• عدد المراجعات :
  • 3579
  • 3/16/2014
  • تاريخ :

سياسة الدولة في نهج البلاغه (2)

نهج البلاغه

سياسة الدولة في نهج البلاغه (١)

(1) عرض عليه السّلام الصفات الواجب توفرها في الإمام فقال: «من نصب نفسه للناس إماماً فليبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره وليكن تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه» وذم العلماء الذين لا يعملون بعلمهم في أكثر من موضع. وحدد العلاقة بين الراعي والرعية فقال:

«أيها الناس إن لكم علَّي حقاً ولي عليكم حق، فأما حقكم علَّي فالنصيحة لكم وتوفير فيئكم عليكم وتعليمكم كيلا تجهلوا تأديبكم كيما تعلموا، وأما حقي عليكم بالوفاء بالبيعة والنصحية في المشهد والمغيب والإجابة حين أدعوكم والطاعة حين آمركم». ولنلاحظ هنا أنه يجعل من حقه علي الشعب أن ينصحه الشعب وهذا مبالغه في السعي وراء الكمال وكم هو نبيل قوله لقومه رداً علي من أثني عليه: «فلا تكلموني بما تكلمون به الجبابرة، ولا تتحفظوا مني بما يتحفظ به عند أهل البادرة ولا تخالطوني بالمصانعة ولا تظنوا بي استثقالاً في حق قيل لي ولا التماس إعظام لنفسي فإنه من استثقل الحق أن يقال له والعدل أن يعرض عليه كان العمل بهما أثقل عليه، فلا تكفوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل فإني لست بنفسي بفوق أن أخطيء».

وذم خلة الغدر فقال: «والله ما معاوية بأدهي مني ولكنه يغدر ويفجر ولولا كراهية الغدر لكنت من أدهي الناس، ولكن لكل غدرة فجرة ولكل فجرة كفرة ولكل غادر لواء يعرف به يوم القيامة». فأمير المۆمنين إذن علي خلاف مع «أمير» مكيافلي.

وأدلي علي بآراء قيمة فيما يجب في الولاة فقال إنهم ملزمون بأن يعيشوا عيشة جمهور الشعب «لكيلا يتبيغ بالفقير فقره» أي ليكلا يسخط الفقير لفقره وليتعزي بحال أميره: «أأقنع من نفسي بأن يقال أمير المۆمنين ولا أشاركهم مكاره الدهر أو أكون لهم أسوة في جشوبة العيش؟‌».

ونصح علي الولاة بقوله مۆكداً لأحدهم:«ولا يطولن احتجابك عن رعيتك» وتلك نصيحة حق فإن كثرة ظهور الحاكم بين الرعية استئلاف لقلوبها وإشهار لها بأن الحاكم مهتم بمصالحها، ثم هو منير للحاكم سبيل حكمه ومعطيه الصورة الواضحة لحال شعبه فيعمل علي نورها.

وقال: «إنه ليس شيء أدعي إلي حسن ظن راع برعيته من إحسانه إليهم» أي أن الراعي حين يحسن لرعيته يطمئن قلبه ويأمن خيانتهم.

وأمر باحترام التقاليد الشعبية فكان حكيماً بعيد النظر «ولا تنقض سنة صالحة عمل بها صدور هذه الأمة واجتمعت بها الألفة وصلحت عليها الرعية».

ووجه علي نصيحة غالية كل الغلو صادقة كل الصدق في قوله: «إن شر وزرائك من كان للأشرار قبلك وزيراً ومن شاركهم في الآثام فلا يكونن لك بطانة فإنهم أعوان الأثمة وإخوان الظلمة وأنت واجد منهم خير الخلف ممن له مثل آرائهم ونفاذهم وليس عليه مثل آصارهم وأوزارهم... ثم ليكن آثرهم عندك أقولهم بمر الحق لك» ونظرية علي صحيحة تماماً فإن من أثم فيما مضي لا يۆمن إثمه فيما حضر، ومن اتصل بالظلمة بالأمس لا يۆمن اتصاله بهم اليوم وأعانتهم علي كيدهم بماله من سلطة الوزارة. وكان حكيماً في قوله: «فالبس لهم جلباباً من اللين تشوبه بطرف من الشدة وداولهم بين القسوة والرأفة».

وأمر الوالي أن لا يرغب عن رعيته «تفضيلاً بالإمارة عليهم فإنهم الأخوان في الدين والأعوان علي استخراج الحقوق» ثم قال له: «وإنا موفوك حقك فوفهم حقوقهم وإلاّ فإنك من أكثر الناس خصوماً يوم القيامة بۆساً لمن خصمه عند الله الفقراء والمساكين».

ودعاه إلي أن يساوي نفسه بهم فيما الناس فيه سواء وهذا القيد يظهر بعد نظره وفهمه لحقيقة المساواة الممكنة.

ودعا إلي تشجيع المحسن وعقاب المسيء قائلاً: «ولا يكونن المحسن والمسيء عندك بمنزلة سواء». ولفت نظر جباة الضرائب إلي الرفق بالأهلين وعدم بيع شيء ضروري ـ وهذا ما فعلته القوانين الحديثة إذ منعت الحجز علي لملابس ومرتبات الموظفين ـ وبالغ في الرفق الحكيم فقال: «فإن شكوا ثقلاً أو علة أو انقطاع شرب أو بالة أو إحالة أرض اغتمرها غرق أو أجحف بها عطش، خففت عنهم بما ترجو أن يصلح به أمرهم، ولا يثقلن عليك شيء خففت به المۆونة عنهم فإنه ذخر يعودون به عليك في عمارة بلادك وتزيين ولايتك مع استجلابك حسن ثنائهم» وهذا بعد نظر حكيم وسياسة مالية محكمة تزيد وضوحاً في قوله: «وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج لأن ذلك لا يدرك إلاّ بالعمارة ومن طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد وأهلك العباد»، وإذا تذكرنا ما جرَّ التعسف في جبي الضرائب في فرنسا وولايات تركيا وغيرها عرفنا قيمة هذه النصيحة التي يۆيدها المنطق ويسندها التاريخ.

(2) وقد أدي بعد نظر الإمام به إلي أن يدعو إلي تقسيم العمل، ذلك المبدأ الذي لم نعرفه إلاّ حديثاً فقد قال ناصحاً: «واجعل لكل إنسان من خدمك عملاً تأخذ به فإنه أحري ألا يتواكلوا في خدمتك» وقال من رسالة إلي الأشتر النخعي أيضاً: «واعلم أن الرعية طبقات لا يصلح بعضها إلاّ ببعض ولا غني ببعضها عن بعض فمنها جنود الله ومنها كتاب العامة والخاصة ومنها قضاة العدل ومنها عمال الإنصاف والرفق ومنها أخل الجزية والخراج من أهل الذمة ومسلمة الناس ومنها التجار وأهل الصناعات ومنها الطبقة السفلي من ذوي الحاجة والمسكنة، وكلاً قد سمي الله سهمه» ثم فصل بعد ذلك وظيفة كل فرقة.

وتمشياً مع قاعدته في تقسيم العمل واختصاص كل بما يحسنه ردَّ علي من قال له: إنك تأمرنا بالسير إلي القتال فلم لا تسير معنا؟ إنه لا يجوز أن يترك مهماته من قضاء وإدارة وجباية ضرائب، وكذلك نصح عمر بألاّ يخرج للقاء الفرس بنفسه «لأن الأمير كالنظام من الخرز يجمعه» ولأنه إن خرج انتقضت عليه العرب من أطرافها.

(3) إن هذا الإمام المجرب ما كان ليغفل الدعوة علي الاتعاظ بالتجارب في الحكم فها هو ذا يقول «إن الأمور إذا اشتبهت اعتبر آخرها بأولها» ويقول في مكان آخر: «استدل علي ما لم يكن بما كان» ثم يقول أيضاً: «العقل حفظ التجارب» ولست أحمل هذا القول الأخير أكثر مما يحتمل إذا قلت: أنه هو الرأي الفلسفي المعارض للرأي القائل بأن العقل يتفاوت عند الأشخاص بطبيعته. والذاهب علي العكس إلي أن العقل ليس إلاّ عمل التجارب والتهذيب. والدافع لحجة الرأي الأول القائلة بأنا لو ربينا أشخاصاً ذوي أعمار واحدة تربية واحدة في بيئة واحدة لنشأوا رغم ذلك مختلفي العقليات، بأنهم إنما يختلفون لسبق تأثرهم بمزاج وراثي مختلف.

(4) وتكلم في سياسة الجند وأمر جيشه ألا يتتبع عند الفوز فاراً ولا يهين امرأة وإن سبته فإن النساء ضعيفات. وهذا دليل الخصومة الشريفة ونبل الخلق. وقال في عهده إلي الأشتر: «وليكن آثر رۆوس جندك عندك من واساهم في معونته وأفضل عليهم من جدته بما يسعهم ويسع من وراءهم من خلوف أهليهم حتي يكون همهم هماً واحداً في جهاد العدو فإن عطفك عليهم يعطف قلوبهم عليك، وإن أفضل قرة عين الولاة استقامة العدل في البلاد وظهور مودة الرعية. وإنه لا تظهر مودتهم إلاّ بسلامة صدورهم ولا تصح نصيحتهم إلاّ بحيطتهم علي ولاة أمورهم وقلة استثقال دولهم وترك استبطاء انقطاع مودتهم فأفسخ في آمالهم وواصل في حسن الثناء عليهم وتعديد ما أبلي ذوو البلاء منهم، فإن كثرة الذكر لحسن أفعالهم تهز الشجاع وتحرض الناكل إن شاء الله ثم اعرف لكل امريء منهم ما أبلي ولا تضيفن بلاء امريء إلي غيره ولا تقصرن به دون غاية بلائه ولا يدعونك شرف امريء إلي أن تعظم من بلائه ما كان ضعيفاً ولا ضعة امريء إلي أن تستصغر من بلائه ما كان عظيماً».


 عظمة النفس و الغيرة في نهج البلاغة

الفصاحة والجمال في نهج البلاغة

بلاغة الإمام علي عليه السلام

عقله الجبار ينظم عاطفته

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)