• عدد المراجعات :
  • 1119
  • 11/25/2007
  • تاريخ :

تهيئة مقدمات الحج

الحج

مسألة 4 ـ يجب بحكم العقل بعد حصول الاستطاعة الإقدام لتهيئة المقدمات التي يتوقف عليها إدراك الحج في سنة الاستطاعة بحيث لا يفوته الحج .

فلو انحصرت المقدمة في مورد تعين بلا شك ، ولو وجد من مقدمة بعض أفرادها وعلم عدم حصول غيره فلا ريب أنه يجب اختياره ، بل إن احتمل حصوله بعد ذلك فلايجوز العدول عما هو المعلوم وجوده إلى ما يحتمل حصوله بعد ذلك .

وإذا تعدَّد الأفراد كالرفقاء ـ مثلا ـ فإن كانوا متفقين في زمان الخروج وكان الوثوق بالوصول والإدراك بالجميع على السواء يختار منها ما شاء، وإلاّ فيختار منها ما يثق به بالوصول دون غيره .

وهل يجب أن يختار الأوثق منها في الوصول أو يكفي اختيار غيره من الأفراد التي يثق بها وثوقاً يعتمد عليه العقلاء ؟

الظاهر أن العقلاء لا يلتزمون باختيار الأوثق إذا كان سائر الأفراد أيضاً مورداً للوثوق والاطمينان ، فيختارون في اُمورهم ما يثقون به مما يوافق سائر دواعيهم الكثيرة الراجحة بحسب العرف أو الشرع ، فربما يتركون الأوثق ويأخذون بما دونه حسب تلك الدواعي ، مثلا يركبون السيارة أو الطيارة الموثوق بها دون الأوثق منها ، لكون الاُولى أرخص قيمهً من الثانية .

وأما إذا اختلف زمان تلك الأفراد بالتقدم والتأخر فإن كانوا من حيث الوثوق بالوصول والإدراك على السواء فالمكلف يختار ما شاء .

وما حكي عن الشهيد الثاني في الروضة من وجوب الخروج مع الأول وإن كان الثاني أوثق منه ، لأن التأخير تفريط في أداء الواجب فوجب الخروج مع الأول،ففيه : ـ مضافاً إلى أن الخروج مؤخراً لا يوجب تأخير الوصول وإدراك الحج مطلقاً، بل قد يمكن تقدم الورود وإدراك الحج لمن تأخر في الخروج ، كما إذا ركب ما هو أسرع من غيره ، كالطيارة في زماننا هذا بالنسبة إلى غيرها ـ منع كون ذلك تفريطاً ، سيما إذا كان الثاني أوثق من الأول .

فما هو عليه عمل العرف والعقلاء ليس إلاً الأخذ بما يثقون به ، أما في الأخذ بالأوثق والمتقدم والمتأخر مما هو مورد الوثوق فيعملون على طبق سائر دواعيهم الشخصية وغيرها . وليس علينا في مقام امتثال الأوامر الشرعية أزيد من اتباع الطرق العقلائية التي لم يردع عنها الشارع المقدس ، ولم يؤسس طريقة اُخرى . هذا بحسب وجوب تهيئة المقدمات .

وأما بحسب الحكم في استقرار الحج فإن سلك بعض هذه المسالك ، واختار بعض أفراد المقدمة وترك البعض الآخر ، واتفق عدم إدراكه الحج بسبب التأخير أو التقديم ، أو اختيار فرد مقارن لفرد آخر زماناً فهل يستقر عليه الحج بحيث لو سقط عن الاستطاعة وجب عليه الحج متسكّعاً، أم لا ؟

لا ريب في أنه إذا أخذ بغير ما يثق به واتفق عدم إدراكه الحج يستقر عليه الحج .

وأما إذا أخذ بأحد أفراد المقدمة التي كلها مورد للوثوق وإن كان بعضها أوثق، أو كان جميعها متوافقين في زمان الخروج واتفق عدم الإدراك فالظاهر عدم استقرار الحج عليه ، لأنه عمل بوظيفته الشرعية من غير تفريط وإهمال وإنما فاته الحج بسبب آخر لايرتبط بإهماله . وإنما يستقر الحج على من تنجز عليه التكليف وأهمل حتى فاته الحج .

والظاهر أن الحكم كذلك إذا ترك في هذا الفرض الأخذ بالأوثق وأخذ بالموثوق به فإنه في هذه الصورة أيضاً لم يتسامح في امتثال أمر المولى ، وأتى بما هو وظيفته بحسب سيرة العرف والعقلاء .لا يقال : إنه صار مستطيعاً لتمكنه من الخروج والمسير مع الفرد الآخر الذي هو أوثق مما اختاره .

لأنا نقول : الملاك في استقرار الحج بالتفويت صدق عنوان الإهمال والتسامح والتفويت العمدي ، وهو غير صادق في المقام، وإلاّ فيلزم استقرار الحج عليه إن أخذ بالأوثق أو المساوي واتفق عدم إدراكه الحج لكونه متمكناً من المسير مع غيره بالخروج معه، وهذا مما لا يقول به أحد .

وهكذا يجري الكلام فيما إذا أخذ بالفرد المتقدم الموثوق به وترك المتأخر كذلك واتفق عدم الوصول والإدراك ، أو ترك المتقدم واختار المتأخر ، ففي كل هذه الأمثلة لا يحكم باستقرار الحج . والله تعالى هو العالم .

شرائط وجوب حّجة الإسلام

 

مسألة 5 ـ لا ريب في اعتبار البلوغ والعقل في الأحكام التكليفية الإلزامية ، تحريمية كانت أو وجوبية ، التي منها حجة الإسلام .

الأول : الكمال بالبلوغ والعقل

فلا تجب حجة الإسلام على الصبي ، سواء كان مميزاً أو لم يكن ، ولا على المجنون ، سواء كان مطبقاً أو أدوارياً إذا كان تقصر نوبته عن أداء الواجب وما في حكمه .

لكن ذلك لا يكفي في عدم مشروعية حجة الإسلام للصبي بناء على مشروعية عباداته وصحتها ، لأن عدم وجوب العبادة عليه لا ينافي صحتها ومشروعيتها .

وبعبارة اُخرى: لا يدل ذلك على عدم كفاية حج الصبي المستطيع عن حجة الإسلام ، التي هي واجبة على المستطيع ، المرفوع وجوبها عن الصبي ، دون مشروعيتها وصحتها . فلا مانع من وقوع حجة الإسلام فيقع منه كذلك . كما أنه إذا أتى بالصلاة في أول وقتها ثم بلغ بعده أو بلغ في أثنائها يكتفي بها ولا يجب عليه إعادتها .

وكذلك الوضوء والغسل بل الاعتكاف فإنه إن شرع فيه الصبي وبلغ بعد إتمامه اليومين الأولين يجب عليه اليوم الثالث، كما لا يجوز له إبطال الصلاة بعد بلوغه في أثنائها .

غير أنه قد ادعي الإجماع على عدم إجزاء حج الصبي المستطيع عن حجة الإسلام ، ودلت روايات على ذلك :

منها: ما رواه شيخنا الكليني (قدس سره) عن عدة من أصحابنا عن سهل بن زيادعن ابن محبوب عن شهاب عن أبي عبدالله (عليه السلام) في حديث قال : « سألته عن ابن عشر سنين يحج ؟ قال (عليه السلام) : عليه حجة الإسلام إذا احتلم ، وكذلك الجارية عليها الحج إذا طمثت » .

والظاهر بملاحظة جواب الإمام (عليه السلام) أن السؤال عن الصبي الذي يحج هل عليه حجة الإسلام إذا بلغ أم لا ؟ وإن احتمل في المستند أن يكون السؤال عن وجوب الحج ، لا عن الحج الواقع .

ومنها: ما رواه أيضاً عن عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن محمد بن الحسن بن شمو عن عبدالله بن عبدالرحمن الأصم عن مسمع بن عبدالملك عن أبي عبدالله (عليه السلام) في حديث قال : « لو أن غلاماً حج عشر حجج ثم احتلم كانت عليه فريضة الإسلام ».  ودلالتها على المطلوب أوضح من الاُولى.

وأما سندهما  فقال بعض الأعاظم : ( الروايتان ضعيفتان بسهل بن زياد).

وفيه : أما الرواية الاُولى فقد ظهر مما بيناه في الذيل أن الذي يظهر بالتدبر أنهم اعتمدوا على رواية مثل سهل لكون الكتاب الذي اُخرجت فيه الرواية معروفاً ثابتاً عندهم بالوجادة ، وإلاّ فكيف يمكن اعتماد هؤلاء الجهابذة في أكثر من ألفي حديث على رواية رجل ضعيف ؟ فالرواية معتبرة على ذلك مورد للاعتماد .

وأما الرواية الثانية فهي ـ بعدما عرفت في تضعيف سهل ـ ضعيفة بمحمد بن شمون وعبدالله بن عبدالرحمان .

وكيف كان فلو لم نعتمد على إجماعهم في المسألة وعلى هذين الخبرين يكفينا رواية الصدوق المعبر عنها بالحسنة لوقوع ; إبراهيم بن هاشم في إسناد

الصدوق إلى صفوان : محمد بن علي بن الحسين بإسناده عن صفوان عن إسحاق بن عمار قال : « سألت أبا الحسن (عليه السلام)عن ابن عشر سنين يحج ؟ قال (عليه السلام): عليه حجة الإسلام إذا احتلم وكذلك الجارية عليها الحج إذا طمثت

ودلالته على عدم الإجزاء عن حجة الإسلام كسابقيه .

ولا يخفى عليك أن الدلالة على ذلك في الاُولى والثالثة بترك الاستفصال ، وفي الثانية بالإطلاق ، فإن الصبي تارة يحج وهو غير مستطيع كما هو الغالب، واُخرى يحج وهو مستطيع .

ثم إن هنا رواية اُطلق فيها حجة الإسلام على حج الصبي ، وهي رواية شيخنا الصدوق (قدس سره) بإسناده عن أبان عن الحكم ، قال : « سمعت أبا عبدالله (عليه السلام)يقول : «الصبي إذا حج به فقد قضى حجة الإسلام حتى يكبر »  فالظاهر منها أن حجة الإسلام من الصبي هي حجه الأول في حججه حتى يكبر وهي له بمنزلة حجة الإسلام ، وسيأتي الكلام في هذه الرواية .

حكم حجّ الصبيّ المميّز:

مسألة 6 ـ يستحب للصبي المميز أن يحج وإن لم يكن مجزيا عن حجة الإسلام .

للروايات الدالة على عدم إجزاء حجه عن حجة الإسلام ، فإن الكلام في إجزائه عنها أو عدم إجزائه إنما يجري بعد الفراغ عن صحته منه ، ومع القول بالبطلان لا مجال للبحث عن إجزائه عن حجة الإسلام وعدمه .

مضافاً إلى ما سيأتي من الروايات الدالة على كيفية الصبي .

ولكن قد وقع الكلام في أنه هل يعتبر في صحته إذن الولي أم لا ؟ نسب إلى المشهور اعتباره وإن لم نتحققه .

واستدل لذلك بوجهين :

أحدهما : أن الحج من العبادات التوقيفية التي لابد أن تتلقى من الشارع المقدس على نحو يعلم منه الإتيان به ، فإن الأصل عدم ورود أقل من ذلك من الشارع .

وفيه: أنه يكفي في ذلك الإطلاقات الدالة على استحبابه ورجحانه .

ولكن يمكن أن يقال : إن الدليل الدال على استحبابه إن كان ما دل على عدم إجزائه عن حجة الإسلام فليس له إطلاق يشمل فاقد الإذن ، لأنه في مقام بيان أمر آخر وهو عدم إجزاء حج الصبي عن حجة الإسلام ، لا بيان استحباب الحج على الصبي حتى يؤخذ بإطلاقه لنفي اعتبار إذن الولي .

والظاهر أنه لا دليل غير ذلك الذي يدل بالإجمال على استحباب حج الصبي ليستدل بإطلاقه فيما شك في اعتباره في صحة حج الصبي شطراً كان أو شرطاً .

نعم ، إذا علم من الخارج كيفية الحج الذي كانوا يأتون به ينزل الاطلاقات عليه ويتمسك بها في نفي الزائد .

ولكن لا يعلم كيفية ما كانوا يأتون به في الخارج أولا ، ولا إطلاق لنا نتمسك به لنفي ذلك الزائد ثانياً .

وثانيهما : أن بعض أحكام الحج متوقف على تصرف الصبي في ماله الذي لا يجوز إلا بإذن الولي مثل الكفارات والهدي .

وردّ بأنه يمكن أن يقال في الكفارات بعدم وجوبها عليه ، لأن عمد الصبي وخطأه واحد ، وإتيانه ببعض المحرمات لا يوجب الكفارة .

بل يمكن أن يقال : إنه وإن جعل على نفسه بإحرامه ترك المحرمات والاجتناب عنها إلا أنه لايحرم عليه شرعاً ، وليس محظوراً عليه ، فلاكفارة عليه .

اللهم إلا أن يقال : إنه من الممكن أن لايكون الإتيان بالمحرمات حراماً ومنهياً عنه له ، ولكن من حيث الحكم الوضعي كان ارتكابها سبباً لاشتغال ذمته بالكفارة .

هذا، مضافاً إلى أنه لو قلنا بثبوت الكفارة عليه فيمكن الاستيذان من الولي ، وإن امتنع تكون عليه يؤديها عند بلوغه .

إلا أن يقال : إن معنى ذلك عدم ولاية الولي على ما هو بمصلحته ، وإلا فيقال مثل ذلك في سائر تصرفاته المالية والتزاماته ، وإنها صحيحة لازمة ينفذها هو بنفسه بعد بلوغه .

وأما ثمن الهدي فإن أمكن الاستيذان من الولي يستأذن منه ، وإلا فهو كالعاجز ، وقد أفاد بعض الأعلام ـ عليه الرحمة ـ في الجواب عن الوجه الثاني ( أنه بعد ثبوت المشروعية من قبل الشارع ، وصحة الحج ولولم يأذن الولي لابد للولي من صرف المال له لتتميم العمل ، كما لو أتلف الصبي مال الغير ) .

وهذا كلام وجيه ، فإنه لو قلنا بدلالة المطلقات على صحة حج الصبي مطلقاً لابد للولي من صرف المال له ، كما أفاد ، فلا محل للوجه الثاني أصلا فإنه مع الدليل على صحة حجه لا مجال لهذا الاستدلال ، وإن لم يدل فلا حاجة إلى هذا الوجه .

ويمكن أن يقال : إن تصرفات الصغير غير المالية في نفسه على قسمين : قسم لا فائدة ولا مصلحة في أن يكون في دائرة ولاية الولي مثل أكثر أفعاله العادية من الأكل والشرب وغيرهما .

وقسم تقتضي مصلحته أن يكون في دائرة ولاية الولي، مثل انتخاب المسكن، ونوع اللباس ، ونوع المعاشرة والسفر ، فللولي النظر في ذلك كله ، ومنعه من أي نوع لا يرى له ذلك . والحج والعمرة والإحرام لهما من هذا القسم ، فمصلحة الصبي تقتضي أن لا يكون مستقلا في أمثال هذه الأفعال ، وأن يكون تحت نظر وليه ، فليس له أن يسافر أو يحج إلا بإذنه .

ولو كان هناك إطلاق في مشروعية حجه وعمرته ، لابد وأن يقيد بذلك . فالأقوى ما نسب إلى المشهور من ثبوت ولاية الولي على مثل هذه التصرفات المهمة التي فيها رعاية مصلحة الصبي ، وتقتضي مصلحته جعل الولاية عليه لوليه .

وعلى هذا حيث لا يكون اختيار هذه الأفعال بيد الصبي ، ولا استقلال له في إتيانه ، لا تأتى منه عبادة ، ومحبوبا لله تعالى إلا إذا كان بإذن الولي . وهذا بخلاف أعماله العادية مثل الصلوات اليومية والطواف والدعاء وغيرهما مما لا يرى العرف أن يكون بإذن الولي ، بل يرى مصلحة الصبي أن يكون فيه حراً مستقلا . والولاية على الصبي ليست من مخترعات الشارع وإن كان له دخل في تحديدها . وبهذا البيان يقال باعتبار إذن الولي في صحة اعتكافه .

وكيف كان فلو أتى بالحج أو العمرة بدون إذن الولي رجاءً لا بأس به ، فإنه لو كان تصرفاً في ولاية الولي لا يحرم على الصبي تكليفاً وإن جاز للولي منعه ، وإن لم يكن كذلك فقد صدر من أهله . والله العالم .


إذن الزوج للزوجة المستطيعة

إذا كان المديون معسراً أو مماطلا

الكافر إذا أسلم بعد الميقات

 

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)