• عدد المراجعات :
  • 3725
  • 3/18/2014
  • تاريخ :

علاقة المرء مع غيره في نهج البلاغه (2)

نهج البلاغه

علاقة المرء مع غيره في نهج البلاغه (١)

(1) دعا الإمام إلي القصد في الحب والبغض، وهذه الدعوة تذكرنا بدعوات له أُخر تحثّ كلها علي الاعتدال وعدم الاندفاع، وليس أبلغ من قوله في الحدة أنها: «ضرب من الجنون مستحكم» وقوله الذي يذكرنا بنظرية الأوساط، وبالمثل الفرنسي:.les deux extremes se touchent

وهو: «اليمين والشمال مضلة، والطريق الوسطي هي الجادة» وقد أنذر بأنه سيهلك فيه صنفان: «محب مفرط يذهب به الحب إلي غير الحق ومبغض مفرط يذهب به البغض إلي غير الحق»، وهذه الكلمات هي، بجانب دعوتها إلي القصد، دعوة إلي الخصومة الشريفة ونزع الهوي الشخصي عند مناقشة أعمال الحكام والسواس.

(2) ما كان نهج البلاغة وقد ضمَّ بين دفتيه هذه الآراء الاجتماعية الكثيرة ليغفل «المرأة» وشأنها في المجتمع. ولقد عبَّر الإمام عن رأيه فيها بوضوح، فإذا به رأي قاس لا يقل قسوة وعنفاً عن رأي «شوبنهور» فيها وذلك الرأي يتلخص في قوله: «المرأة شرٌّ كلها وشرٌّ ما فيها أنه لا بدَّ منها» وهكذا ذهب في موضوع آخر إلي أن «خيار خصال النساء شرار خصال الرجال» وهذا القول قد يحمل علي أن ما يستحب في النساء لا يستحب في الرجال. ولكن هذا الاحتمال لا يۆثر في الموضوع، فرأي الإمام في المرأة واضح وقد نعتها في موضع ثالث بأنها: «عقرب حلوة اللبسة». ثم دعا الناس إلي أن يتقوا شرار النساء ويكونوا من خيارهن علي حذر وألاّ يطيعوهن في المعروف حتي لا يطمعن في المنكر، وبمثل هذا نهي في موضع آخر عن التمكين لهن والسماح لهن بالتشفع والرجاء في أمور الناس. والذي نلاحظه أنه عليه السلام قد سلَّم بأن بين النساء خياراً بدليل قوله: «وكونوا من خيارهن علي حذر» فهويتهم الطبيعة النسوية علي العموم ويخشي أن تتغلب علي خيار النساء فيصبحن شريرات.

(3) لم يكن رأي الإمام في النساء صادراً عن تعصب جنسي، فإن المعركة لم تكن قد نشبت بعد بين النساء والرجال، وما كان علي ليتعصب وهو الذي ذم العصبية في الخطبة «القاصعة» وردَّ أصلها إلي تعصب إبليس للنار ضد الطين: «أما إبليس فتعصب علي آدم لأصله وطعن عليه في خلقه» فقال: «أنا ناري وأنت طيني» وأما الأغنياء من مترفة الأمم فتعصبوا لآثار مواقع النعم فقالوا: «نحن أكثر أموالاً وأولاداً وما نحن بمعذبين» «فإن كان لا بدَّ من العصبية فليكن تعصبكم لمكارم الخصال ومحامد الفعال». وليست الدعوة ضد العصبية دعوة هينة فالعصبية سبب لمصائب كثيرة كان منها حروب كثيرة أثارها التعصب للجنس أو الدين أو اللون أو المذهب أو الوطن. ولعلَّ مما يبين كراهيته عليه السلام للتعصب، وهو حقيق أن يكره التعصب لما ذاق من تعصب أهل الشام لمعاوية، قوله: «ليس بلد بأحق منك من بلد، خير البلاد ما حملك».

(4) وقد نهي عليه السلام عن الغش في المكاييل، وعن احتكار التجارة وقبح الغيبة بتحليل بديع قائلاً: «وإنما ينبغي لأهل العصمة والمصنوع إليهم في السلامة أن يرحموا أهل الذنوب والمعصية ويكون الشكر هو الغالب عليهم والحاجز لهم عنهم، فكيف بالعائب الذي عاب أخاه وعيره ببلواه.. وأيم الله لئن لم يكن عصاه «عصي الله» في الكبير وعصاه في الصغير لجرأته علي عيب الناس أكبر.. فليكفف من علم منکم عيب غيره لما يعلم من عيب نفسه وليكن الشكر شاغلاً له عن معافاته مما باتلي به غيره».و

كذلك دعا إلي الاتحاد قائلاً: «وإياكم والفرقة فإن الشاذ من الناس للشيطان كما أن الشاذ من الغنم للذئب»، ونهي عن البدعة في قوله: «وما أحدثت بدعة إلاّ ترك بها سنة فاتقوا البدع، والزموا المهيع، وحذَّر من تعلم النجوم: «إلاّ ما يهتدي به في بر أو بحر فإنها تدعو إلي الكهانة، والمنجم كالكاهن والكاهن كالساحر والساحر كالكافر والكافر في النار».

(5) إن من تحصيل الحاصل أن نقول أن الإمام دعا إلي اتباع الحق، وإنما الذي نريد هو أن نري فهمه للحق كيف كان، وأن نري نسبة هذا الفهم إلي نظريات أخري في الحق.

يقول «اهرنغ» وغيره من متشرعي الألمان الذين تأثروا بمبدأ فناء الفرد في الدولة: إن الحق هو ما جعلته الدولة حقاً، ويقول الواقعيون: إن الحق ليس إلاّ من وضع الإنسان ولم يخرج تكييفه عن إرادته وهواه ويقول اهرنغ أيضاً: «إن أساس الحق ليس فكرة منطقية وإنما هو القوة ويقول هيغل: «إن ظفر شعب هو البرهان القوي علي حقوقه».

هذا هو رأي فريق من العلماء في الحق ومقياسه وهو رأي خطر وقد اتهمه الفرنسيون بأنه سبب الحرب العالمية، واتهموا الألمان لأنهم أنصاره ومروجوه. وهو رأي يعارضه فريق كبير من العلماء والناس، وقد كان «قوبيه» لسان هذه المعارضة في قوله: «الحق فكرة تتوجه نحو المستقبل وأساسها الضمير الإنساني والشعور بالمساواة والحرية للجميع، ورأي «باسكال» أن القوة يجب ألا تستعمل إلاّ لخدمة الحق: «علينا أن نحمل العدالة والقوة معاً وإنما «لا نقصد إلاّ ما كان حقاً، ولا نستعمل القوة إلاّ لتوطيد الحق».

هذان هما الرأيان المتعارضان فإلي أيهما ينتمي رأي الإمام علي؟ لسنا محتاجين إلي أقل تفكير للقول أن رأيه هو الثاني. قال الإمام علي: «حق وباطل ولكل أهل، فلئن أمر الحق لقديماً فعل، ولئن كثر الباطل فربما ولعل، ولعل ما أدبر شيء فأقبل» وهذا النص واضح صريح في أن الإمام لا يري كثرة الباطل تجعله حقاً، بل ينتظر أن تزول دولته قائلاً أن الشيء قد يدبر فيقبل، أي أنه مۆمن بخلود الحق وهو القائل في غير نهج البلاغة: «دولة الظلم ساعة ودولة العدل إلي قيام الساعة» وقد تروي «دول الباطل ودولة الحق» لأنهم لم يفرقوا كثيراً بين العدل والحق.

أما نظرية الحق والدولة فهي منافية لرأي الإمام بالطبع ما دام يعتبر الحق خالداً، وهو لا يفتأ ينهي الولاة عن ظلم الرعية ويدعوا إلي المساواة والشوري والتمسك بكتاب الله وسنة رسوله. أي أنه لا يري للحاكم حق اختراع الحقوق ولا يري الحق كما رآه الواقعيون من وضع الإنسان. ولا يري انتصار شعب برهاناً علي حقوقه بل يقول: «إن الله لم يقصم جباري دهر قط إلاّ بعد تمهيل ورخاء. ولم يجبر عظم أحد من الأمم إلاّ بعد ذل وبلاء».

وإذا كان اتفق مع القائلين بأن الحق أزلي وبأنه تراعي فيه مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة. فإنه اتفق مع رأي باسكال القائل باستعمال القوة لتوطيد الحق فالإمام يقول: «وإني لراضٍ بحجة الله عليهم وعلمه فيهم فإن أبوا أعطيتهم حد السيف وكفي به شافياً من الباطل وناصراً للحق». وخاطبه قوم في عقاب قاتلي عثمان، فقال إن الحكمة تقضي بالتريث حتي يستتب الأمر «وإذا لم أجد بداً فآخر الدواء الكي» أي القتل والحرب يستعملهما حين تفشل وسائل السلم، وحين يرفض خصومه الاحتكام إلي الله.

يقول فريق من الناس أن الحق قد يتعدد، فأنا أظن الأمر وأنت تظن نقيضه، ولكني محق وأنت مثلي محق، ويقول آخرون أن الحق واحد لا يتعدد، وقد أخذ الإمام بهذا الرأي الأخير فقال: «ما اختلفت دعوتان إلاّ كانت إحداهما ضلالة».


عظمة النفس و الغيرة في نهج البلاغة

الفصاحة والجمال في نهج البلاغة

بلاغة الإمام علي عليه السلام

عقله الجبار ينظم عاطفته

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)