• عدد المراجعات :
  • 3322
  • 1/14/2014
  • تاريخ :

ماهو المراد من ذوي القربي

صلوات

انّ المراد من ذوي القربى ليس کلّ من ينتمي إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بنسب أو سبب، بل طبقة خاصة من أهل بيته الذين عرفهم بأنّهم أحد الثقلين في قوله: «إنّي تارک فيکم الثقلين: کتاب اللّه، وعترتي أهل بيتي، وانّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض». (1)

فإذا کان المراد من ذوي القربى هوَلاء الذين أنيط بهم أمر الهداية والسعادة فحبُّهم ومودَّتهم يرفع الاِنسان من حضيض العصيان والتمرد إلى عزّ الطاعة.

إنّ طلب المودة من الناس أشبه بقول طبيب لمريضه بعد ما فحصه وکتب وصفة: لا أُريد منک أجراً إلاّ العمل بهذه الوصفة، فانّ عمل المريض بوصفة الطبيب و إن خرجت بهذه العبارة بصورة الاَجر، ولکنّه ليس أجراً واقعياً يعود نفعه إلى الطبيب بل يعود نفعه إلى نفس المريض الذي طلب منه الاَجر.

وعلى ذلک فلابدّ من حمل الاستثناء على الاستثناء المنقطع، کأن يقول: قل لا أسألکم عليه أجراً، وإنّما أسألکم مودة ذي القربى، وليس الاستثناء المنقطع أمراً غريباً في القرآن بل له نظائر مثل قوله: (لا يسمعون فيها لَغْواً إِلاّسَلاماً) .(2)

وعلى ذلک جرى شيخ الشيعة المفيد في تفسير الآية، حيث طرح السوَال، و قال:

فإن قال قائل: فما معنى قوله:(قُلْ لا أَسألکم عليهِ أَجْراً إِلاّالمَودَّة فِي القُربى) أو ليس هذا يفيد انّه قد سألهم مودة القربى لاَجره على الاَداء؟.

قيل له: ليس الاَمر على ما ظننت لما قدمنا من حجّة العقل والقرآن، والاستثناء في هذا المکان ليس هو من الجملة لکنّه استثناء منقطع، ومعناه قل لا أسألکم عليه أجراً لکنّي ألزمکم المودة في القربى و اسألکموها، فيکون قوله: (قُلْ لا أسْألکُمْ عليهِ أَجراً) کلاماً تاماً، قد استوفى معناه، ويکون قوله: (إِلاّالمودة في القُربى) کلاماً مبتدأً، فائدته لکن المودة في القربى سألتکموها، وهذا کقوله: (فَسَجَد المَلائِکة کُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلاّإِبْلِيس) .(3) والمعنى فيه لکن إبليس، وليس باستثناء من جملة.(4)

وعلى ضوء ذلک يظهر معنى قوله سبحانه: (ما سَأَلْتُکُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَکُمْ) .(5)

وقد تبَّين انّ حبّ الاَولياء والصالحين لصالح المحب قبل أن يکون لصالحهم.

کما تبَّين معنى قوله سبحانه في شأن ذلک الاَجر: (ما أَسأَلکُمْ عليه مِنْ أَجْر إِلاّ مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبيلاً) .(6)

وقد جاء الجمع بين مفاد الآيات الثلاث في دعاء الندبة الذي يشهد علو مضامينه على صدقه، حيث جاء فيه:

«ثمّ جعلت أجر محمّد صلي الله عيه واله وسلم مودّتهم في کتابک، فقلت (لا اسألکم عليه أجراً إلاّالمودة في القربى) ، وقلت: ما سألتکم من أجر فهو لکم، وقلت: (ما أسألکم عليه من أجر إلاّمن شاء أن يتّخذ إلى ربّه سبيلاً) ، فکانوا هم السبيل إليک، والمسلک إلى رضوانک».

دلَّت الآية الکريمة على أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فرض مودة ذي القربى، على المسلمين ولکن يبقى هناک سوَال وهو انّ الآية تحتمل وجهين:

أ: أن يکون المراد مودة ذوي القربى من أقرباء النبي وأهل بيته.

ب: أن يکون المراد ودّ کلّ مسلم أقربائه وعشيرته ومن يمُّت إليه بصلة، وليس في الآية ما يدل على المعنى الاَوّل.

أقول: إنّ ذي القربى کما علمت بمعنى صاحب القرابة والوشيجة النسبية، ويتعَّين مورده بتعينُّ المنسوب إليه، وهو يختلف حسب اختلاف موارد الاستعمال، ويستعان في تعيينه بالقرائن الموجودة في الکلام، وهي:

الاَشخاص المذکورون في الآية أو ما دلَّ عليه سياق الکلام.

فتارة يراد منه الاَقرباء دون شخص خاص، مثل قوله سبحانه: (ما کانَ لِلنَّبي وَالّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِکينَ وَلَو کانُوا ذوي قُربى) .(7)

وقوله سبحانه:(فَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ کانَ ذا قُربى) .(8)

فانّ ذکر النبي والذين آمنوا معه آية على أنّ المراد قريب کلّ إنسان إليهما، کما أنّ جملة (فإذا قلتم فاعدلوا) آية أنّ المراد کل إنسان قريب إليه.

وأمّا قوله سبحانه: (قُلْ لا أَسأَلُکُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ المَوَدَةَ فِي القُربى) فالفعل المتقدّم عليه يعنى (لا أسألکم) آية انّ المراد أقرباء السائل، مثل قوله سبحانه:(ما أَفاءَ اللّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِالقُرى فَلِلّهِ وَالرَّسُولِ وَلِذِي القُربى) .(9)

فانّ لفظة (على رَسُولِهِ) آية أنّ المراد أقرباء الرسول.وعلى ذلک فلابدّ من الرجوع إلى القرائن الحافَّة بالآية وتعيين المراد منه، و بذلک ظهر أنّالمراد هو أقرباء الرسول.

يقول الاِمام أمير الموَمنين (عليه السلام) ناقداً انتخاب الخليفة الاَوّل في السقيفة لاَجل انتمائه إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالقرابة:

وإن کنت بالقربى حججت خصيمهم فغيـرک أولـى بالنبـي و أقـرب (10)

سۆال : الاِنسان مفطور على حب الجميل وکراهة القبيح فيکون الودّأمراً خارجاً عن الاختيار، فکيف يقع في دائرة السوَال ويطلبه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من الموَمنين مع أنّه کذلک.

والجواب: انّ الحبّ لو کان أمراً خارجاً عن الاختيار فلا يتعلَّق به الاَمر، کما لا يتعلَّق به النهي، مع انّه سبحانه ينهى عن ود من حادَّ اللّه ورسوله، ويقول: (لا تَجد قَوماً يُوَمِنُونَ بِاللّهِ وَاليَومِ الآخِرِ يُوادّونَ من حادّ اللّهَ وَ رَسُولَهُ) .(11)

وحاصل الکلام: أنّ دعوة الناس إلى الحبّ تقوم على إحدى دعامتين:

الاَولى: الاشادة بفضائل المحبوب وکمالاته التي توجد في نفس السامع حبّاً وولعاً إليه.

الثانية: الاِيصاء بالحب والدعوة إلى الودّ، فانّه يعطف نظر السامع إلى الموصى له، فکلَّما توطَّدت الاَواصر بنيهما وانکشفت آفاق جديدة من شخصيته ازداد الحبّ والود له. وعلى کلّتقدير فالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هو المحبوب التام لعامة المسلمين، فحبُّه لا ينفک عن حبّ من أوصى بحبِّه وأمر بودّه.

وخير ما نختم به هذا البحث حديث مروي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نقله صاحب الکشاف حيث قال، قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): «من مات على حبّ آل محمّد مات شهيداً، ألا و من مات على حبّ آل محمّد مات مغفوراً له، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد مات تائباً، ألا و من مات على حبّ آل محمّد مات موَمناً مستکمل الاِيمان، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد بشرَّه ملک الموت بالجنة ثمّ منکر ونکير، ألا و من مات على حبّ آل محمد يُزفُّ إلى الجنة کما تزفُّ العروس إلى بيت زوجها، ألا و من مات على حبّ آل محمّد فتح اللّه له في قبره بابين إلى الجنّة، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد جعل اللّه قبره مزار ملائکة الرحمة، ألا و من مات على حبّ آل محمّد مات على السنّة والجماعة، ألا و من مات على بغض آل محمّد جاء يوم القيامة مکتوباً بين عينيه آيساً من رحمة اللّه، ألا و من مات على بغض آل محمّد مات کافراً، ألا و من مات على بغض آل محمّد لم يشم رائحة الجنة».(12)

وروى أيضاً: انّه لما نزلت هذه الآية، قيل: يا رسول اللّه من قرابتک هوَلاء الذين وجبت علينا مودتهم؟

فقال صلي الله عليه وآله وسلم: «علي و فاطمة وأبناهما» .(13)

المصادر:

1- أخرجه الحاکم في مستدرکه:3|148، وقال: هذا حديث صحيح الاسناد على شرط الشيخين. ولم يخرجاه، وأخرجه الذهبي في تلخيص المستدرک معترفاً بصحته على شرط الشيخين قلت: هذا حديث متواتر وقد ألَّف غير واحد من المحقّقين رسائل حوله.

2- مريم: 62.

3- الحجر: 30 ـ 31.

4- تصحيح الاعتقاد:68.

5- سبأ: 47.

6- الفرقان: 57.

7- التوبة: 113.

8- الاَنعام: 152.

9- الحشر: 7.

10- شرح ابن أبي الحديد:18|416.

11- المجادلة: 22.

12- الکشاف:3|82، تفسير سورة الشورى، ط عام 1367.

13- الکشاف:3|81.

 


سر الحاجة الى الإمام المعصوم

الإمامة عقيدة ومنهج حياة

الإمامة عند الفريقين

م

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)