• عدد المراجعات :
  • 1463
  • 12/18/2013
  • تاريخ :

وقفة بين يدي زيارة الاربعين

اربعين امام حسين (ع)

إن الْسِيَر عَلَى الْأَقْدَام انَّمَا يُرَبِّي الْنَفَس عَلَى التَّوَاضُع أمَام الَلّه تَعَالَى وَأمَام أوْلِيَائِه ، فَأنت بَيْن تِلْك الْجُمُوْع لَا تُمَيِّز الْغَنِي مِن الْفَقِيْر ، وَلَا تُعْرَف شيَخ الْعَشِيرَة أو الْمَسْۆُول مِن الإنْسَان الاعْتِيَادِي ، فَكُل الْعَنَاوِيْن انَّمَا تَتَسَاقَط فِي طَرِيْق الْحُسَيْن ، ولانُنَادِي احَدُهُم بِأي عُنْوَان ، إنَّمَا نَّقُوْل لَه ( زَائِر الْحُسَيْن ) ، و هَذِه الْحَالَة اللَّطِيْفَة انَّمَا تُقَدِّم دَرْسَا تَرْبَوِيا فِي التَّوَاضُع ، مَا تَعْجِز عَنْه مِئَات الْمُحَاضَرَات وَالْخَطْب ، وَنَتَحَدَّى مِن هُنَا كَافَّة الْمُۆَسَّسَات الْعَالَمِيَّة وَخُصُوْصا الَّتِي تَدَّعِي الْمُسَاوَاة وَحُقُوْق الْإِنْسَان أن تَقَدَّم لَنَا نَمُوْذَج فِي التَّوَاضُع وَالْتَّسَاوِي ، كَمَا تُقَدِّمُه لَنَا هَذِه الْزِّيَارَة الْشَّرِيْفَة .

بَعْد أَيَّام ذِكْرَى زِيَارَة الْإمَام الْحُسَيْن فِي الْعِشْرِيْن مِن صَفَر وَهِي زِيَارَة الْأَرْبَعِيْن ، وَهُو الْيَوْم الَّذِي وَرَد فِيْه جَابِر بْن عَبْد الْلَّه الْأَنْصَارِي إِلَى كَرْبَلَاء لِزِيَارَة قَبْر الْحُسَيْن (عَلَيْه الْسَّلَام) ، فَكَان أَوَّل مَن زَارَه مِن الْنَّاس ، وَحِيْنَهَا كَان رُجُوْع حَرَم الْحُسَيْن (عَلَيْه الْسَّلَام) مَن الْشَّام إِلَى كَرْبَلَاء بِقِيَادَة الْإمَام زُيِّن الْعَابِدِيْن (عَلَيْه الْسَّلَام) .

إِن الْسَّمَاء بَكَت عَلَى الْحُسَيْن (عَلَيْه الْسَّلَام) أَرْبَعِيْن صَبَاحْا بِالْدَّم ، وَالْأَرْض بِالْكُسُوف وَالْحُمْرَة ، وَالْمَلائِكَة بَكَت عَلَيْه أَرْبَعِيْن صَبَاحْا ، وَمَا أختضَبّت إِمْرَأَة مِنّا وَلَا دَهَنت وَلَا اكْتَحَلَت وَلَا رُجِّلْت حَتَّى أَتَانَا رَأْس عُبَيْد الْلَّه بْن زِيَاد ، وَمَا زِلْنَا فِي عِبْرَة مِن بَعْدِه

نشِيْر الَى بَعْض الْنِّقَاط الْمُتَعَلِّقَة بِهَذِه الْمُنَاسَبَة الْعَظِيْمَة وَمِنْهَا :

أَوَّلَا : إن هَذِه الْزِّيَارَة إِنَّمَا هِي سُنَّة أَخَذْنَاهَا مِن الْمَعْصُومِين ، وَهْنَا نُشِيْر الَى دَلِيْلَيْن وَرَدَّا عَن ثَلَاثَة مَعْصُوْمِيْن احَدُهُمَا عَمَلِي ، وَالْأَخِر دَلِيْل قَوْلِي :

الْأَوَّل الْعَمَلِي : فَقَد قَام بِهَا اثْنَان مِن الْمَعْصُومِين وَهُمَا الْإِمَام الْسَّجَاد ووَلَدِه الْبَاقِر ( عليهما السلام ) حِيْنَمَا رَجَع مَوْكِب الْسَّبَايَا الَى كَرْبَلَاء فِي الْعِشْرِيْن مِن شَهْر صَفَر ، وَمَعَهُم بَاقِي بَنَات رَسُوْل الْلَّه وَزَارُوْا قَبْر الْحُسَيْن (عليه السلام) .

الْثَّانِي الْقَوْلِي : الْرِّوَايَة الْمَشْهُوْرَة عَن الْإِمَام الْحَسَن الْعَسْكَرِي (عليه السلام) :

( عَلَامَات الْمُۆْمِن خَمْس : الْتَّخَتُّم بِالْيَمِيْن ، وَصَلَوَات إِحْدَى وَخَمْسِيْن ، وَالْجَهْر بِبِسْم الْلَّه الْرَّحْمَن الْرَّحِيْم ، وَالْتَّعْفِير لِلْجَبِيْن ، وَزِيَارَة الْأَرْبَعِيْن ) فَزِيَارَة الْأَرْبَعِيْن مِن عَلَامَات الْمُۆْمِن كَمَا تَنُص الْرِّوَايَة .

وَلَوْلَا مَوْقِف زَيْنَب (سَلَام الْلَّه عَلَيْهَا) وَكَلَامُهَا وَاعْلامِهَا وَخِطَابَاتِهَا ، لانْطُمَست ثَوْرَة الْحُسَيْن (عَلَيْه الْسَّلَام) وَانْدَرَجَت فِي طَي الْنِّسْيَان ، وَكَأَنَّهَا لَم تَكُن ، فَكَان لَابُد فِي الْحِكْمَة الْالَهِيَّة ان تُنَظِّم تِلْك الْثَّوْرَة الْكُبْرَى وَالتَّضْحِيَات الْجَلَيْلَة إِلَى هَذَا الْجَانِب الاعْلامِي الْمَرْكَز ، لِكَي يُثْمِر ثَمَرَتُه وَيَنْفَع الَّاجْيَال بِاثَرِه كَمَا قَد حَصَل .

ثَانِيا : مِن الْظَّوَاهِر الْمَعْرُوْفَة بَيْن الْنَّاس ، هُو الِاعْتِنَاء بِالفَقَيد بَعْد أَرْبَعِيْن يَوْمَا مِن وَفَاتِه بِتَأُبَينِه تَخْلِيْدا لِذِكْرِه ، وَقَد وَرَد عَن أَبِي ذَر الْغِفَارِي وَابْن عَبَّاس (رَضِي الْلَّه عَنْهُمَا) عَن الْنَّبِي (صَلَّى الْلَّه عَلَيْه وَآَلِه وَسَلَّم): (( إِن الْأَرْض تَبْكِي عَلَى الْمُۆْمِن أَرْبَعِيْن صَبَاحْا )) .

وَعَن زُرَارَة عَن أَبِي عَبْد الْلَّه (عَلَيْه الْسَّلَام) : (( إِن الْسَّمَاء بَكَت عَلَى الْحُسَيْن (عَلَيْه الْسَّلَام) أَرْبَعِيْن صَبَاحْا بِالْدَّم ، وَالْأَرْض بِالْكُسُوف وَالْحُمْرَة ، وَالْمَلائِكَة بَكَت عَلَيْه أَرْبَعِيْن صَبَاحْا ، وَمَا أختضَبّت إِمْرَأَة مِنّا وَلَا دَهَنت وَلَا اكْتَحَلَت وَلَا رُجِّلْت حَتَّى أَتَانَا رَأْس عُبَيْد الْلَّه بْن زِيَاد ، وَمَا زِلْنَا فِي عِبْرَة مِن بَعْدِه )) ، وَمِن هُنَا جَرَت عَادَة الْشِّيْعَة جَزَآهُم الْلَّه خَيْر عَلَى إِحْيَاء ذِكْرَى يَوْم الْأَرْبَعِيْن مِن كُل سَنَة .

ثَالِثا : فِي هَذِه الْأَيَّام نَتَذَكَّر رِحْلَة سَبَايَا أُل الْرَّسُوْل مِن خِلَال عَوْدَة ال رَسُوْل الْلَّه مَن الْسَّبْي لَأَرْض كَرْبَلاء ، و مَا جَرَى عَلَيْهِم مِّن الْمَصَائِب الْعَظِيْمَة فِي تِلْك الْرّحْلَة ، وَهِي رِحْلَة خَاضَتْهَا بَنَات رَسُوْل الْلَّه بِقِيَادَة الْسَيِدَة زَيْنَب ، وَبِإِشْرَاف الْإِمَام الْسَّجَاد (عَلَيْه الْسَّلَام) ، و بِصَمَوْدِهِم وَإِصْرَارِهِم تُحَوِّل الإنْكِسَار الَى نَصْر فِي قُصُوْر الْظَّالِمِيْن .

قَال الْسَّيِّد الْشَّهِيْد الْصَّدْر :

وَلَوْلَا مَوْقِف زَيْنَب (سَلَام الْلَّه عَلَيْهَا) وَكَلَامُهَا وَاعْلامِهَا وَخِطَابَاتِهَا ، لانْطُمَست ثَوْرَة الْحُسَيْن (عَلَيْه الْسَّلَام) وَانْدَرَجَت فِي طَي الْنِّسْيَان ، وَكَأَنَّهَا لَم تَكُن ، فَكَان لَابُد فِي الْحِكْمَة الْالَهِيَّة ان تُنَظِّم تِلْك الْثَّوْرَة الْكُبْرَى وَالتَّضْحِيَات الْجَلَيْلَة إِلَى هَذَا الْجَانِب الاعْلامِي الْمَرْكَز ، لِكَي يُثْمِر ثَمَرَتُه وَيَنْفَع الَّاجْيَال بِاثَرِه كَمَا قَد حَصَل .

وَمَا اشَجَعَهَا (سَلَام الْلَّه عَلَيْهَا) ، وَالْطَف بَيَانُهَا حِيْنَمَا تَقُوْل لَاكْبَر مَسْۆُوْل فِي الْدَّوْلَة يَوْمَئِذ : (( وَلَئِن جَرّت عَلَي الْدَّوَاهِي مُخَاطَبَتَك ، انّي لَاسْتَصْغِر قَدْرَك ، وَاسْتَعْظِم تَقْرِيعَك ، وَاسْتَكْثِر تَوْبِيْخَك ، لَكِن الْعُيُوْن عَبْرَى وَالْصُّدُوْر حَرَّى، أَلَا فَالْعَجَب كُل الْعَجَب لِقَتْل حِزْب الْلَّه الْنُّجَبَاء بِحِزْب الْشَّيْطَان الْطُّلَقَاء )) ، وَهُنَاك بَطَلَة أُخْرَى وَهِي الْسَّيِّدَة أم كُلْثُوْم بِنْت أَمِيْر الْمُۆْمِنِيْن ، ذَكَرُوْا أَنَّهَا تُسَمَّى أَيْضَا بِزَيْنَب الْصُّغْرَى ، فَحِيْنَمَا دَخَلْت الْكُوْفَة أُمِرْت الْنَّاس بِالْإِصْغَاء ، وَبَدَأَت حَدِيْثِهَا بِتَوْبِيخ أَهْل الْكُوْفَة لِتَخَاذُلِهِم عَن نُصْرَة الْحُسَيْن ، وَقَالَت فِي خُطْبَتِهَا : (( يَا أَهْل الْكُوْفَة سَوْأَة لَكُم ، مَا لَكُم خَذَلْتُم حُسَيْنا وَقَتَلْتُمُوْه ، وَانْتَهَبْتُم أَمْوَالَه وَوَرِثْتُمُوْه ، وَسَبَيْتُم نِسَاءَه وَنَكَبْتُمُوه ، فَتَبّا لَكُم وَسُحْقا! وَيْلَكُم أَتَدْرُوْن أَي دَوَاه دَهَتْكُم )) .

رَابِعا : ان لِزِيَارَة الْأَرْبَعِيْن فَضْل مِن خِلَال الْمَشْي عَلَى الْإِقْدَام ، فَالزّوَار يَقْطَعُوْن آلِاف الْكِيلُومِتْرَات فِي الْلَّيْل وَالْنَّهَار ، وَيَتَحَمَّلُوْن الْبَرَد وَالْحُر ، وَالْنَّقْص فِي الْرَاحَة مِن أجْل الْوُصُول الَى الْحُسَيْن ، وَمِن هُنَا تَتَجَسَّد مَجْمُوْعَة مِن الْدُرُوس فِي هَذَا الْعَمَل الْشَّرِيف وَمِنْهَا :

إن هَذَا يُعَبِّر عَن الْحُب وَالْوَلَاء لِلْحُسَيْن (عليه السلام) وَلِأَهْل الْبَيْت (عليهم السلام) وَهُو طَاعَة مَشْكُوْرَة مِن قَبْل الْلَّه تَعَالَى .

مِنْهَا : إن الْسِيَر عَلَى الْأَقْدَام انَّمَا يُرَبِّي الْنَفَس عَلَى التَّوَاضُع أمَام الَلّه تَعَالَى وَأمَام أوْلِيَائِه ، فَأنت بَيْن تِلْك الْجُمُوْع لَا تُمَيِّز الْغَنِي مِن الْفَقِيْر ، وَلَا تُعْرَف شيَخ الْعَشِيرَة أو الْمَسْۆُول مِن الإنْسَان الاعْتِيَادِي ، فَكُل الْعَنَاوِيْن انَّمَا تَتَسَاقَط فِي طَرِيْق الْحُسَيْن ، ولانُنَادِي احَدُهُم بِأي عُنْوَان ، إنَّمَا نَّقُوْل لَه ( زَائِر الْحُسَيْن ) ، و هَذِه الْحَالَة اللَّطِيْفَة انَّمَا تُقَدِّم دَرْسَا تَرْبَوِيا فِي التَّوَاضُع ، مَا تَعْجِز عَنْه مِئَات الْمُحَاضَرَات وَالْخَطْب ، وَنَتَحَدَّى مِن هُنَا كَافَّة الْمُۆَسَّسَات الْعَالَمِيَّة وَخُصُوْصا الَّتِي تَدَّعِي الْمُسَاوَاة وَحُقُوْق الْإِنْسَان أن تَقَدَّم لَنَا نَمُوْذَج فِي التَّوَاضُع وَالْتَّسَاوِي ، كَمَا تُقَدِّمُه لَنَا هَذِه الْزِّيَارَة الْشَّرِيْفَة .

وَمِنْهَا : الْمَوَاكِب الْحُسَيْنِيَّة الْشَّرِيْفَة الَّتِي تُقَدَّم الْخِدْمَة لِلْزُّوَّار ، والْتَّعَاوُن وَالْبَذْل وَحُب خَدَمَة الْآخِرِين ، مَا يُقِل نَظِيْرَه فِي أَي مُنَاسِبَة أُخْرَى ، فَيَجْلِس أَصْحَاب الْمَوْكِب أُعِزُّهُم الْلَّه لِخِدْمَة الْزُوَار ، وَالْتَّفَنُّن بِتَقْدِيْم أَنْوَاع الْطَّعَام وَالْشّرَاب ، حَتَّى أن بَعْضُهُم يُخَصِّص مَكَاناً فِي مَوْكِبِه لَفَرْك أَقْدَام الْزَّائِرِيْن ، وَهُو لَا يَعْرِف اسْم الزَّائِر وَعُنْوَانُه ، فَقَط يَعْرِف إنَّه مِن زُوَّار الْحُسَيْن لَا اكْثَر مِن ذَلِك ، فَهَل يُوْجَد فِي مَحَافِل الْمُسْلِمِيْن وَغَيْر الْمُسْلِمِيْن تَوَاضُعا كَهَذَا .

وَمِنْهَا : إن أصَل وُجُوْد الْزِّيَارَة إنَّمَا هُو كَرَامَة ، فَكَم مِن طَاغِيَة حَارَب زِيَارَة الْأَرْبَعِيْن ، وَمَنَع الْسِيَر الَى كَرْبَلَاء ، مُنْذ الْأُمَوِيِّين وَالْعَبَّاسِيِّين وَمُرُوْرَا بِطَاغِيَة الْعَصْر صَدَّام ، وَحَتَّى الِاحْتِلَال ، وَهَاهِي الْيَوْم مُفَخَّخَات التَّكْفِيْرِيِّين لَا تَحُوْل بَيْن عُشَّاق الْحُسَيْن وَالْوُصُوْل الَى قَبْرِه مَشْيَا ، وَلَن تَحَوَّل أَي قُوَّة فِي الْكَوْن ، لِان الْأَمْر مُرْتَبِط بِإِرَادَة الْلَّه تَعَالَى جَل فِي عُلَاه .

إن الْزُوَار لَم يَقْتَصِر وَجُوْدُهُم عَلَى الْعِرَاقِيِّيْن فَقَط ، بَل ازْدَادَت فِي هَذِه الْأَعْوَام الْوُفُود مِن كَافَة الْدُّوَل ، وَمَن الْمُتَوَقَّع أن تَكُوْن هَذِه الْسَّنَة مُتَمَيِّزَة جِدّا فِي حُضُوْر زُوَّار مِن دُوَل أُخْرَى ، الْعَرَبِيَّة وَغَيْرِهَا ، بَل الْمُتَوَقَّع بَعْض الْأَجَانِب مِن غَيْر الْمُسْلِمِيْن ، لِمُشَاهَدَة هَذَا الْحَشْد المَلِّيُوْنِي الْعَجِيْب ، بِفَضْل الْلَّه وَبِبَرَكَة سَيِّد الْشُّهَدَاء (عليه السلام) .

 


حرارة الحسين لا تنطفئ

عطاء المواكب والهيئات الحسينية

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)