته في بعض مواقفه ، وقد أرخى الليل سدوله ، وغارت نجومه ، قابضاً على لحيته ، يتململ تململ السليم ، ويبكي بكاء الحزين ، ويقول :

يا دنيا غُرّي غيري! أإليّ تعرّضتِ أم إليَّ تشوّقتِ؟!

هيهات هيهات!

قد باينتك ثلاثاً لا رجعة فيها ، فعمرك قصير ، وخطرك قليل .

آه من قلّة الزاد ، وبُعد السفر ، ووحشة الطريق!

ولما انتهى ضرار من وصفه هذا يقول الخبر : فبكى معاوية حتّى اخضلّت لحيته وقال : رحم الله أبا الحسن ، كان والله كذلك .

فكيف حزنك عليه يا ضرار؟

قال : حزن من ذُبحَ وحيدُها في حجرها .

* ولمّا بلغ معاوية قتل علي(عليه السلام) قال :

ذهب الفقه والعلم بموت ابن أبي طالب .

فقال له أخوه عتبة بن أبي سفيان : لا يسمع هذا منك أهل الشام .

فقال له : دعك منّي.

وكان يقول عن علم عليّ(عليه السلام) : كان رسول الله(صلى الله عليه وآله) يغره العلمَ غرّاًرحم الله أباالحسن فلقد سبق من كان قبله ، وأعجز من يأتي بعده.

 . . . هيهات هيهات! عقمت النساء أن يلدن مثله

* وهذا عمرو بن العاص العدوّ اللدود لعليّ(عليه السلام) حينما راح يخيِّر نفسه بين علي  ومعاوية :

أمّا عليٌّ فدين ليس يشركه دنيا وذاك له دنيا وسلطان .

وفيما كتبه إلى معاوية قبل التحاقه به : ويحك يا معاوية! أما علمت أنّ أباالحسن بذل نفسه بين رسول الله(صلى الله عليه وآله) وقد قال فيه يوم غدير خم : ألا من كنت مولاه فعليّ مولاه ، اللّهمّ والِ من والاه ، وعادِ من عاده . . .

 . . . حيث نقاتل من تعلم سابقته وفضله وقرابته ، ولكنّا إنّما أردنا هذه الدنيا . . .

وراح يخاطب معاوية . . . ومهما نسيت فلا تنسى أنّك على باطل . . .

أوهل يستغنون عنك؟!

فوجئ عليٌّ(عليه السلام) يوماً بجمع من صحابة رسول الله(صلى الله عليه وآله) وكان فيهم حبر الأمّة عبدالله بن عبّاس والخليفة أبو بكر ورجل يهودي يقرعون عليه باب داره .

ذلك أنّ مالك بن أنس روى أنّ يهودياً دخل المسجد فسأل الناس :

أين وصيّ رسول الله؟ فأشار القوم إلى أبي بكر .

فقال الرجل : أريد أن أسألك عن أشياء لا يعلمها إلاّ وصيّ أو نبيّ . . . قال أبوبكر : سل عمّا بدا لك .

قال اليهودي : اخبرني عمّا ليس لله ، وعمّا ليس عند الله . . وعمّا لا يعلمه الله . . . قال أبو بكر : هذه مسائل الزنادقة يا يهودي!

همّ أبو بكر والمسلمون رضي الله عنهم باليهودي ، فقال ابن عبّاس(رضي الله عنه) : ما أنصفتم الرجل! . . . فقال أبو بكر : أما سمعت ما تكلّم به؟

فقال ابن عبّاس : إن كان عندكم جوابه ، وإلاّ فاذهبوا إلى علي(رضي الله عنه)يجيبه ، فإنّي سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله) يقول لعلي بن أبي طالب : آ«اللّهم اهدِ قلبه وثبّت لسانهآ» .

فقام أبو بكر، ومن حضره ، فأتوا عليّ بن أبي طالب في داره ، فاستأذنوا  عليه .

فقال أبو بكر : يا أبا الحسن إنّ هذا اليهودي سألني مسائل الزندقة!

فقال عليّ كرّم الله وجهه : آ«ما تقوله يا يهوديّ؟آ»

قال : أسألك عن أشياء لا يعلمها إلاّ نبيّ أو وصيّ نبيّ .

فقال له : قلّ .

فأعاد اليهودي الأسئلة .

فقال عليّ(رضي الله عنه) :

أما ما لا يعلمه الله فذلك قولكم معشر اليهود أن عزيراً ابن الله ، والله لا يعلم أنّ له ولداً (إذ لو كان له ولد لكان يعلمه) .

وأمّا قولك : أخبرني بما ليس عند الله .

فليس عنده ظلمٌ للعباد .

وأمّا قولك : أخبرني بما ليس لِلّه .

فليس لِلّه شريك .

فقال اليهودي : أشهد أنّ محمّداً رسول الله وأنّك وصيّ رسول الله .

فارتاح أبو بكر والمسلمون من جواب عليّ ، وقالوا : يا مفرِّج الكروب!.

وهكذا كان يفعل الخليفتان الثاني والثالث فهم جميعاً لم يستغنوا عن

آراء الإمام عليّ(عليه السلام) في الفقه والقضاء والجهاد والسياسة والإدارة . . وكان

يمدّ لهم يدَ العون والرشد ما دامت هناك مصلحة إسلامية ، والشواهد كثيرة

على هذا .

مع بعض أقواله(عليه السلام)

« لا يقيم أمر الله سبحانه وتعالى إلاّ من لا يصانع ولا يتبع المطامع .. » ، و ممّا كان يعظ به من يتولّى أمراً من أُمور المسلمين صغر هذا الأمر أو كبر :

«لا ينبغي أن يكون الوالي على الفروج والدماء والمغانم والأحكام وإمامة المسلمين البخيل ، فتكون أموالهم نهمته ، ولا الجاهل فيضلّهم بجهله ، ولا الجافي فيقطعهم بجفائه ، ولا الخائف للدول فيتّخذ قوماً دون قوم ، ولا المرتشي في الحكم فيذهب بالحقوق ، ولا المعطل للسنّة فيهلك الأمّة . ومَن نصب نفسه للناس فليبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره ، وليكن تهذيبه بسيرته قبل تهذيبه بلسانه ، ومعلم نفسه ومؤدّبها أحقّ بالإجلال من معلم الناس ومؤدّبهم » .

ولمّا رأى الثراء فاحشاً في الناس وأخلاق السوء قد دبّت فيهم ، ولما رآهم يتزاحمون على نيل المناصب والجاه ، ولمّا رآهم يتّصفون بالتفاخر والتكاثر بالأموال والأنفس ، ولمّا رآهم وقد عادت العصبية إلى سيرتهم والقومية تنهش بهم وقد نهى رسول الله(صلى الله عليه وآله) وقال :

« دعوها إنّها نتنة » ، و « ليس منّا من دعا إلى عصبية » .

راح عليّ(عليه السلام) يعظهم ويحذّرهم ممّا يتركه ذلك على نفوسهم وعواقب ما هم فيه :

« أكثر مصارع العقول تحت بروق المطامع » .

« من أصبح على الدنيا حزيناً ، فقد أصبح لقضاء الله ساخطاً » .

« ومن أصبح يشكو مصيبة نزلت به ، فقد أصبح يشكو ربّه » .

«ومن أتى غنياً فتواضع لغناه ذهب ثلثا دينه» .

« ما بال ابن آدم والفخر؟ أوّله نطفة ، وآخره جيفة ، لا يرزق نفسه ولا يدفع حتفه » .

« ياابن آدم ، كن وصي نفسك في مالك ، واعمل فيه ما تؤثر أن يُعمل فيه من بعدك » .

« ظلم الضعيف أفحش الظلم » .

« لا تَظلم كما لا تُحبّ أن تُظلَم » .

« من ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده ، ومن خاصمه الله أدحض حجّته ، وكان الله حرباً عليه حتّى ينزع عن ظلمه ويتوب ، وليس شيء أدعى إلى تغيير نعمة الله وتعجيل نقمته من إقامة على ظلم ، فإنّ الله يسمع دعوة المضطهدين ، وهو للظالمين بالمرصاد» .

«لا يغرّنكم ما أصبح فيه أهل الغرور ، فإنّما هو ظلٌّ ممدود إلى أجل محدود» .

و ختاماً نكتفي بما ذكره بعض كبار الكتّاب والمفكّرين :

* عبّاس محمود العقّاد

تدلّ أخباره ـ كما تدلّ صفاته ـ على قوّة جسدية بالغة في المكانة والصلابة على العوارض والآفات . فربما رفع الفارس بيده فجلد به الأرض غير جاهد ولا حافل ، ويمسك بذراع الرجل فكأنّه أمسك بنفَسِهِ فلا يستطيع أن يتنفّس ، واشتهر عنه انّه لم يصارع أحداً إلاّ صرعه ، ولم يبارز أحداً إلاّ قتله ، وقد يزحزح الحجر الضخم لا يزحزحه إلاّ رجال ، ويحمل الباب الكبير يعيى بقلبه الأشدّاء ، ويصيح الصيحة فتنخلع لها قلوب الشجعان . . . لا ينهض له أحد في ميدان مناجزة ، فكان لجرأته على الموت لا يهاب قرناً من الأقران بالغاً ما بلغ من الصولة ورهبة الصيت . . .

ويزيد شجاعته تشريفاً أنّها ازدانت بأجمل الصفات التي تزين شجاعة الشجعان الأقوياء . . فلا يعرف الناس حلية للشجاعة أجمل من تلك الصفات التي طبع عليها عليّ بغير كلفة ولا مجاهدة رأي . وهي التورّع عن البغي ، والمروءة مع الخصم قويّاً أو ضعيفاً على السواء ، وسلامة الصدر من الضغن على العدوّ بعد الفراغ من القتال .

أمّا مروءته في هذا الباب فكانت أندر بين ذوي المروءة من شجاعته بين الشجعان . فأبى على جنده وهم ناقمون أن يقتلوا مدبراً أو يجهزوا على جريح أو يكشفوا ستراً أو يأخذوا مالاً . وصلّى في وقعة الجمل على القتلى من أصحابه ومن أعدائه على السواء ، وظفر بعبدالله بن الزبير ومروان بن الحكم وسعيد بن العاص وهم ألدّ أعدائه المؤلّبين عليه فعفا عنهم ولم يتعقّبهم بسوء ، وظفر بعمرو بن العاص وهو أخطر عليه من جيش ذي عدّة فأعرض عنه وتركه ينجو بحياته حين كشف عن سوأته اتقاءً لضربته . . وحال جند معاوية بينه وبين الماء في معركة صفّين وهم يقولون له : ولا قطرة حتى تموت عطشاً . . فلمّا حمل عليهم وأجلاهم عنه سوَّغ لهم أن يشربوا منه كما يشرب جنده ، وزار السيّدة عائشة بعد وقعة الجمل فصاحت به صفية أم طلحة الطلحات : أيتم الله منك أولادك كما أيتمت أولادي . فلم يرد عليها شيئاً ، ثمّ خرج فأعادت عليه ما استقبلته به فسكت ولم يرد عليها . قال رجل أغضبه مقالها : يا أمير المؤمنين! أتسكت عن هذه المرأة وهي تقول ما تسمع؟ فانتهره وهو يقول : ويحك؟ إنّا أُمرنا أن نكفّ عن النساء وهن مشركات أفلا نكفّ عنهنّ وهن مسلمات؟ وإنّه لفي طريقه إذ أخبره بعض أتباعه عن رجلين ينالان من عائشة فأمر بجلدهما مائة جلدة . ثمّ ودّع السيّدة عائشة أكرم وداع وسار في ركابها أميالاً وأرسل معها من يخدمها ويحفّ بها . قيل : إنّه أرسل معها عشرين امرأة من نساء عبد القيس عمّمهن بالعمائم وقلّدهن السيوف . . فلمّا كانت ببعض الطريق ذكرته بما لا يجوز أن يذكر به وتأفّفت وقالت : هتك ستري برجاله وجنده الذين وكّلهم بي . . فلمّا وصلت إلى المدينة ألقى النساء عمائمهنّ وقلن لها : إنّما نحن نسوة .

وهنا تقول عائشة : ما ازددت والله يا ابن أبي طالب إلاّ كرماً .

وكانت هذه المروءة سنّته مع خصومه ، من استحق منهم الكرامة ومن لم يستحقها ، ومن كان في حرمة عائشة رضي الله عنها ومن لم تكن له قط حرمة ، وهي أندر مروءة عرفت من مقاتل في وغر القتال . .

وتعدلها في النبل والندرة سلامة صدره من الضغن على أعدى الناس له وأضرّهم به وأشهرهم بالضغن عليه . فنهى أهله وصحبه أن يمثِّلوا بقاتله وأن يقتلوا أحداً غيره ، ورثى طلحة الذي خلع بيعته وجمع الجموع لحربه رثاءً محزون يفيض كلامه بالألم والمودّة ، وأوصى أتباعه ألا يقاتلوا الخوارج الذين شقوا صفوفه وأفسدوا عليه أمره وكانوا شرّاً عليه من معاوية وجنده ، لأنّه رآهم مخلصين وإن كانوا مخطئين وعلى خطئهم مصرِّين . .

وعن صفة الثقة والاعتزاز بالنفس في المواقف الحرجة والعلم . . . يقول العقاد : فما منعته الطفولة الباكرة يوماً أن يعلم أنّه شيء في هذه الدنيا وأنّه قوّة لها جوار يركن إليه المستجير . ولقد كان في العاشرة أو نحوها يوم أحاط القروم القرشيون بالنبيّ عليه السلام ينذرونه وينكرونه وهو يقلب عينيه في وجوههم ويسأل عن النصير ولا نصير . . لو كان بعلي أن يرتاع في مقام نجدة أو مقام عزيمة لارتاع يومئذ بين أولئك الشيوخ الذين رفعتهم الوجاهة ورفعتهم آداب القبيلة البدوية إلى مقام الخشية والخشوع . ولكنّه كان عليّاً في تلك السن الباكرة كما كان عليّاً وهو في الخمسين أو الستّين . . فما تردّد وهم صامتون مستهزئون أن يصيح صيحة الواثق الغضوب : أنا نصيرك . . فضحكوا منه ضحك الجهل والاستكبار ، وعلم القدر وحده في تلك اللحظة أن تأييد ذلك الغلام أعظم وأقوم من حرب أولئك القروم . .

عليّ هذا هو الذي نام في فراش النبيّ ليلة الهجرة ، وقد علم ما تأتمر به مكّة كلّها من قتل الراقد على ذلك الفراش .

وعليّ هذا هو الذي تصدّى لعمرو بن ود مرّةً بعد مرّةً والنبيّ يجلسه ويحذّره العاقبة التي حذرها فرسان العرب من غير تحذير ، يقول النبي : اجلس . إنّه عمرو . فيقول : وإن كان عمراً . . كأنّه لا يعرف من يخاف ولا يعرف كيف يخاف ، ولا يعرف إلاّ الشجاعة التي هو ممتلئ بها واثق فيها في غير كلفة ولا اكتراث .

أن يعتصم المرء منه بثقة لا تنخذل ، وأنفة لا تلين . فمن شواهد هذه الثقة بنفسه انّه حملها من ميدان الشجاعة إلى ميدان العلم والرأي حين كان يقول : « اسألوني قبل أن تفقدوني ، فوالذي نفسي بيده لا تسألوني في شيء فيما بينكم وبين الساعة ، ولا عن فئة تهدى مائة وتضلّ مائة إلاّ أنبأتكم بناعقها وقائدها وسائقها ، ومناخ ركابها ومحطّ رحالها » .

ومن شواهدها أنّه كان يقول والخارجون عليه يرجمونه بالمروق : « ما أعرف أحداً من هذه الاُمّة عَبَدَ الله بعد نبيّنا غيري ، عبدت الله قبل أن يعبده أحد من هذا الاُمّة تسع سنين » .

وزاده اتهام من حوله معتصماً بالثقة بنفسه ، فلمّا عتب عليه خصماه طلحة والزبير أنه ترك مشورتهما قال : « نظرت إلى كتاب الله وما وضع لنا وأمرنا بالحكم به فاتّبعته . وما استنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فاقتديته . فلم أحتج في ذلك إلى رأيكما ولا رأي غيركما ، ولا وقع حكم جهلته فأستشيركما واخواني المسلمين ، ولو كان ذلك لم أرغب عنكما ولا عن غيركما . . . » .

ومن أقوال العقّاد الأخرى : كان مثلاً يخرج إلى مبارزيه حاسر الرأس ومبارزوه مقنّعون بالحديد . أفعجيب منه أن يخرج إليهم حاسر النفس وهم مقنّعون بالحيلة والرياء؟ وكان يغفل الخضاب أحياناً ويرسل الشيب ناصعاً وهو لا يحرم خضابه في غير ذلك من الأحيان . أفعجيب منه ، مع هذا ، أن يقل اكتراثه لكلّ خضاب ساتراً ما ستر ، أو كاشفاً ما كشف ، من رأي وخليقة؟

وعن صدقه وزهده فيقول العقاد :  . . . فما استطاع أحد قطّ أن يحصي عليه كلمة خالف فيها الحقّ الصراح في سلمه وحربه ، وبين صحبه أو بين أعدائه ، ولعلّه كان أحوج إلى المصانعة بين النصراء ممّا كان بين الأعداء ، لأنّهم أرهقوه باللجاجة وأعنتوه بالخلاف . فما عدا معهم قول الصدق في شدّة ولا رخاء ، حتى قال فيه أقرب الناس إليه : إنّه رجل يعرف من الحرب شجاعتها ولكنّه لا يعرف خدعتها . وكان أبدا عند قوله : « علامة الايمان أن تؤثر الصدق حيث يضرّك ، على الكذب حيث ينفعك ، وألا يكون في حديثك فضل على علمك ، وأن تتّقي الله في حديث غيرك » .

وصدق في تقواه وإيمانه كما صدق في عمل يمينه ومقالة لسانه . فلم يعرف أحد من الخلفاء أزهد منه في لذّة دنيا أو سيب دولة ، وكان وهو أمير المؤمنين يأكل الشعير وتطحنه امرأته بيديها ، وكان يختم على الجراب الذي فيه دقيق الشعير فيقول : آ«لا أحبّ أن يدخل بطني ما لا أعلمآ» . . قال عمر بن عبد العزيز وهو من أسرة أميّة التي تبغض عليّاً وتخلق له السيّئات وتُخفي ما توافر له من الحسنات : آ«أزهد الناس في الدنيا عليّ بن أبي طالبآ» . وقال سفيان : « إنّ عليّاً لم يبن آجرة على آجرة ولا لبنة على لبنة ولا قصبة على قصبةآ» وقد أبى أن ينزل القصر الأبيض بالكوفة إيثاراً للخصاص التي يسكنها الفقراء . وربما باع سيفه ليشتري بثمنه الكساء والطعام . وروى النضر بن منصور عن عقبة بن علقمة قال : آ«دخلت على عليّ(عليه السلام) فإذا بين يديه لبن حامض آذتني حموضته وكسر يابسة . فقلت : يا أمير المؤمنين ، أتأكل مثل هذا؟ فقال لي : يا أبا الجنوب ، كان رسول الله يأكل أيبس من هذا ويلبس أخشن من هذا ـ وأشار إلى ثيابه ـ فإن لم آخذ بما أخذ به خفت ألا ألحق به » ..

 . . . هذه صفات تنتظم في نسق موصول : رجل شجاع لأنّه قوي ، وصادق لأنّه شجاع ، وزاهد مستقيم لأنّه صادق ، ومثار للخلاف; لأنّ الصدق لا يدور بصاحبه مع الرضا والسخط والقبول والنفور ، وأصدق الشهادات لهذا الرجل الصادق أنّ الناس قد أثبتوا له في حياته أجمل صفاته المُثلى ، فلم يختلفوا على شيء منها إلاّ الذي اصطدم بالمطامع . . .

* عبد الفتاح عبد المقصود :

أجل لقد واجه أبو طالب دنياه فقيراً ، ومات عبد المطّلب عنه وهو بعد في نحو من السن لم يكن كدحه قد أفاء عليه من الخير ما يشتهيه . ولم يورثه أيضاً سيادة القوم لأنّه أوصى لآخر من بنيه هو الزبير . فلئن أقبلت الدنيا على هذا الفقير فحبته بمكرمة هي آية المكرمات فقد كان هذا من القدر غاية المرتجى عند ذي رجاء ...

 ... فإذا تمّ لأبي طالب الفقير المعسر بعض أمره في جوار كعبة الحرم ، فإنّ أمره هذا لجليل في عيون القوم لأنّه اكتسب أبلغ شرف بأشرف جوار في أقدس دار ، فكيف لو تمّ له أمره ذاك بغير سابق ترتيب منه ، بل بصدفة هي عند أولئك الناس منّة منّ الله وحظوة أراد أن يشرف بها ابن عبد المطّلب كما لم يشرف بمثلها قبله أو بعده من الرجال كثير ولا قليل؟

                                                                                               * * *

تلك ليلة فذة في الليالي ، أضاء نجمها على الدنيا مرّه ثمّ لم يقدر بعدها لضوئه أن يبزغ ثانية كمثل بزوغه لأنّ مثيلاتها لا تعود . ولكن ضياء أشدّ لمعاناً من نور النجم توهّج ، ثمّ سطع ، ثمّ فاض بنوره على الآفاق سيرة كوجه الشمس رفاقة الإشراق . . سيرة إن فاتها أن تنفرد وحدها بالمبنى الساحر فقليل سواها ضمّ ما كان لها من معنى قاهر ، بل أقلّ القليل ، بل الأندر منه . ولو أنّك استطعت أن تتحلّل من شباك الزمن وتنفض خيوطها عنك ، وسبحت عائداً إلى الماضي لرأيت ابنة أسد ـ فاطمة ـ تجول بالبيت الحرام تلتمس البركة ، لأنّها سيّدة تجمّعت فيها مزايا آلها الكرام وامتلأ ـ كمثلهم ـ قلبها طهراً . ثمّ لرأيتها تأتي الكعبة فتطوف بها مرّة فمرّات متمسّحة بأستارها آونة مقبّلتها أُخرى . ولكنّك لا تلبث حتّى تشهدها وقد أوشك أن يصيبها أعياء تكاد أن تنوء به ، وتنكر هي ـ بادئ الأمر ـ ما تحسّه ، ثمّ تمضي متجلّدة تستحثّ نفسها وتستنهضها  . ولكنّها رغم هذا لا تقوى ، ولا تستطيع أن تقوم عودها . وإذا هي تتشبّث أصابعها بأستار الكعبة تستعين بها وقد أخذت تحسّ شيئاً غاب عن ذهنها ، وتقف مجهودة لا يستقرّ بها موطئ القدمين ، كمن على طرف كثيب رخو من الرمال . وتجيل فيما حولها عيناً حائرة لعلّها تبصر زوجها أبا طالب يسعى هنا أو هناك فتجد لديه عوناً على ما تلقى ، ولكنّها لا تراه لأنّ ما حضرها في هذه اللحظة غاب عن حسابه . .

ثمّ لعلّك تتبعها وقد خشيت هي أن تلقفها الأبصار المتطلّعة ممّن حضر من أناس كان دأبهم الاجتماع في أروقة البيت وفي أفنائه فإذا رأيتها قد انحازت ناحية ، ودلفت إلى أستار الكعبة فتوارت خلفها عن عيون القوم فكفاك ما شهدت . وقف منها على ملقط السمع دون مرمى العين لأنّها شاءت أن تتّخذ من الستر المقدّس ردءاً . واسمع بعد هذا حسيساً خافتاً يأتيك من لدنها . وأنيناً يحكمه الجلد واصطناع الاحتمال ، وصرخات مكتومة تكاد أن تضلّها الأذن كأنّها تأتي من مهوى سحيق بعيد القرار . ثمّ اسمع نبرة بكاء تخالط هذه الصرخات ، لها غير جرسها وغير رنتها ، رقيقة ، رنانة في غير حدّة ، كأنّها شدو طائر تفتّحت عيناه على شعاع فجر أسفر أو أوشك على اسفار . وقد يأخذك العجب ، وتملكك الدهشة ، ولكنّه عجب قصير أجله، ودهشة لن يطول بك مداها ما دامت فاطمة قد بدت ثانية لناظريك ، واهنة، وأشدّ ضعفاً ممّا رأيتها من قبل  ، كسا وجهها الشحوب ومشت في أوصالها رجفة الاعياء ، وقد احتملت ـ مدثراً بستر الكعبة الشريف ـ وليدها بين صدرها وكفّيها .

                                                                                   * * *

تلك ولادة لم تكن قبل طفلها هذا الوليد ولم يحز فخرها بعده وليد أكرمه بها الله وأكرم اُمّه وأباه ، فكان تكريماً لفرعي هاشم الذي انحدر منه الطفل عن فاطمة وعن أبي طالب حفيدي الأصل الثابت الكريم .

وأقبل القوم ـ حين انتبهوا ـ يستبقون إلى السيّدة ، يعاونونها : ويأخذون بيدها ، ويملأون الأبصار بطلعة ذلك الذي كان بيت الله مولده ، وستر الكعبة ثوبه ، كأنّما أوسع له في الشرف باجتماعه في كلا المولد والمحتد وهم لو استطاعوا أن يسبقوا زمانهم كما تأخّرت أنت لرأوه أيضاً يجتمع له نفس هذا الشرف حين يقبل عليه الموت فيلقاه في بيت الله يهمّ أن يقوم بالصلاة . . .

أمّا فاطمة فقد أحبّت أن تحي في وليدها اسم أبيها فدعته بمعناه وان لم تدعه بلفظه ، وقالت لزوجها وهي تحاوره :

« هو حيدرة » .

وأمّا أبو طالب فقد كان أكثر توفيقاً حين اختار . رأى وليده قد علا شرفاً بمكان مولده كما علا من قبل بأصله الرفيع فقال :

« بل علي » .

وبدأت عند هذا حياة الرجل الذي ساير أخطر الأحداث في هذه الدنيا ، وعاشر أطهر الخلق وسيّد النبيّين ، واحتمل نصيبه من عبء كبير ألقاه الله على مختاره الأمين ، الذي خصّه بوحيه ورسالته الإلهية لهداية العالم .

وعاش عليّ عمره لغيره من المثل ومن الرجال ، فكان في صباه القريب المفتدي ، وفي شبابه الصديق المقتدي بالنبي الكريم ، وبين هذا وذاك من أطوار العمر وما جاء في أعقابها من فترات ، التزم غايات الكمال في الفِعال والخِلال ، فلمّا انطوى بعض أجله ، ومضى من الدنيا وعن هاديه ، كان المعقب له وقد ذهب العقب . وأجل من أخذ عنه فأجاد ، وركب جادته فما حاد .

* محمود أبو ريّه

عليٌّ أوّل من أسلم وتربّى في حجر النبي وعاش تحت كنفه من قبل البعثة وظلّ معه إلى أن انتقل النبيّ إلى الرفيق الأعلى ، لم يفارقه لا في سفر ولا في حضر ، وهو ابن عمّه وزوج ابنته فاطمة الزهراء ، شهد المشاهد كلّها سوى تبوك ، فقد استخلفه النبيّ(صلى الله عليه وآله) فيها على المدينة فقال : يا رسول الله ، أتخلفني في النساء والصبيان؟ فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله) : « أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي؟ » .

هذا الإمام الذي لا يكاد يضارعه أحد من الصحابة جميعاً في العلم . . .

ثمّ واصل أبورية حديثه تحت عنوان : غريبة توجب الحيرة :

من أغرب الأمور ، وممّا يدعو إلى الحيرة أنّهم لم يذكروا اسم عليّ(رضي الله عنه) فيمن عهد إليهم بجمع القرآن وكتابته ، لا في عهد أبي بكر ولا في عهد عثمان! ويذكرون غيره ممّن هم أقلّ منه درجة في العلم والفقه!

فهل كان عليّ لا يُحسن شيئاً من هذا الأمر ، أو كان من غير الموثوق بهم ، أو ممّن لا يصحّ استشارتهم أو إشراكهم في هذا الأمر؟!

اللّهم إنّ العقل والمنطق ليقضيان بأن يكون عليّ أوّل من يعهد إليه بهذا الأمر ، وأعظم من يشارك فيه ، وذلك بما أُتيح له من صفات ومزايا لم تتهيّأ لغيره من بين الصحابة جميعاً ، فقد ربّاه النبي(صلى الله عليه وآله) على عينه ، وعاش زمناً طويلا تحت كنفه ، وشهد الوحي من أوّل نزوله إلى يوم انقطاعه ، بحيث لم يند عنه آية من آياته!! فإذا لم يدع إلى هذا الأمر الخطير فإلى أيّ شيء يدعى؟!

وإذا كانوا قد انتحلوا معاذير ليسوغوا بها تخطيهم إيّاه في أمر خلافة أبي بكر ، فلم يسألوه عنها ولم يستشيروه فيها; فبأي شيء يعتذرون من عدم دعوته لأمر كتابة القرآن؟

فبماذا نعلّل ذلك؟ وبماذا يحكم القاضي العادل فيه؟

حقّاً إنّ الأمر لعجيب ، وما علينا إلاّ أن نقول كلمةً لا نملك غيرها وهي :

لك الله يا عليّ! ما أنصفوك في شيء!

* فتحي يكن في رحاب نهج البلاغة :

يصعب جدّاً الإحاطة بما تضمّنه كتاب نهج البلاغة للإمام علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه ورضي الله عنه وأرضاه ، من موضوعات تتعلّق بمختلف شؤون الحياة ، سابرة أغوارها ، مستكشفة أبعادها ، مقدمة المواعظ والعبر والدروس والحكم النافعة الجليلة من خلالها .

سأتناول من (نهج البلاغة) سفراً من أسفاره ، وقبساً من قبساته ، والذي يلفت فيه ببلاغة العالم ، وعلم الرسالي ، وإحاطة الداعية ، وسرّ نجاح وفلاح الإمام حيث يقول : آ«من نصب نفسه للناس إماماً ، فليبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره ، وليكن تهذيبه بسيرته قبل تهذيبه بلسانه ، ومعلم نفسه ومهذّبها أحقّ بالإجلال من معلم الناس ومهذّبهمآ» .

إنّه سرّ نجاح الإمامة ، وخلفية تألّق الإمام . . . سواء كانت إمامة دعوة ، أو إمامة ولاية ، وسواء كانت إمامة صغرى أو كبرى . .

فسبب النجاح يبقى هو هو ، وسرّ الأثر لا يتبدّل ولا يتغيّر . . . إنّه تأكيد للسنّة الإلهية الثابتة الماضية : (وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلا ) تلكم هي (سنّة التغيير) التي تتجلّى في قوله تعالى : ( إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْم حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ) .

فمن يتصدّى للإمامة .. للقيادة .. للدعوة .. للرسالة .. للإمامة ... لابدّ وأن يكون تمكّن من إمامة نفسه ، وقيادة ذاته برسالة الإسلام ، كما لابدّ وأن يكون قد أحكم قياد حياته وفق أمر الله وأمر رسوله(صلى الله عليه وآله) . وهذا مناط قوله(عليه السلام) : « فليبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره » .

ومن يفعل ذلك يكن ماضياً وفق السنّة الإلهية . . ومن التزم السنن الإلهية لا يضلّ ولا يشقى ، وإنّما يبقى مسدّداً مهتدياً راشداً مسترشداً .

إذا لم يكن عون من الله للفتى
فأوّل ما يقضي عليه اجتهاده

 

فالذي يُطلّ على الناس بحال الإسلام غير الذي يطل عليهم بمقال الإسلام . . والذي يترجم الإسلام بأعماله غير الذي يترجمه بلسانه . . وهذا مناط قوله(رضي الله عنه) : « وليكن تهذيبه بسيرته قبل تهذيبه بلسانه » .

إنّ حالة الانفصام بين الادّعاء والواقع ، وبين القول والعمل ، وبين الشعار والمضمون حالة مرضية ومذمومة ، وقبيحة ومقبوحة ، ورذيلة ومرذولة ، ويجب أن لا ترى النور ضمن الدائرة الإسلامية التي تفرض التجانس والوئام بين النظرية والتطبيق; ليتحقّق الفوز والفلاح في الحياة الدنيا « ومعلّم نفسه ومهذّبها أحقّ بالإجلال من معلّم الناس ومهذّبهم » . فضلا عن الفوز برضا الله تعالى ، وذلك هو الفوز العظيم .

من هنا كان الخطاب القرآني يتهدّد ويتوعّد أولئك المصابين بداء انفصام الشخصية فيقول : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ  * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَاللهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ ) .

* سليمان كتّاني

 ... آتياً إلينا من فضاء لا ينتهي اُفقه ، ولا ينتهي لألاؤه ، إنّه الإمام عليّ : اُنسوجة بكر ـ كأنّها أبداً ـ بكر .. سبحان الله ، وقد نسلَه من فسحات المعاني ، كأن الفضا   ل ه à…ث  àج نّما هي من أجل صفوات المباني ، شدّت إليه ليكون بها المثال ، في بنية الإنسان ، وكلّ مجتمعات الإنسان .

ولستُ أظنّ فضائله تُحصى برقم ، فهي الوسيعة ، والرفيعة ، والمديدة ... يوسعها الحجى ، ويرفعها الصدق ، ويمدّدها الجمال ... أما آفاقها ـ في نعيم انصباباتها ـ فهي الله ـ جلّ شأنه ـ في اتصافه الوجودي المطلق ، تمنطق بها الإمام عليّ ، من أجل أن يفسّر جلالات الرسالة النازلة سوراً في قرآن نبي الإسلام(صلى الله عليه وآله) .. وكلّها لبناء مجتمعات الإنسان أكان هناك في الغرب أم هنا في الشرق ..

يا للإمام عليّ! كيف له أن يُدرَك في معانيه الأنيقة وفي مبانيه الوثيقة ... إنّ المعاني كلّها عند الإمام ، لا تزل تثير فينا المحجات ، وتوسّع لنا المسافات ، وتشدّد بنا الخطوات ...

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)