• عدد المراجعات :
  • 261
  • 12/27/2013
  • تاريخ :

التفاعل بين الدين والديموقراطية

اخلاق استاد يا استاد اخلاق

 دراسة تجربة الجمهورية الاسلامية الايرانية

الثورة الاسلامية في ايران طرحت نموذجا سياسيا جديدا باسم (الديموقراطية الدينية) وهي تحظى بأهمية خاصة لدى من يسعى لايجاد اتصال بين الدين والمۆسسات الجديدة.

فكرة الديموقراطية الدينية تشكل أزمة لنظريات (نهاية التاريخ) و(نهاية الايديولوجية). في الحقيقة هذا النموذج طرح نفسه بمثابة فلسفة سياسية ونموذج حكومة خاص ومستقل امام الفلسفات السياسية والنماذج الحكومية البديلة، ويشكل مأزقاً للادعاءات التي تعتبر عصر الحداثة عصر انتهاء حضور الدين والايديولوجية في الصعد العامة لحياة البشرية.

في هذه المقالة سوف نسعى للاجابة على الاسئلة التالية: ما هي الاسس النظرية لهذا النموذج السياسي؟ وما هي خصوصيات نموذج الديموقراطية الدينية في ايران بعد الثورة؟

للاجابة على هذه الاسئلة بداية نتطرق لدراسة النتائج المختلفة في مجال الدين والسياسة من الجانب النظري.

الف- وجهات النظر المختلفة حول علاقة الدين بالديموقراطية:

فيما يتعلق بعلاقة الدين بالديموقراطية يوجد وجهات نظر مختلفة، البعض ومع التأكيد على عدم التوافق بين اسس الديموقراطية والدين يحكمون عليهما بالتناقض والاختلاف.

ويعتقد البعض أن الديموقراطية لا تتناقض أبداً مع الاسلام ويمكن للاسلام والديموقراطية أن يتماشيا ويتسايرا مع بعضهما البعض. لكن هناك وجهة نظر ثالثة أيضا في مجال علاقة الدين بالديموقراطية يعتقد أصحابها نظرا إلى انه لا يوجد فهم واحد فقط لمفهومي الدين والديموقراطية لذا يجب القول بأنه نظرا إلى نوع التفسير والنظرة إلى مفهومي الديموقراطية والدين يمكن طرح وجهات نظر مختلفة حول تفاعل وتوافق أو عدم تفاعل وتعارض الدين والديموقراطية.

هذه المجموعة تعتقد بأنه لا يوجد اساساً فهم واحد للديموقراطية ويمكن ذكر انواع واصناف مختلفة للديموقراطية ومن جهة أخرى لا توجد نظرة واحدة للدين ومن الطبيعي أن كلاً من هذه الرۆى يمكنها ان ترتبط بالرۆى الاخرى بنسب مختلفة فيما يخص القضايا الجديدة كالديموقراطية، لذلك لا يمكن الحديث عن التوافق أو التعارض الكامل للاسلام والديموقراطية بل يجب دراسة توافق أو تعارض بعض وجهات النظر الاسلامية مع بعض تعاريف الديموقراطية.

على هذا الاساس، تعتقد هذه المجموعة من المفكرين أنه لو اعتبرنا الديموقراطية اسلوبا من أجل ادارة المجتمع الذي يحتوي مجموعة من المۆسسات والاهم من ذلك قاعدة اللعب السياسي التي ينحصر هدفها بالحفاظ على افراد المجتمع من مخاطر الاستبداد، لكان من الممكن ربط الديموقراطية مع القراءة العقلية للاسلام ويمكن عندها الحديث عن نوع من الديموقراطية الاسلامية.

في الحقيقة لو اعتبرنا ان مغزى الديموقراطية هو حاكمية الارادة الشعبية، ففي هذه الصورة تبلور الحاكمية الشعبية لكل مجتمع سيكون له علاقة وثيقة بالهوية الثقافية واصول وقيم ذلك المجتمع، حيث ستكون حاكمية الارادة الشعبية في المجتمع العلماني مختلفة عن حاكمية الارادة الشعبية في المجتمع الديني. حسب اقوال بعض العلماء (المفكرين) ان الديموقراطية بصفتها أداة، تحتاج إلى الثقافة السياسية المكملة لكي تستطيع أن تحظى بالثبات في كل مجتمع. ومن الطبيعي أنه لتكون الديموقراطية ثابتة في المجتمعات الدينية نحتاج إلى الربط بين الديموقراطية والاعراف الدينية.

بناء على هذا ما يعين اختلاف الانظمة الديموقراطية مع بعضها الآخر هو الارضية الثقافية التي تجري عليها الديموقراطية.

في الحقيقة كما أن الديموقراطية الليبرالية تجري في اطار القيم الليبرالية، والفعاليات السياسية والاجتماعية يمكنها أن تستمر إلى حد لا تهدد فيه القيم المجسدة لهوية الديموقراطية بخطر، ولا يقبل أي فعل يۆدي إلى كسر القيم الليبرالية، وفي الديموقراطية الدينية فإن الديموقراطية تجري ضمن اطار القيم الدينية، والقيم الحاكمة على هذين النوعين من الديموقراطية هي أهم اوجه تمايزهما.

بناء على هذا ، يمكن ان تكون الديموقراطية الدينية بما لها من جذور في الاعراف الدينية نموذجا مناسبا وأكثر استمراراً في المجتمعات الدينية من أجل استقرار الحكومات الجديرة والرائدة والشعبية، هذا وتم السعي في ايران بعد الثورة الاسلامية لايصال هذا النموذج السياسي إلى طور التطبيق وسوف نتطرق فيما يلي إلى خصوصيات هذا النموذج في ايران.

ب- الاسس النظرية وخصوصيات نموذج الديموقراطية الدينية في ايران:

عندما اسقطت القوى الثورية النظام الحاكم بعد الثورة الاسلامية في ايران طرح الامام الخميني وقسم مهم من القوى الاسلامية نموذج الجمهورية الاسلامية، وفي الحقيقة دافعوا عن نموذج جديد يعمل على ايجاد علاقة مناسبة بين الاسلام والديموقراطية ودافعوا عن الديموقراطية الدينية. فرضيات هذه المجموعة هي في الحقيقة النظرة الثالثة، أي أنهم كانوا يعتقدون أنه يمكن استخدام والاستفادة من الديموقراطية بصفتها اداة جديدة لتحقيق الارادة الشعبية في المحيط الديني.

الامام الخميني كونه فقيها عقلياً، حيث يحظى العقل والاجتهاد في فكره الفقهي بمكانة خاصة، تطرق إلى الدفاع عن الديموقراطية الدينية. كان يعتقد في دفاعه عن الديموقراطية أن الديموقراطية الحقيقية هي في الاسلام والمساواة والحية لهما جذور في عقيدة التوحيد. من حيث أن جميع الناس هم عباد الله لذلك فهم بالنسبة لبعضهم البعض سواسية وأحرار ولا يستطيع أي انسان أن يضع القيود لباقي الناس. ويستنبط من هذه القضية حق تحديد المصير وهو (الامام الخميني) بالنظر إلى الاعتقاد بحجة العقل وسيرة العقلاء يعتقد كذلك أن رأي الاكثرية في القضايا الاجتماعية أقرب إلى الواقع وفي المواضيع التي لا يوجد فيها نص يمكن أن يصبح رأي الاكثرية معياراً للعمل الاجتماعي. على اساس هذه النظرة للدين، يدافع الامام الخميني عن الديموقراطية بصفتها أداة سياسية وبناء على هذا وحسب قوله (للجمهورية نفس المعنى في كل مكان فيه جمهورية). لكنه أكد أن هذه الجمهورية تستند إلى قانون اساسي وهذا القانون هو الاسلام، وأضاف تشكل الجمهورية ظاهر وشكل الحكومة والاسلام مضمونها وهو عبارة عن القوانين الالهية.

حسب ما يقول فإن الاختلاف الاساسي بين الديموقراطية الاسلامية والديموقراطيات الاخرى ليس في تضاد الاسلام مع المساواة والحرية بل في اختلاف نظرة الاسلام والمذاهب المادية الاخرى لهذه القضايا وحسب ما يقول ايضا فإن المذاهب الالهية تقدم تعريفا اكثر واقعية للحرية والمساواة بين الناس لأنها تملك فهماً اشمل للأبعاد الوجودية للانسان حيث أنها تدافع عن حرية الأبعاد الانسانية للانسان لكن المذاهب المادية نظراً إلى نظرتها للانسان تدافع عن نوع من حرية الأبعاد الحيوانية للانسان. على هذا الاساس فإن الاختلاف المهم بين الديموقراطية الاسلامية والديموقراطيات الاخرى يكمن في الاسس المعرفية والنظرة إلى العالم والانثروبولوجيا لدى الليبرالية والاسلام، لانه من حيث علم المعرفة فتعتمد الليبرالية فقط على العقل الفيزيائي في حين أن الاسلام يعتقد أن العقل والوحي يستطيعان إلى جانب بعضهما الآخر أن يقدما للانسان فهما صحيحا للحقيقة. كذلك الليبرالية فهي من حيث علم الوجود فهي تركز على الانسان كما انها دنيوية في حين أن الاسلام يركز على الرب والآخرة، وبالنسبة للانثروبولوجيا فأن الليبرالية أيضا تنظر فقط إلى ميول الانسان ورغباته المادية والغريزية في حين ينظر الاسلام إلى الابعاد المادية والمعنوية للانسان وإلى كماله وسعادته أيضا.

بناء على هذا، فإن مجال عمل الديموقراطية الليبرالية أولا هو الميول والرغبات الانسانية في حين مجال عمل الديموقراطية الاسلامية هو القوانين الالهية القائمة على اساس المتطلبات المادية والمعنوية للانسان والتي أتت في سبيل حركته التكاملية، وثانياً الاختلاف الآخر للديموقراطية الاسلامية يمكن اعتباره كامنا في وجود الاهداف السامية (مثل سعادة الانسان وبنائه). في حين أن الديموقراطية الليبرالية لا تملك اهدافاً سامية وهي عبارة عن سعي لحفظ الوضع الموجود.

لنموذج الديموقراطية في ايران والقائم على هذه الاسس النظرية، الخصائص التالية:

-قبول قاعدة تأسيس النظام السياسي الديني من قبل الشعب.

-قبول القانون الاساسي القائم على ضرورة حكم القوانين الالهية من قبل الشعب.

-وجود آليات المشاركة السياسية المتساوية والحرة لجميع طبقات الشعب.

-وجود آليات الرقابة على القوى السياسية.

-ايجاد الآليات اللازمة من اجل الربط بين قانون الشريعة ورأي الاكثرية.

استنتاج:

بشكل عام، نموذج الديموقراطية الدينية في ايران يقوم من جهة على الاسس المعرفية الدينية وعلى النظرة الدينية للعالم والانثروبولوجيا الدينية والنظرة الاجتهادية والمعقولة والانسانية للدين. ومن جهة اخرى قائم على نظرة مصلحية وسلوكية للديموقراطية. وفي المحصلة الادعاء الاساسي للديموقراطية الدينية هو انه يمكن اقامة حكومة شعبية قائمة على القيم الدينية وفي اطار الاحكام الالهية بدلا من الديموقراطية القائمة على الاسس العرفية والمركزة على الانسان والفردية والتجارية، ويعتقد أن (الديموقراطية يمكنها أن تدوم وتكون مثالية فقط في حال أنها تجاوزت المجال السياسي وأصبحت جزءا من الحياة الفردية والاجتماعية). وسوف يحدث هذا الامر في المجتمعات الاسلامية عندما تتجذر الديموقراطية في الاعراف والتقاليد والمعتقدات الاسلامية. بعبارة اخرى بالنظر إلى الظروف الثقافية والحقائق الموجودة في المجتمعات الاسلامية فإن الديموقراطية الدينية هي أدوم وأنسب أشكال الديموقراطية بالنسبة لهذه المجتمعات.


الفكر الأصيل _ الحكومَة الإسلاميّة (1)

الفكر الأصيل _الحكومَة الإسلاميّة (2)

الفكر الأصيل_ الحكومَة الإسلاميّة (3)

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)