• عدد المراجعات :
  • 1441
  • 10/29/2007
  • تاريخ :

الإمامة عقيدة ومنهج حياة
الإمامة

   

الإمامة هي ( زمام الدين ونظام المسلمين، وصلاح الدنيا، وعز المؤمنين ) لقد أجمع علماء الإسلام على ضرورة وجود حكومة عادلة تلتزم الإسلام عقيدة ونظاماً وتعمل على إقامة أحكام الله تعالى وتسوس المجتمع بأحكام الشريعة المقدسة. يقول بن حزم: ( اتفق جميع أهل السنة، وجميع المرجئة وجميع الخوارج على وجوب الإمامة، وأن الأمة واجب عليها الانقياد لإمام عادل يقيم فيهم أحكام الله ويسوسهم بأحكام الشريعة… حاشا- أي باستثناء- النجدات نسبة إلى نجدة بن عامر 36-69هـ من الخوارج فإنهم قالوا لا يلزم الناس فرض الإمامة، وإنما عليهم أن يتعاطوا الحق بينهم)

فالحكومة المتجسدة بالإمامة ضرورة لابد منها دفعا للهرج والفوضى وحفظا لمصالح الأمة وحراسة لأمور الدين، ومكان القيم من الأمر ( حسب تشبيه الإمام علي (عليه السلام) في النهج) مكان النّظام من الخرز، يجمعه ويضمّه فإذا انقطع النّظام وتفرّق وذهب، لم يجتمع بحذافيره أبدا. وبصورة عامة فإنا (لا نجد فرقة من الفرق ولا مّلة من الملل بقوا وعاشوا إلا بقّيم ورئيس لا بد لهم منه، ولا قوام لهم إلا به… وفي هذا الصدد يقول الجاحظ وهو من معتزلة البصرة: (إن الناس يتظالمون فيما بينهم بالشرّه والحرص المركّب في أخلاقهم، فلذلك احتاجوا إلى الحكّام).

على أن القضية التي أثارت جدلاً عاصفاً وكانت موضع خلاف شديد أدى إلى الاختلاف والتمزق وأحيانا إلى التناحر بين المسلمين هي طبيعة الإمامة والسلطة هل هي دينية أم دنيوية ومدنية؟… ثم تشعب إلى مسائل أخرى منها هل أن مصدر وجوب الإمامة هو النص والوصية من الله تعالى أو رسوله (صلى الله عليه وآله) أم أن مصدرها التعيين والاختيار من قبل الأمة وأصحاب الحل والعقد فيها؟…

وبطبيعة الحال أخذ كل فريق يسوق أدلته ويدلي بالحجج والبراهين التي تؤيد وجهة نظره ونحن في هذه الدراسة المقارنة نرسم الخطوط العامة لاتجاهات الرأي حول الإمامة جادين للوصول إلى القول الفصل وجاهدين لتقريب وجهات النظر بين المذاهب على صعيد الواقع الموضوعي الذي يحتاج إلى كيان إسلامي موحد حتى يقف شامخاً أمام الكتل السياسية الملحدة الساعية إلى إبقائه مجزءً سياسياً ومتناحراً مذهبياً من أجل تحقيق أطماعها والاحتفاظ بهيمنتها.

الإمامة منصب ديني أم مدني؟

ترى مدرسة آل البيت (عليهم السلام) بأن الإمام إنما ينصب لمصالح الدين من حيث الأساس، ولذلك يوجبون عصمته فالدين –حسب نظرهم- هو ميدان سلطته وسلطانه ومن هنا يتشددون في مسألة اختياره ويركزون على عصمته يقول الشيخ محمد رضا المظفر: (نعتقد أن الإمام كالنبي يجب أن يكون معصوماً من جميع الرذائل والفواحش ما ظهر منها وما بطن من سن الطفولة إلى الموت، عمداً وسهواً. كما يجب أن يكون معصوماً من السهو والخطأ والنسيان، لأن الأئمة حفظة الشرع والقوّامون عليه حالهم في ذلك حال النبي، والدليل الذي اقتضانا أن نعتقد بعصمة الأنبياء هو نفسه يقتضينا أن نعتقد بعصمة الأئمة، بلا فرق).

أما الطرف الآخرـ وخاصة المعتزلةـ فعندهم أن الإمام منصب أساساً لمصالح الدنيا فحسب فهو مجرد منفذ للأحكام ومقيم للحدود وناظر في مصالح الأمة الدنيوية وليس قيماً على الدين، بلاغاً أو حفظاً كما أنه ليس منصباً من قبل الله تعالى لإزالة العلل عن المكلفين في التكليف، وهذا الاتجاه يقلص مقام الإمام ويعتبر مجرد (موظف سياسي) ليس إلا، وليس له سلطة روحية بل حتى المهام الدينية التي يضلع بها مثل إمامة الصلاة وغيرها لا تضمن له أي سلطة دينية. ومن الجدير بالذكر أن هذا التيار يدعوا إلى فصل السلطتين: الدينية والزمنية وفي تصوره أن الإسلام ينكر الصفة الدينية للسلطة، ويرى بأن عهد السلطة الدينية قد انتهى بإكمال الرسالة و موت الرسول (صلى الله عليه وآله). وعليه فإن السلطة بعد رحيله غدت مدنية. والملاحظات على هؤلاء أنهم في الوقت الذي يعتبرون فيه الإمامة منصباً دنيوياً ومدنياً ويعتبرونها ـ كما سيأتي ـ حكماً فرعياً يمنحونها في تعريفهم صبغة دينية واضحة! ويدرجونها عند التصنيف للأحكام الإسلامية مع أصول العقائد وليس مع فروعها كما يذهبون!… (فقسم منهم يقول: أن الإمامة سياسة عامة في أمور الدين فيسوي بينها وبين النبوة. ومنهم من يقول: أنها خلافة الرسول في إقامة الدين وحفظ حوزة الملّة. ويتوهم أنه يختلف مع التعريف الأول على حين أنه يستمر في إعطاء الإمام اختصاصات النبي والرسول..ويرى ابن خلدون: أنها نيابة عن صاحب الشرع في حفظ الدين وسياسة الدنيا.

أصل أم فرع؟

تذهب مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) إلى كون الإمامة استمراراً للنبوة، فكما أن الناس بدون النبوة يتيهون في صحراء الحيرة والضلال ويتخبطون حيارى على غير هدى كذلك الحال في الإمامة الهادية التي تكمل دور النبوة وتسلك بأفراد الأمة سواء السبيل. ومن هنا فهي أصل كالنبوة. وحول هذه الفقرة يقول المجتهد المجدد الشيخ المظفر: (نعتقد أن الإمامة أصل من أصول الدين لا يتم الإيمان إلا بالاعتقاد بها، ولا يجوز فيها تقليد الآباء والمربين مهما عظموا وكبروا، بل يجب النظر فيها كما يجب في التوحيد والنبوة). (عقائد الإمامية-مصدر سابق- ص65)

أما أهل السنة فلا يعتبرون الإمامة أصلا من أصول الدين والعقائد، بل هي -عندهم- من الفروع المتعلقة بأفعال المكلفين وعلى سبيل الاستشهاد يقول إمام الحرمين (الجويني): أن الكلام فيها ـ أي الإمامة ـ ليس من أصول الاعتقاد. والغزالي يقرر: أن النظر في الإمامة ليس من المهمات، وليس أيضا في فن المعقولات بل من الفقهيات -أي من الفروع.

وابن خلدون ينهج ذات النهج ويقول: شبهة الإمامية إنما هي كون الإمامة من أركان الدين وليس كذلك، وإنما هي من المصالح العامة المفوضة إلى نظر الخلق. فمحور الخلاف إذن بعبارة أخرى أن أهل السنة يعتبرون مسألة الإمامة من الفروع ولذا فهي شأن من شؤون الناس، يولون هذا المنصب لمن تتوفر فيه شروط محددة فإن أخل بها أو ببعضها تمت محاسبته أو عزله. بدليل أنه (لما أحدث عثمان تلك الأحداث خلعوه، فلما لم ينخلع قتلوه) بينما ترى مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) بأن الإمامة ركن من أركان الدين لكونها لطف إلهي ـ كما سيأتي ـ وبالتالي فهي من شؤون السماء ولا دخل للبشر فيها يقول الشيخ الكليني (أن الإمامة منزلة الأنبياء، وأرث الأوصياء أن الإمامة خلافة الله وخلافة الرسول… فمن الذي يبلغ معرفة الإمام أو يمكنه اختياره؟ هيهات…هيهات).

وجوب الإمامة: عقلي أم نقلي؟

من فمن موارد الاختلاف بين المدارس والمذاهب الإسلامية أنه هل وجوب الإمامة المتفق عليه عقلي أم شرعي؟

مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) مع استشهادها بالنصوص المنقولة عن طريق النبي (صلى الله عليه وآله) الدالة على وجوب الإمامة بل وانحصارها في أهل البيت (عليهم السلام)، تذهب إلى وجوب نصب الإمام من جهة العقل، لأنه لا بد للشريعة من حافظ معصوم يؤمن من جهته التغيير والتبديل والسهو، ولا شأن للناس ولا قدرة على معرفة الإمام. فالإمامة ـ عند هذه المدرسة ـ كالنبوة لطف إلهي فكما لا يمكن الاستغناء عن النبوة لا يمكن الاستغناء عن الإمامة، فكلاهما لطف وإن كان لطف الإمامة عاماً ولطف النبوة خاصاً.

وبعبارة أخرى فإن حفظ الشريعة الذي وعد تعالى به يجب على الله عقلاً إيجاد الإمام وتنصيبه، والدلالة عليه، وإيجاد طاعته على رعيته.

أما السنة ومعهم المعتزلة فيرفضون مقولة (اللطف الإلهي) عند الإمامية وبذلك فهم ينكرون الأساس أو الأصل العقلي لوجوب الإمامة وعندهم أن العقل لا يعلم به فرض شيء ولا إباحته، ولا تحليل شيء ولا تحريمه، ولا حسن شيء ولا قبحه وأن هذه الأمور طريقها السمع، وإنما العقول يتوصل بها إلى حدوث العالم وإثبات محدثه، وأنه على صفاته التي هو عليها، فعلم وجوب الإمامة -عندهم- من جهة السمع ـ أي النقل .

وهنا نتساءل: لماذا وقع الخلاف؟ وكيف نشأ الانقسام في الأمة؟

إن من يتبع المرحلة الأولى من حياة الأمة الإسلامية في عصر النبي (صلى الله عليه وآله) يجد أن اتجاهين رئيسيين مختلفين قد رافقا نشوء الأمة، وبداية التجربة الإسلامية منذ السنوات الأولى وكانا يعيشان معا داخل إطار الأمة الوليدة التي أنشأها الرسول القائد وقد أدى هذا الاختلاف بين الاتجاهين إلى انقسام عقائدي عقيب وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله) مباشرة، شطر الأمة الإسلامية إلى شطرين قدر لأحدهما أن يحكم، فاستطاع أن يمتد ويستوعب أكثرية المسلمين، بينما أقصي الشطر الأخر عن الحكم وقدر له أن يمارس وجوده كأقلية معارضة ضمن الإطار الإسلامي العام، وكانت هذه الأقلية هي الشيعة في حياة النبي (صلى الله عليه وآله) منذ البدء هما:

- أولاً:  الاتجاه الذي يؤمن بالتعبد بالدين وتحكيمه والتسليم المطلق للنص الديني في كل جوانب الحياة.

- ثانياً: الاتجاه الذي لا يرى أن إيمانه بالدين يتطلب منه التعبد إلا في نطاق خاص من العبادات والغيبيات ويؤمن بإمكانية الاجتهاد، وجواز التصرف على أساسه بالتغيير والتعديل في النص الديني وفقا للمصالح التي يرتئيها.. وقد قدر لهذا الاتجاه ممثلون جريئون من قبيل عمر بن الخطاب الذي ناقش الرسول (صلى الله عليه وآله) واجتهد في مواضع عديدة خلافا للنص، إيمانا منه بأن له مثل هذا الحق. وبهذا الصدد يمكن أن نلاحظ، موقفه من (صلح الحديبية) واحتجاجه على هذا الصلح، وموقفه من الآذان وتصرفه فيه بإسقاط (حي على خير العمل)، وموقفه من النبي (صلى الله عليه وآله) حين شرع متعه الحج… إلى غير ذلك من مواقفه الاجتهادية. وقد انعكس كلا الاتجاهين في مجلس الرسول (صلى الله عليه وآله) في آخر يوم من أيام حياته فقد روى البخاري في صحيحه عن أبي عباس، قال (لما حضرت رسول الله (صلى الله عليه وآله) الوفاة وفي البيت رجال، فيهم عمر بن الخطاب قال النبي: هلم أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده، فقال عمر: إن النبي (صلى الله عليه وآله) قد غلب عليه الوجع، وعدنكم القرآن، حسبنا كتاب الله، فاختلف أهل البيت فاختصموا، منهم من يقول: قربوا يكتب لكم النبي كتاباً لن تظلوا بعده، ومنهم من يقول ما قال عمر، فلما أكثروا اللغو والاختلاف عند النبي قال لهم قوموا: لا ينبغي عند نبي نزاع) وهذه الواقعة وحدها كافية للتدليل على عمق الاتجاهين ومدى التناقض والصراع بينهما ويمكن أن نضيف إليها لتصوير عمق الاتجاه ورسوخه ـ ما حصل من نزاع وخلاف بين الصحابة حول تأمير (أسامة بن زيد) على الجيش بالرغم من النص النبوي الصريح على ذلك، حتى خرج الرسول (صلى الله عليه وآله) وهو مريض، وخطب في الناس، وقال: (يا أيها الناس ما مقالة بلغتني عن بعضكم من تأمير أسامة، ولئن طعنتم في تأمير أبيه من قبل، وأيم الله إنه كان لخليقاً بالإمارة وإن ابنه بعده لخليق بها). وهذان الاتجاهان اللذان، بدأ الصراع بينهما في حياة النبي (صلى الله عليه وآله) قد انعكس على موقف المسلمين من قضية زعامة الإمام علي (عليه السلام) بعد النبي (صلى الله عليه وآله).

فعلى الرغم من النصوص النبوية المستفيضة التي تؤكد على إناطة الإمامة بأهل البيت (عليهم السلام) ومنها حديث (الثقلين) إذ قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) (إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي… إنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما)( انظر الحاكم في مستدركه على الصحيحين: الترمذي والنسائي) … وعلى الرغم من الحديث النبوي الجلي (حيث الغدير) الذي نص بالولاية والإمامة لعليّ بن أبي طالب (عليه السلام) حيث خطب وقال (صلى الله عليه وآله): أيها الناس يوشك أن أدعى فأجيب، وإني مسؤول وإنكم مسؤولون، فماذا أنتم قائلون؟ قالوا نشهد إنك قد بلغت وجاهدت ونصحت فجزاك الله خيراً. فقال: أليس تشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وأن جنته حق، وأن ناره حق وان الموت حق، وأن البعث حق بعد الموت، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور؟ فقالوا بلى نشهد بذلك. قال: اللهم اشهد، ثم قال:

(يا أيها الناس إن الله مولاي وأنا مولى المؤمنين وأنا أولى بهم من أنفسهم، فمن كنت مولاه فهذا مولاه ـ يعني عليّ ـ اللهم وال من والاه وعاد من عاداه).

خطب الرسول (صلى الله عليه وآله) هذه الخطبة في أواسط السنة العاشرة للهجرة أثناء رجوعه من حجة الوداع، حين وصلت جموع الحجاج ( والتي قدرها كبار المؤرخين بما يزيد على مائة ألف شخص) إلى غدير خم، وكان ذلك يوم الخميس في الثامن عشر من ذي الحجة… وهذه خلاصة لسند الحديث: ذكر واقعة الغدير من المؤرخين شخصاً من كبار المؤرخين منهم: ابن قتيبة والطبري والبلاذري وابن عساكر وابن الأثير وابن خلدون وابن خلكان والعسقلاني والسيوطي الخ.. ومن المحدثين ذكر الواقعة شخصاً منهم الإمام الشافعي والإمام أحمد بن حنبل وابن ماجه والترمذي والنسائي والحاكم والقسطلاني وصاحب كنز العمال. ومن أئمة المفسرين ذكر الواقعة شخصاً منهم الطبري والثعلبي والقرطبي والفخر الرازي والنيسابوري الآلوسي والسيوطي. ومن أئمة المتكلمين ذكرها شخصاً منهم الباقلاني والجرجاني والبيضاوي والكوشي.. ومن أئمة اللغة ذكر الواقعة ابن دريد في الجمهرة، وابن الأثير في النهاية والحموي في معجم البلدان. أما رواة الحديث من الأصحاب ، صحابي منهم أبو بكر وعمر ومنهم فاطمة الزهراء (عليها السلام) وعائشة ومنهم أبو هريرة ومن التابعين نقل الواقعة، رجلا… الخ أما المّدعون لتواتر الحديث فهم جماعة منهم الفخر الرازي) فلا مجال إذن للتشكيك في صحة السند. فعلى الرغم من كل ذلك رأى الاتجاه الآخر أن بإمكانه أن يتحرر عن الصيغة المعينة من قبل النبي (صلى الله عليه وآله) وطرح صيغة بديلة أكثر انسجاما في تصوره مع الظروف، وفقا لاعتبارات متغيرة ومتحركة ومرنة. وعلى هذا الأساس تسلم أبو بكر السلطة بعد وفاة النبي مباشرة على أساس ما تم من تشاور محدود في مجلس السقيفة ثم تولى عمر بنص(محدد) من أبي بكر، وأدت المرونة بعد ثلث قرن من وفاة الرسول إلى تسلل أبناء الطلقاء الذين حاربوا الإسلام بالأمس إلى مراكز السلطة.

خلاف متوقع

ولابد من القول بأن النبي (صلى الله عليه وآله) كان يتوقع حصول مثل هذا الخلاف بين المسلمين بعد وفاته، ولهذا فقد وضع (صلى الله عليه وآله) مخططا تشريعيا وسياسياً واسعاً للمنع من وقوع أمثال ذلك، فوضع النبي (صلى الله عليه وآله) خططا وقائية وعلاجية للمنع من الاختلاف قبل أن يحصل الخلاف، فمن الخطط الوقائية التي رسمها الإسلام توجيهات عامة كان يسديها القرآن الكريم والنبي (صلى الله عليه وآله) في التحذير عن الاختلاف: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً) آل عمران/99…

(وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) الأنفال/49 وانسياقاً مع هذا الجانب وضع النبي قبيل وفاته خطة محكمة لمنع وقوع الاختلاف بين المسلمين فقد قدر (صلى الله عليه وآله) إن الاختلاف سيقع بعد وفاته بشأن الخلافة، فحاول أن يقصي وجوه الأصحاب ساعة وفاته عن المدينة المنورة، إلى من عليّ (عليه السلام) ليخلو جو المدينة من المعارضة التي يثيرها وجوه الأصحاب بعد وفاته، ويفرغ علي (عليه السلام) للأمر من دون معارض ولكن لم يقدر لهذه الخطة أن تنفذ، فتوفى النبي (صلى الله عليه وآله) ووجوه الأصحاب في المدينة.( بحث حول الولاية للسيد الشهيد محمد باقر الصدر).

ومن هذا المنطق نرى بأن عملية الإعداد النبوي لإمامة علي (عليه السلام) محددة سلفا يراد من خلالها إكمال مهمة التغيير الكبرى التي بدأها الرسول (صلى الله عليه وآله) لا سيما وأن الأمة آنذاك غير مؤهلة لاختيار الحاكم أو الخليفة بسبب حداثة عهدها بالجاهلية ولدخول جموع غفيرة في الإسلام لا تفهم منه إلا الشهادة اللفظية، من أجل ذلك وقع الاختيار على الإمام علي (عليه السلام) ليقوم بتأهيل الأمة إلى درجة عالية من الاستقامة والفهم والوعي.

والشواهد الدالة على أن النبي (صلى الله عليه وآله) كان يعد الإمام علي (عليه السلام) إعداداً رسالياً خاصا كثير جداً، فقد كان يتبع الرسول (صلى الله عليه وآله) اتباع الفصيل إثر أمه! وكان أول من أسلم ولم يسبقه سابق، وكان أول من أعلن مناصرته ومؤازرته للنبي (صلى الله عليه وآله) حينما نزلت الآية: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) الشعراء/214 وعندما شهر الكفار سيف الغدر وخططوا لاغتيال النبي (صلى الله عليه وآله) نام علي (عليه السلام) في مكانه، وضحى بنفسه، كما خاض معارك الإسلام الكبرى فجندل الأبطال وفتح القلاع. علاوة على ذلك: (فقد كان الرسول يخصه بكثير من مفاهيم الدعوة وحقائقها ويبدأه بالعطاء الفكري ويختلي به الساعات الطوال يفتح عينيه على مفاهيم الرسالة ومشاكل الطريق ومناهج العمل إلى آخر يوم من حياته الشريفة. روى الحاكم في المستدرك بسنده عن أبي إسحاق، سألت قثم بن العباس، كيف ورث علي رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ قال (لأنه كان أولنا به لحوقاً وأشدنا به ازوقاً). وروى النسائي عن الإمام أنه كان يقول كنت إذا سألت رسول الله أعطيت وإذا سكت أتبدأني… كما أن في حياة الإمام علي (عليه السلام) بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله) حقائقاً تكشف عن آثار ذلك الإعداد الخاص ونتائجه، فقد كان الإمام هو المفزع والمرجع لحل أي مشكلة يستعصي حلها على القيادة الحاكمة وقتئذ ولا نعرف في تاريخ التجربة الإسلامية على عهد الخلفاء الأربعة واقعة واحدة رجع فيها الإمام (عليه السلام) إلى غيره لكي يتعرف رأي الإسلام وطريقة علاجه للموقف بينما نعرف في التاريخ عشرات الوقائع التي أحست القيادة الحاكمة فيها بضرورة الرجوع إلى الإمام (عليه السلام). هذا الإعداد النبوي الدؤوب… وهذه المواصفات الفريدة التي اجتمعت في شخصية الإمام علي (عليه السلام)، أهلته ليتبؤا بجدارة واستحقاق أعلى مقام إسلامي بعد النبوة ألا وهو الإمامة.

أجل فما أحوجنا اليوم إلى الإمامة الهادية التي أقر الجميع بوجوبها وضرورتها، حتى تنقذنا من طوفان الفتن وتعيد لنا الوحدة بعد التمزق والفرقة، وترجعنا للعدالة بعد استشراء الظلم والجور… ففي الإمامة صلاح ديننا ودنيانا معاً.

 

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)