• عدد المراجعات :
  • 1439
  • 11/25/2007
  • تاريخ :

هل تجب المبادرة إلى استئجار الحج للميت ؟

الحج

مسألة 120 ـ هل تجب المبادرة إلى استئجار الحج للميت كأداء دينه في أول أزمنة إمكان أدائهً ؟

الظاهر وجوب ذلك، سواء كان تركه واقعاً بتسويفه أوْلا عن التقصير والتسويف ، وذلك لأن المال بيد الوارث أمانة شرعية ، وحبسه عنده من غير مجوز وترك الاستئجار والتسامح فيه خيانة في الأمانة عند العرف ، ولذا لو قصر وترك الاستئجار وتلفت التركة عنده يكون ضامناً يجب عليه الاستئجار من ماله خروجاً عما في عهدته ، وهذا المعنى ربما يكون أظهر إذا كان الميت مقصراً في ترك الحج ، لأن رفع العقاب عنه يدور مدار أداء الحج عنه ، فالذي ماله بيده يجب عليه بمقتضى الأمانة المبادرة إلى الاستئجار عنه ، وعلى هذا لا يجوز التأخير إلى السنة القادمة وإن علم بإمكان ذلك لرعاية مصلحة الوارث وإن كان صغيراً ، حتى إذا كان الميت معذوراً في ترك الحج ولا يمكن الحج من الميقات إلا بأزيد من الاُجرة المتعارفة في حين أنه يمكن بها في السنة القادمة .

لا يقال : إنه تارةً يؤخر الاستئجار لإبقاء التركة في يد الوارث حتى يستوفي منافعها إلى السنة القادمة ، ففي هذه الصورة لا يجوز له التأخير، وليس للورثة التصرف في التركة قبل استئجار الحج، وهل لهم ذلك بعد تحقق التأخير إلى زمان إمكان الاستئجار في السنة الآتية إذا كانوا بانين على الاستئجار ؟ الظاهر أنه يجوز لهم ذلك إذا لم يكونوا سبباً للتأخير كما إذا أخر الوصي ذلك ، وإلا ففي جواز التصرف إشكال ، يحتمل أن يقال بالرجوع إلى الحاكم والمصالحة معه على نحو ينتفع منه الميت . وتارةً يؤخره، لأن الاستئجار في السنة الحالية لا يمكن إلا بأزيد من اُجرة المثل المتعارفة دون السنة القادمة ، فيؤخر ذلك لدفع الضرر عن الوارث ، ففي مثله يجوز التأخير دفعا للضرر عنه.

فإنه يقال : إن في الصورة الثانية أيضاً لا ضرر على الوارث ، فإنه لم ينتقل إليه المال قبل استيجار الحج وتفريغ ذمة الميت حتى كان ذلك ضررا عليه ، كما إذا كان الدين الذي على الميت مالا مثليا ولا يمكن تحصيله فوراً إلا بشرائه بأزيد من ثمن المثل . وبالجملة فالحج والدين يتعلقان بتركة الميت بموته يجب أداؤها في أول أزمنة الإمكان غير مشروط بشيء ، بخلاف حق الوارث فإنه يتعلق بالتركة بشرط أداء الدين والوصية .

ضمان الوصي أو الورثة إذا تلفت التركة بإهمالهم

مسألة 121 ـ في صورة إهمال الوصي أو الورثة الاستئجار إذا تلفت التركة ضمن، كصورة كون الدين على الميت وتلفت التركة بإهمال الوصي أو الوارث .

أما إذا أهمل حتى نقصت قيمتها إلى أن لا تفي بالحج ، فإن كان ذلك بسبب حدوث عيب أو زوال صفة من صفاتها فيضمن ويجب عليه تداركه بأداء تفاوت قيمة المعيب مع الصحيح . وإذا كان النقص الحادث نقصاً في قيمته السوقية فالظاهر أنه لا ضمان عليه ، لأن ما وقع تحت يده وهو العين والصفة باق على حاله عيناً وصفة وهو يؤديها، وأما القيمة السوقية فلم تقع تحت اليد حتى يجب عليه أداؤها، وهذا كما هو الحال في سائر الموارد ، فمن غصب داراً ، أو دكاناً أو سيارةً ونقصت قيمتها عنده لا يجب عليه أداؤها .

وهنا مسألة ترتبط بمسألتنا هذه ، وهي: أنه إذا كانت تركة الميت من الأثمان المتعارفة التي تكون ماليتها يكون باعتبار من له اعتبار ذلك كالحكومة والمؤسسات كالبنوك إذا نقص اعتبارها المالي ـ مثلاً كان الدينار العراقي عند موت من عليه الحج يباع بألف ريال عربي يفي بنفقة الحج ولكن نقصت ماليتها بهذا الاعتبار فلا يشترى إلا بمائة ريال عربي لا يفي بنفقة الحج ـ فهل ذلك يوجب ضمان الوارث أو الوصي للحج عن الميت إن تسامح في الاستئجار وأخّره مثلاً إلى سنة اُخرى ، أو ليس عليه شيء ؟

والذي يمكن أن يقال : إنه إما أن يكون عدم وفاء الأثمان لنفقة الحج بعد ما كان كذلك في السنة الاُولى من جهة كثرة تعدد الأفراد الذين يعرضون أنفسهم للحج الإجاري وقلة المستأجرين وصيرورة الأمر في السنة الثانية بالعكس ، فقل الأجير وكثر المستأجر، ففي هذه الصورة إذا لم يف المال الموصى به أو مال الميت للحج في السنة الثانية لا ضمان على الوصي أو الوارث، فلم ينقص من المال شيء حتى يقال بضمان الوصي أو الوارث .

نعم، إذا آل الحال إلى صيرورة المال تالفاً عند العرف ، كالثلج الذي كان على المديون في الصيف فأخر أداءه إلى الشتاء يكون ضامناً لقيمته للدائن لإضراره به .

وبالجملة: فقدرة الثمن لشراء الأمتعة وضعفه إذا كان بعلل خارجية لكثرة المتاع ووفرته أو قلته لا يوجب ضماناً وتدارك ما يدخل بذلك على الدائن بعد ما كان المال باقياً على حاله . وإما إذا كان للثمن باعتبار ما يفرضه العرف وجهاً له صفة خاصة وقيمة واعتبار خاص ، مثلاً يشترى به طن من الحنطة ثم صار بسبب ضعف الوجه المذكور وطروء بعض الحالات عليه بحيث لا يمكن الشراء به إلاّ عشراً من مثلاً أو أقلّ من ذلك، أو يصير هذه الكيفية فيه أقوى فيشترى به طنان أو أكثر، أو الجهات الاُخرى مثل ذلك تتصاعد ماليته أو تتنازل ففي هذه الصورة أيضاً لا يتفاوت الحكم ، إلا إذا كان من عليه الحق مقصّراً في أداء ما عليه فيجب عليه تدارك ضرر صاحب الحق .

لا يقال : إذا كان المال بعينه باقياً لا يوجب تأخير أدائه إلا تفويت منفعة لصاحبه كما هو الحال في غيره من الأمتعة .

فإنه يقال : هذا إذا كان المال من الأمتعة وما يستفاد منه بعينه أو منافعه ، أما إذا كان المال لا يقصد منه إلا بما لَه من المالية ولا ينتفع منه إلا بما لَه من القيمة ففي مثله حبسه عن صاحبه إن تنزلت قيمته يعد عند العرف ضرراً عليه ، فيجب تداركه، فالتجار الذين كان عندهم ملائين من الملايين من العُملة الكويتية وقعوا ـ بعد الهجوم العراقي على الكويت وسقوط العملة الكويتية عن قيمتها ـ في الضرر . وبالجملة: فيمكن أن يقال : إن مثل ذلك يوجب الضمان . والله تعالى هو العالم .

مسألة 122 ـ قال في العروة : ( على القول بوجوب البلدية وكون المراد بالبلد الوطن إذا كان له وطنان الظاهر وجوب اختيار الأقرب إلى مكة، إلا مع رضا الورثة بالاستئجار من الأبعد ، نعم مع عدم تفاوت الاُجرة الحكم التخيير ) .

وقال في المستمسك : ( المراد من الأقرب الأقل قيمة كما يظهر ذلك من ملاحظة مجموع العبارة، وحينئذ يكون قرينة على المراد من عبارة المشهور المتقدمة في صدر المسألة الثامنة والثمانين ) .

أقول : المراد معلوم، فإنه إذا كان له وطنان يكفي اختيار ما هو الأقرب إلى مكة أي الأقل قيمة ، فلا يجب عليه اختيار الأبعد والأكثر قيمة، وإن كان يجوز ذلك إذا كان المستأجر هو الوارث أو كان ذلك برضا الورثة إن لم يكن كلهم أو بعضهم صغيراً أو أوصى الميت بصرف ثلثه في الحج فإنه يجوز، بل ربما يجب على الوصي أن يصرفه في الأبعد ، فظهر من ذلك أن الحكم بوجوب اختيار الأقرب في صورة الوصية على إطلاقه كأنه ليس في محله ، للفرق بين ما إذا أوصى بحجة عنه أو أوصى مثلاً بصرف ثلثه في الحج عنه . فتدبّر .

مسألة 123 ـ بناءً على وجوب الاستئجار من البلد الظاهر ـ كما في العروة ـ أنه لا فرق بين حجة الإسلام والحج الواجب بالنذر إذا لم يقيده الناذر بالبلد ولا بالميقات فيجب حينئذ الحج من البلد .

بل يمكن أن يقال ـ على ما اختاره ابن إدريس ـ : لو كان النذر مقيداً بالميقات يجب الاستئجار له من البلد; وذلك لأنه استدل على وجوب الحج من البلد بأنه (كان تجب عليه نفقة الطريق من بلده، فلما مات سقط الحج عن بدنه وبقي في ماله

تبعة ما كان يجب عليه لو كان حياً من مؤونة الطريق من بلده . وعلى هذا الاستدلال ـ وإن كان لا يخفى ما فيه ـ لا فرق بين الحج الواجب بالنذر المطلق أو المقيد بالبلد .

إذا اختلف تقليد الميت والوارث أو الوصي

مسألة 124 ـ في صورة اختلاف تقليد الميت والوارث أو الوصي في

وجوب أصل الحج على الميت أو وجوب البلدي منه أو غير ذلك فهل المدار على تقليد الميت أو الوارث والوصي ؟

 

فالكلام يقع في مقامين :

 الأول : في اختلاف الميت والوارث إذا لم يوصِ بالحج، فإن كان اختلافهما في أصل الوجوب: فإما أن يرى الوارث وجوبه على الميت فيجب عليه حسب رأيه استئجار الحج عنه; لأنه على رأيه يرى عدم انتقال تركة الميت إليه ووجوب استئجار الحج عنه عليه .

و إما لا يرى وجوبه على الميت وكان رأي الميت وجوبه عليه، كما إذا كان الميت لايرى الرجوع إلى الكفاية معتبراً في الاستطاعة والوارث يراه معتبراً فلا يجب عليه استئجار الحج عنه، ويجوز له التصرف في تركة الميت والبناء على انتقالها إليه .

نعم، لا يجوز لغيره الذي رأيه رأي الميت ترتيب أثر انتقال التركة إلى الوارث .

وأما إن كان اختلافهما في وجوب الحج من البلد فالظاهر أن حكمه لا يختلف عن حكم الاختلاف في أصل وجوب الحج . فظهر من ذلك كله أن المدار على تقليد الوارث . هذا إذا كان الوارث واحداً أو كان رأي الورثة واحداً .

وأما إذا كان الورثة مختلفين في الرأي فقال في العروة : ( يعمل كلًّ على تقليده ، فمن يعتقد البلدية يؤخذ من حصته بمقدارها بالنسبة، فيستأجر مع الوفاء بالبلدية بالأقرب فالأقرب إلى البلد، ويحتمل الرجوع إلى الحاكم ليرفع النزاع فيحكم بمقتضى مذهبه ، نظير ما إذا اختلف الولد الأكبر مع الورثة في الحبوة ) .

أقول : الاحتمال الأول مبني على ثبوت الحج في التركة على سبيل الإشاعة ، فإن عليه يعمل كل واحد من الورثة على طبق وظيفته فيؤخذ من حصته ويصرف المأخوذ في شؤون الميت ، أما وفاء ما عليه بحسب حصته بالبلدية فلا يتصور ، بل وفاؤه بالميقاتي أيضاً على القول بأن الواجب الاستئجار من الميقات لا يتصور .

نعم، يمكن ذلك بالنسبة إلى تمام حصته بأن يكون الحج متعلقاً بالمال على سبيل الكلي في المعين ولكنّ أصل هذا الاحتمال ضعيف، لأن لازمه انتقال بقية التركة إلى الوارث بموت المورث قبل أداء الحج والدين والوصية، وجواز تصرف الوارث في التركة في الجملة إذا كان بمقدار الحج باقيا منها .

وأما الاحتمال الثاني فوجهه: أن التركة حيث لا تنتقل إلى الوارث إلا بعد أداء الدين والعمل بالوصية فلا يجوز للوارث التصرف المالكي فيها قبل ذلك ، وحيث إن بعض الورثة يمتنع من ذلك فله أن يرجع في ذلك إلى الحاكم ، سواء قلنا بأن الإحجاج وظيفة الوارث، أو قلنا بأنه يرجع في أمره إلى الحاكم ليتداخل فيه من باب الحسبة .

وكيف كان فإنْ حكم الحاكم له يستأجر الحج من صلب مال الميت، وإنْ حكم عليه فهل يجوز له التصرف في حصته قبل أداء الحج ؟ القول بالجواز في غاية الإشكال .

المقام الثاني : في اختلاف الوارث والميت في الرأي إذا أوصى الميت بالحج ، واختلاف الوصي والميت ، واختلاف الوارث مع الوصي إذا كان رأي الوصي موافقاً لرأي الميت .

فنقول : لا ريب أنه في جميع الصور يجب إنفاذ الوصية إذا لم تزد على الثلث، و لا يؤثر فيه مخالفة رأي الوارث أو الوصي أو كليهما مع الموصي ، وأما إذا زاد على الثلث: فإن خالف رأي الوصي رأي الميت ، كما إذا كان رأي الميت عدم اعتبار الرجوع إلى الكفاية أو وجوب الحج من البلد وكان رأي الوصي اعتبار الرجوع إلى الكفاية وكفاية الحج الميقاتي إلا أن رأي الورثة موافق لرأي الميت فلا ريب أنه يجب إنفاذ الوصية بتمامها; لعدم مانع من إنفاذه بعد كون الورثة باذلين لتمام نفقتها .

وإذا كان الورثة أيضاً مخالفين للميت في الرأي فلا يجب على الوصي إلا إنفاذها بقدر الثلث إذا لم يكن الوارث باذلاً لما زاد على الثلث، ولا يجب عليه إقامة الدعوى على الورثة من جانب الميت ، كما أن الأمر كذلك إذا لم يعين الموصي الوصي، فالوارث يعمل فيما زاد على الثلث حسب رأيه .

وإذا كان الوصي يرى العمل بتمام الوصية من الأصل كالموصي والوارث لا يرى ذلك فالظاهر أنه يجب عليه رفع الأمر إلى الحاكم لأخذ الزائد على الثلث من الوارث.

مسألة 125 ـ الأحوط بل الأقوى في صورة وجود أكثر من واحد ممن يعرض نفسه للنيابة عن الميت استئجار من هو أقل اُجرة من غيره مع الوثوق بصحة عمله إذا كان المستأجر الوصي ولم يرض الورثة باستئجار غيره، أو كان بعضهم قاصراً ، سواء قلنا بوجوب استئجار البلدي أو الميقاتي .

نعم لو كان في استئجار من هو أقل قيمة هتك لحرمة الميت عند العرف تنصرف الوصية إلى غيره ممن لا يوجب استئجاره ذلك ، بل يمكن أن يقال في صورة عدم الوصية أيضاً : يجب اختيار من لم يكن استنابته عن الميت هتكاً له بدعوى انصراف الأدلة إليه ولو كان أكثر قيمة من غيره .

مسألة 126 ـ إذا علم بتحقق الاستطاعة المالية للميت وشك في تحقق الاستطاعة الطريقية ولم يكن هنا أمارة أو أصل يؤخذ بها لا يجب القضاء عنه; لبراءته وبراءة الولي عنه بمقتضى الأصل .

إذا علم استقرار الحج على الميت وجهل أداؤه له

مسألة 127 ـ إذا علم استقرار الحج على الميت ولم يعلم أنه أتى به أم لا فالظاهر وجوب القضاء عنه; لاقتضاء الأصل بقاءه في ذمته ، واحتمال عدم وجوبه عملاً بظاهر حال المسلم ضعيف .

لأن ذلك الاحتمال يعتد به إذا صدر من المسلم فعل أو قول أو تحقق منه حال يخبر عن أمر ، كما إذا صلّى فظاهر فعله يخبر عن طهارته وإحراز ما هو شرط للصلاة ، أو قال كلاما فيحمل على معناه الصحيح لا الفاسد، أو ترك أمراً مثل الصلاة في وقته فيحمل على عدم تركه عمداً . أما إذا شك في فعل مثل الصلاة أنه أتى بها أم لا فظاهر حاله لا يقتضي إتيانها لإمكان نسيانها لها ، نعم ظاهر حاله أنه لم يتركها عمداً .

اللهمّ إلاّ أن يقال : إنّ الظاهر من حال كل أحد عليه أن يأتي بفعل إتيانه به، وحيث إن الواجب إتيان الحج فوراً فظاهر الحال يقتضي إتيانه والبناء على إتيانه، وهذا هو قاعدة المقتضي والمانع التي لم تثبت حجيته ، لأنها ليست من مصاديق الاستصحاب الثابت حجيته ، لأن اليقين في قاعدة المقتضيوالمانع متعلق بشيء هو المقتضي، والشك متعلق بشيء آخر هو المانع، وفي الاستصحاب يلزم أن يكون الشك متعلقاً بعين ما تعلق به اليقين ، كما إذا علمنا بطهارة شيء بصب الماء عليه وعدم وجود مانع من وصول الماء إليه ثم شككنا في بقاء طهارته فإنه يجري فيه استصحاب الطهارة ، فالشك في مثله قد تعلق بعين ما تعلق به اليقين وهو طهارة ذلك الشيء، وأما في قاعدة المقتضي والمانع كما إذا صببنا الماء على شيء لغسل الخبث منه الذي لا يحصل إلا بالعلم بعدم وجود المانع وشككنا في وجوده وعدمه فعدم ترتيب آثار الغسل ليس من نقض اليقين بالشك لعدم حصول اليقين بالغسل .

لا يقال : في موارد قاعدة المقتضي والمانع نتمسك باستصحاب عدم المانع، فبإحراز صب الماء بالوجدان وعدم المانع بالأصل نحكم بالغسل وحصول الطهارة.

فإنه يقال : إن الأثر الشرعي يترتب على حصول الغسل ولا يمكن إثباته بعدم المانع إلا على القول بالأصل المثبت .

ثمّ إنّه ربما يستدل لإثبات هذه القاعدة بالسيرة العقلائية واستقرار بناء العقلاء على الحكم بوجود المقتضي بعد العلم بوجود المقتضي مع الشك في وجود المانع.

وفيه : أنه لم تثبت هذه السيرة من العقلاء، بل نرى منهم خلاف ذلك ، فلو رمى أحد سهماً إلى شخص إن أصابه يقتله وشك في إصابته وعدمها لمانع لا يحكمون بوقوع القتل والقصاص على الرامي .

وبعبارة اُخرى : في باب الصلاة حيث إنها موقّتة بوقت خاصٍّ يصدق الفوت بتركه في الوقت فيحتاج وجوبه إلى أمر جديد، وأما في الديون التي منها الحج وفي كل واجب غير موقت لا يصدق الفوت ، لأنه في كل زمان أدى يقع أداءً للمأمور به فالأمر بالحج لا يسقط بالتأخير ولا يفوت عن المكلف .

وبعبارة ثالثة : في باب الصلاة وجوب القضاء يدور مدار العلم بفوت الصلاة عن الميت ووجوب القضاء عليه، فإن علمنا بوجوب القضاء عليه واشتغال ذمته بالقضاء نستصحب اشتغال ذمته ونحكم بوجوب القضاء عنه . ووجوب الصلاة في الوقت كان موقتاً به ، بخلاف الحج فإن وجوبه على المكلف ليس موقتاً ، بل هو أداء في كل حال، والحج كقضاء الصلاة الثابت على الميت لا يسقط بموته ويستصحب اشتغال ذمته به .

فإن قلت : مقتضى بعض النصوص في باب الدين على الميت عدم إثباته باستصحاب عدم الإتيان إلا إذا ضم إليه اليمين ، فما دل على اليمين في باب الدين يكون مخصِّصا للاستصحاب، وحاصل ذلك عدم حجية الاستصحاب في باب الدين والحج من الديون .

أقول : أخرج الكليني: عن محمد بن يحيى، عن محمد بن أحمد، عن محمد بن عيسى بن عبيد، عن ياسين الضرير، عن عبدالرحمان بن أبي عبدالله قال : « قلت للشيخ (عليه السلام): خبِّرني عن الرجل يدّعي قِبَل الرجل الحق ـ إلى أن قال :ـ وإن كان المطلوب بالحق قدمات فاُقيمت عليه البينة فعلى المدعي اليمين بالله الذي لا إله إلا هو لقدمات فلان وإن حقه لعليه، فإن حلف وإلا فلا حق له، لأنا لا ندري لعله قد أوفاه ببينة لا نعلم موضعها، أو غير بينة قبل الموت فمن ثم صارت عليه اليمين مع البينة، فإن ادعى بلا بينة فلا حق له ، لأن المَّدعَى عليه ليس بحي، ولو كان حياً لاُلزم اليمين أو الحق أو يرد اليمين عليه فمن ثم لم يثبت الحق ». 

وهذا الحديث يدل على أن بقاء حق المدعي على الميت بعد إثبات كونه عليه لا يثبت بالاستصحاب، بل لابد من اليمين .

إلاّ أنه يمكن أن يقال : إنّ هذا يكون في موارد يمكن عدم اطلاع الوارث حسب المتعارف بوفاء من عليه الحق كالديون المالية، لا فيما إذا كان عدم علم الوارث بالوفاء خلاف المتعارف كالحج ، ففي مثل الديون المتعارفة يمكن أن يقال بعدم الاكتفاء بالاستصحاب وإن علم الوارث سبق اشتغال ذمة المورث به، ويمكن أن يدعى أن هذا، الحكم مختص بباب الدين والقضاء فلا يرتبط بالوارث المطلع عن حال مورثه .

هذا مضافاً إلى احتمال الإرسال في هذا الخبر لبعد رواية ياسين الضرير الذي كأنه كان من الطبقة السادسة عن عبدالرحمان بن أبي عبدالله وهو من الرابعة، ومضافاً إلى ما قيل بضعف السند أيضاً من جهة ياسين الضرير لأنه لم يوثق .

وهنا مكاتبة للصفار محمد بن الحسن القمي الملقب بممولة صاحب المسائل والكتب إلى مولانا أبي محمد العسكري ـ عليه الصلاة والسلام ـ فيها : وكتب : « أ و ـ تقبل شهادة الوصي على الميت مع شاهد آخر عدل ؟ فوقَّع : نعم، من بعد يمين».  قال بعض الأعلام : ( إنها مخصصة لحجية البينة، كما ورد التخصيص عليها في مورد ثبوت الزنا فإنه لا يثبت إلا بضم عدلين آخرين، فالحلف في المقام جزء المثبت للدين فلا تخصيص على الاستصحاب ) .

بل يمكن أن يقال : إن فيها إشعاراً باعتبار الاستصحاب فإن مقتضاها قبول البينة مع اليمين وإن شك في أن الميت أدى ما ثبت عليه بالبينة واليمين .

وأما ما أفاده (قدس سره) من أنه يظهر من الصدوق أن الراوي هو الصفار والمكاتب شخص آخر فلا يظهر منه، وإليك لفظ الكافي ( على ما في الوسائل ) : « كتب محمد بن الحسن ـ يعني الصفار ـ إلى أبي محمد (عليه السلام) »  وهذا لفظ الفقيه : « كتب محمد بن الحسن الصفار ـ رضي الله عنه ـ إلى أبي محمد (عليه السلام) » .

ثم إنه لايخفى عليك أن الكلام يجري على ما ذكرناه إذا علم أنه قد تعلّق بالميت خمس أو زكاة أو قضاء صلوات أو صيام ولم يعلم أنه أدّاها أم لا .

مسألة 128 ـ براءة ذمة الميت عن الحج والوارث من الاستئجار تتوقف على أداء الحج ، فلو علم الوارث أن الأجير لم يؤدِّهِ وجب الاستئجار ثانياً إذا بقي من التركة ما يفي به .

نعم، إن أمكن استرداد الاُجرة من الأجير يجب استردادها إذا لم يفِ ما بقي منها للحج . وهكذا الحكم في الوصي الذي أوصى إليه باستئجار حجة الإسلام، وأما الحج المستحبي فالظاهر أنه يجب الاستئجار ثانياً مادام بقي من الثلث مايفي به، وإلاّ فالأمر موكول إلى الورثة . والله هو العالم .

مسألة 129 ـ في صورة كفاية الميقاتية إذا استأجر غفلة أو جهلاً بالحكم البلدية فالإجارة بالنسبة إلى الزائد على الميقاتية تكون فضولية ، فإن أمضاها الوارث فهو، وإلا فإن علم الأجير بذلك قبل الحج فهو بالخيار ، إن شاء يأتي بالميقاتية باُجرتها من الاُجرة المسماة، وإن شاء يفسخ العقد من الأصل، وإن علم بعد ذلك فالوصي ضامن للزائد على الميقاتي .

هذا إذا استأجر الوصي الأجير بعين التركة، وأما إذا استأجره على ذمته بداعي أخذ الاُجرة من الورثة فالإجارة صحيحة وليس له مطالبة أزيد من الميقاتية من الورثة، وهو ضامن للزائد، سواء علم بالحال بعد إتيان الأجير بالحج أو قبله .

والحاصل: أن التمسك بظاهر الحال هنا لعدم وجوب قضاء الحج عن الميت لا يفيد ، سواء فسرنا ظاهر الحال بما ذكر أو بقاعدة المقتضي والمانع ، فعلى الأول ما نحن فيه ليس من صغريات ظاهر الحال المعتبر، وعلى الثاني الاستدلال ممنوع من جهة عدم صحة كبرى الدليل . فتأمّل جيّداً .

نعم، ربما يقال : إن في باب قضاء الواجبات العبادية عن الميت ـ كما قالوا به في باب قضاء الصلوات ـ موضوع الحكم بوجوب القضاء هو فوت الصلاة ، وأصالة عدم إتيانه بالصلاة لا يثبت به فوت الصلاة إلا على القول بالأصل المثبت ، وهكذا نجري الكلام في الحج ونقول : إن قضاء الحج عن الميت يدور مدار فوت الحج عنه ، وأصالة عدم إتيانه بالحج لا يثبت ذلك .

وفيه : أن الحج كالدين من الواجبات المالية التي إذا علم الوارث اشتغال ذمة مورثه به يجب عليه أداؤه ، كما كان يجب على المورث أداؤه فكما أنه لا يفوت من المورث وهو أداء في أىِّ زمان أدّاه ولا يفوت بتأخيره من سنته إلى السنوات المستقبلة لا يفوت منه بموته ، وذمته مشغولة به حتى يؤدي من تركته أو يتبرع به متبرع بنيابته .


الإحرام بالصبي غير المميز للعمرة المفردة

إذا حجَّت المرأة مع عدم الأمن

إذا قصرت التركة عن أداء الدين و قضاء حجة الإسلام

إذا أقرّ بعض الورثة بوجوب الحجّ على مورثهم

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)