• عدد المراجعات :
  • 3178
  • 1/14/2014
  • تاريخ :

المقصود بکلمة «البيت» في آية التطهير

صلوات

قال الله تبارک وتعالي:

«وقَرْنَ في‏ بُيُوتِکُنَّ وَ لا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى‏ وَ أَقِمْنَ الصَّلاةَ وَ آتينَ الزَّکاةَ وَ أَطِعْنَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ إِنَّما يُريدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْکُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَکُمْ تَطْهيراً » (1)

لا شکّ انّ «البيت» في هذه الآية محلّاة باللام و هي تستعمل في تعريف الجنس، والاستغراق، والعهد فيجب التدبّر في مفادها، فهل هي هنا لتعريف الجنس أو لبيان الاستغراق، أو انّها تشير إلى بيت معهود بين المتکلّم و المخاطَب؟

أمّا الأوّل والثاني (الجنس والاستغراق) فلا سبيل إليهما، لأنّه سبحانه ليس بصدد بيان انّ إرادته الحکيمة تعلقت باذهاب الرجس عن أهل جنس البيت أو کلّ البيوت في العالم، و ذلک واضح لا يحتاج إلى الاستدلال إذ تکون حينئذٍ شاملة لبيوت عامة المۆمنين.

فتعيّن الثالث (العهد ) ، و هو کون المراد (بيت واحد) معيّن معهود، بين المتکلّم والمخاطب (أي النبي صلى الله عليه و آله).

و عندئذٍ يجب علينا أن نحاول فهم ذلک البيت المعهود و انّه ما هو؟

و لا يمکن لنا أن نطبقه على بيوت نساء النبي بشهادة أنّه سبحانه عند ما يذکر بيوتهنّ ‏فانّه يذکرها بصيغة الجمع إذ أنّ لهنّ‏ بيوتاً لا بيت واحد.

و الآية ترکز على البيت الواحد، و الدليل على تعدّد بيوتهنّ:

قوله سبحانه: «وَقَرْنَ في بُيُوتِکُنَّ وَ لا تَبَرَّجْن تَبَرّج الجاهليّةِ الأُولى». (2)

و قوله سبحانه: «واذکُرْنَّ ما يُتلَى في بُيُوتِکُنَّ من آياتِ اللَّهِ والحکمَةِ». (3)

فإنّنا نرى هنا انّه لم يکن لنساء النبي بيت واحد بل بيوت عديدة . و لم يکن للنبيّ (صلوات الله عليه) أيضاً بيت واحد.

قال سبحانه:«يا أيُّها الذينَ آمَنْوا لا تَدخُلُوا بُيُوتَ النبيّ إلّا أن يُۆذَنَ لَکُم». (4)

فإنّنا نرى هنا انّه لم يکن للنبي صلى الله عليه و آله و سلم و لا لنسائه بيت واحد بل بيوت عديدة فما هو المراد- ياترى- بالبيت الذي جاء بصيغة المفرد؟

فعندئذ يجب على المفسّر المحقّق المجرّد من کلّ عقيدة مسبّقة تبيين هذا البيت و تعيينه، فهذا البيت ليس من بيوت نسائه، و لا بيوت نفس النبيّ بشهادة ما مضى من أنّ القرآن عندما يتحدّث عن ازواج النبي و نفس النبي إنّما يتحدّث عن بيوت لهن لا عن البيت الواحد. فلا محيص عن تفسيره ببيت واحد معهود فأيّ ‏بيت ذاک؟

هذا إذا کان المراد من البيت هو البيت المحسوس، أي‏ البيت المادي و هناک احتمال آخر و هو أن يکون المراد منه هو مرکز الشرف و مجمع السيادة و العزّ، و إن شئت قلت إذا أُريد منه بيت النبوّة و بيت الوحي و مرکز أنوارهما فلا يصحّ أن يراد منه إلّا المنتمون إلى النبوّة و الوحي بوشائج روحيّة خاصة على وجه يصحّ مع ملاحظتها، عدّهم أهلًا لذلک البيت، و تلک الوشائج عبارة عن النزاهة في الروح و الفکر.

ولا يشمل کل من يرتبط ببيت النبوّة عن طريق السبب أو النسب فحسب، و في الوقت نفسه يفتقد الأواصر الروحيّة الخاصة، و لقد تفطّن العلّامة الزمخشري صاحب التفسير لهذه النکتة، فهو يقول في تفسير قوله تعالى: «أتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَ بَرَکاتُهُ عَلَيْکُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ » :(5 )

لأنّها کانت في بيت الآيات و مهبط المعجزات و الأُمور الخارقة للعادات فکان عليها أن تتوقّر ولا يزدهيها ما يزدهي سائر النساء الناشئات في غير بيوت النبوّة، و أن تسبّح اللَّه و تمجّده مکان التعجّب، و إلى ذلک أشارت الملائکة في قولها:«رَحْمَةُ اللَّهِ وَ بَرَکاتُهُ عَلَيْکُمْ أَهْلَ‏الْبَيْتِ ...» أرادوا أنّ هذه و أمثالها ممّا يکرمکم به ربّ العزّة و يخصّکم بالأنعام به يا أهل بيت النبوّة. (6)

و على ذلک لا يصح تفسير الآية بکل المنتمين عن طريق الأواصر العائلية إلى بيت خاص حتى بيت فاطمة إلّاأن تکون هناک الوشائج المشار إليها.

ولقد جرى بين «قتادة» ذلک المفسّر المعروف و بين أبي جعفر محمد بن علي الباقر عليه السلام مناظرة لطيفة أرشده الإمام فيها إلى هذا المعنى الذي أشرنا إليه قال - عند ما جلس الإمام الباقر عليه السلام - : لقد جلست بين يدي الفقهاء و قدّام ابن عباس فما اضطرب قلبي قدّام واحد منهم ما اضطرب قدّامک. قال له أبوجعفر الباقر عليه السلام: ويحک أتدري أين أنت؟ أنت بين يدي «بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْکَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَ الآصالِ* رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَ لا بَيْعٌ عَنْ ذِکْرِ اللَّهِ وَإِقامِ ‏الصَّلاةِ وَ إيتاءِ الزَّکاةِ». (7)

و نحن أُولئک. فقال قتادة: صدقت و اللَّه جعلني اللَّه فداک، و اللَّه ما هي بيوت حجارة ولا طين .(8)

و ما جاء في کلام باقر الأُمّة عليه السلام يحضّ المفسّر فيها على البحث و التحقيق عن الذين يرتبطون بذلک البيت الرفيع بأواصر روحيّة معينة و بذلک يظهر وهن القول بأنّ المراد من البيت أزواج النبي صلى الله عليه و آله و سلم، لأنّه لم تکن تلک الوشائج الخاصة - باتفاق المسلمين- بينهنّ، و أقصى ما عندهنّ أنّهنّ کنّ ‏مسلمات مۆمنات. (9)

المصادر:

1. الأحزاب ، 33.

2. الأحزاب ، 33.

3. الأحزاب ، 34.

4. الأحزاب ،53.

5. هود ، 73.

6. الکشاف: 2 /388 ؛ الذهبي، ميزان الاعتدال: 3/ 93- 97؛ سير اعلام النبلاء: 5/ 18- 22.

7. النور: 36، 37.

8. الشرح الحديدي: 4/ 102؛ سير اعلام النبلاء: 4/ 421 - 427.

9.رسائل ومقالات، شيخ جعفرسبحاني، ج‏1، ص550- 553.

 


الإمامة في القرآن - مَن هو الظالم؟

آية اليوم يئس الذين ومسألة الإمامة - المحكمات والمتشابهات

الإمامة في القرآن - الشواهد التاريخية

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)