• عدد المراجعات :
  • 3612
  • 3/15/2014
  • تاريخ :

سياسة الدولة في نهج البلاغه (1)

نهج البلاغه

إن للإمام آراء قيمة محكمة في طبيعة الحكم، وسياسته، ومهمة الحاكم، وكيفية انتقاء القضاة، وتقسيم العمل، ومهمة العلماء إلي غير ذلك، وقد جمعت رسالته إلي الأشتر النخعي كثيراً من الأمور، ولكنها ليست الوعاء الوحيد الذي ننشد فيه ذلك الحكم فنقصر بحثنا عليها.

(1) قال: «لا بدَّ للناس من أمير برٍ أو فاجر يعمل في أمرته المۆمن، ويستمتع فيها الكافر ويبلغ الله فيها الأجل ويجمع به الفيء ويقاتل به العدو وتۆمن به السبل ويۆخذ به للضعيف من القوي حتي يستريح بر ويستراح من فاجر» وهذا كما نري رأي يعاكسه الفوضويون اليوم وقد عاكسه الخوارج بالأمس، ولكن ما كان لعلي الحكيم الذي اعتنق دين النظام صبياً أن يدعو بدعوتهم لقد عرف أن النظام هو كفيل النجاح، وتألم وشكا قومه لأن: «المعروف عندهم ما عرفوا والمنكر عندهم ما أنكروا، مفزعهم في المعضلات إلي أنفسهم وتعويلهم في المهمات علي آرائهم، كأن كل امريء منهم إمام نفسه قد أخذ منها فيما يري بعري ثقات وأسباب محكمات».

(2) وإذا كان قد مقت الخروج عما يمكن أن نسميه «الشرعية» فإنه كذلك قد مقت أيضاً الاختلاف بين الفقهاء والمفسرين في الفتيا قائلاً: «ترد علي أحدهم القضية في حكم من الأحكام فيحكم فيها برأيه، ثم ترد تلك القضية بعينها علي غيره فيحكم فيها بخلافه ثم يجتمع القضاة بذلك عند الإمام الذي استقضاهم فيصوب آراءهم جميعاً وإلههم واحد ونبيهم واحد وكتابهم واحد».

وليس يصعب علينا أن نلمح أن الذي استفزه إلي هذا الانتقاد هو رغبته في النظام وفي توحيد القضاء.

(3) وإذا كان قد دعا إلي «الشرعية» وعدم تشعب الآراء واستقلال كل برأيه، فليس معني هذا أنه دعا إلي الاستبداد والحكم المطلق، بل علي العكس لا نزال نسمعه يلح بالدعوة إلي الشوري، فيقول لنا: «من استبدَّ برأيه هلك ومن شاور الرجال شاركها في عقولها» ويكرر ذلك في أماكن أخري وبألفاظ كثيرة.

وقال في كتاب لأحد ولاته: «وإن ظنت الرعية بك حيفاً فاصحر لهم بعذرك واعدل عنك ظنونهم بأصحارك فإن في ذلك رياضة منك لنفسك ورفقاً برعيتك وأعذاراً تبلغ به حاجتك من تقويمهم علي الحق».

وهذه الكلمات كبيرة حكيمة، فيها نوع من المسۆولية الوزارية كما نعرفها ونسميها وفيها أيضاً بيان لحكمتها فهي تزيل شكوك الرعية ثم هي رياضة للنفس علي تقبل النقد وعدم الإزورار منه، وعلي التدقيق في الأعمال علماً بأن هناك من سيحاسب عنها.

إن النزعة الديمقراطية في نهج البلاغة أبين من أن تحتاج إلي بيان: فها هو يأمر الوالي بأن يجلس لذوي الحاجات دون جند أو حرس لكيلا يتعتعوا في توضيح مسائلهم.

بل قد فضل العامة علي الخاصة وإن سخط الخاصة فقال: «إن سخط العامة يجحف برضي الخاصة، وإن سخط الخاصة يغتفر مع رضا العامة، وليس أحد من أثقل علي الوالي الرعية مۆونة في الرخاء وأقل معونة له في البلاء، وأكره للإنصاف وأسأل بالإلحاف وأقل شكراً علي الإعطاء، وأبطأ عذراً عند المنع، وأضعف صبراً عند ملمات الدهر من أهل الخاصة وإنما عماد الدين وجماع المسلمين والعدة للأعداء، العامة من الأمة فليكن صغوك لهم وميلك معهم». وهذا كلام صريح في تفضيلهم والاعتماد عليهم، وأنا شخصياً أميل إلي الظن بأن هذا الكلام كان له تأثير في سلوك بعض زعمائنا الذين عرفوا بميلهم إلي الإمام علي والتشبه بكلامه في أكثر من موضع. ولن أطيل في تفصيل هذه الديمقراطية، ولنردد في سرور قول الإمام الجامع: «إن أعظم الخيانة خيانة الأمة وأفظع الغش غش الأئمة» وقوله الذي يذكرنا بالقول السائر: صوت الشعب من صوت الله «إنما يستدل علي الصالحين بما يجري الله لهم علي ألسن عباده».(4) وإذا كان الإمام قد أخذ بالديمقراطية كما وضح فمن الطبيعي أن نراه نصير الحرية يهيب بابنه «ولا تكن عبد غيرك وقد خلقك الله حراً» وأن نراه رفع لواء المساواة لا يزال يذكرها ويوصي بها ويقول لمن يوليه «وآس ـ وساو ـ بينهم في اللحظة والنظرة حتي لا يطمع العظماء في حيفك لهم ولا ييأس الضعفاء من عدلك عليهم». ويقول في موضع آخر: إن المال لو كان ماله لساوي بين الناس فكيف والمال مال الأمة؟.

(5) ولكن للجمهور سيئاته كما أن له حسناته فلنسمع كلمة الإمام في الغوغاء. قال: «الناس ثلاثة فعالم رباني، ومتعلم علي سبيل نجاة، وهمج رعاع اتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجأوا إلي ركن وثيق». ووصف الغوغاء في موضع آخر من أنهم من إذا اجتمعوا غلبوا وإذا تفرقوا نفعوا لأن كل صانع ينصرف إلي عمله فيحصل النفع، وقد وضع الإمام اصبعه علي آفة وطبيعة من آفات وطبائع الجماهير هي سرعة التقلب، تلك الخاصة الجماهيرية التي وضحها شكسبير أبلغ إيضاح في «يوليوس قيصر» وكذلك أصاب في أن اجتماعها غلبة وتفرقها ضياء وفي أن اجتماعها قد يكون في بعض الأحايين مجلبة للضرر، كما أن تفرقها مجلبة للنفع لانصراف كل عامل إلي عمله، وهذه النظرة إلي الجماهير قد تبدو متعارضة بعض التعارض مع ما سبق من رأيه فيهم ولكن بيان نقص الغوغاء لا يستلزم استبعاد رأيهم.

(6) وتكلم الإمام في رسالته إلي الأشتر عن القضاة كلاماً قال عنه الأستاذ العشماري أستاذ القانون الدستوري بكلية حقوق القاهرة أن كلاماً غيره في أي دستور من دساتير العالم لم يفصل مهمة القضاة وطرق اختيارهم مثل ما فعل. قال الإمام: «ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك ممن لا تضيق به الأمور ولا تمحكه الخصوم ولا يتمادي في الزلة ولا يحصر من الفيء إلي الحق إذا عرفه ولا تشرف نفسه علي طمع ولا يكتفي بأدني فهم دون أقصاه، وأوقفهم في الشبهات، وآخذهم بالحجج وأقلهم تبرماً بمراجعة الخصم وأصبرهم علي تكشف الأمور وأصرحهم عند اتضاح الحكم، ممن لا يزدهيه إطراء ولا يستميله إغراء، وأولئك قليل. ثم أكثر تعاهد قضائه وافسح له في البذل ما يزيل علته وتقل معه حاجته إلي الناس، واعطه من المنزلة لديك ما لا يطمع فيه غيره من خاصتك ليأمن بذلك اغتيال الرجال له عندك» وهذا دستور حكيم بل هو أحكم ما نعرفه وحسبه أنه انتبه إلي وجوب إجزال العطاء المالي للقضاة ليستغنوا بذلك عن الارتشاء وأنه شدد في إعطائهم منزلة قريبة من الوالي ليقطع بذلك الطريق علي الوشاة وليعمل القضاة في جو هاديء.

وفي غير هذه الرسالة ذم من يتصدي للحكم وليس أهلاً له قائلاً: «جلس بين الناس قاضياً ضامناً لتخليص ما التبس علي غيره فإن نزلت به إحدي المبهمات هيأ لها حشواً من رأيه ثم قطع به، جاهل خباط جهالات عاش ركاب عشوات تصرخ من جور قضائه الدماء وتعج منه المواريث إلي الله» وفي موضع آخر يقول: «لولا حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر وما أخذ الله علي العلماء ألاّ يقاروا علي كظة ظالم ولا سغب مظلوم لألقيت حبلها علي غاربها» ومعني هذا أن علي الخواص مهمة هي عدم الصبر علي الظلم بل مجاهدته ولو لم يقع عليهم.

 


عظمة النفس و الغيرة في نهج البلاغة

الفصاحة والجمال في نهج البلاغة

بلاغة الإمام علي عليه السلام

عقله الجبار ينظم عاطفته

 

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)