• عدد المراجعات :
  • 31042
  • 12/18/2013
  • تاريخ :

النص القرآني في شأن الجوار وحقوق الجار

همسايه

النص الأساسي في شأن الجوار وحقوق الجار هو قوله تعالى في سورة النساء: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالا فَخُورًا) (النساء/ 36).هذه الآية المباركة نص أساسي من نصوص الدرجة الأولى في التشريع الإسلامي، وهي نصوص القرآن الكريم. ونلاحظ أن فيها جملة من الأوامر التي تعلقت بموضوعات يعود بعضها إلى العلاقة مع الله، ومعظمها يعود إلى العلاقة مع الناس ومع المجتمع.

قاعدة أصولية: دلالة الأمر على الوجوب:

إنّ القاعدة الأصولية في باب الأوامر والنواهي: أنّ الأمر يدل على الوجوب، فيكون مضمونه إلزام المخاطبين به، إذا لم ترد قرينة متصلة أو دليل منفصل يدل على الرخصة والإذن في ترك الموضوع المأمور به. فإذا ورد أمر، فإنّ الأمر يقتضي بحكم العقل الإلزام، فنقول إنّ الله أمرنا وعلينا أن نطيع. وقد أرشد الله عزّ وجلّ إلى هذا الإدراك العقلي في عدة آيات، منها قوله تعالى: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ) (1) وعلى هذا فالموارد التي ورد فيها الأمر في هذه الآية يجب الالتزام بها ويجب تنفيذها.

تحليل الآية:

وهذه الآية تتضمن أوامر وجوبية جاء بها التكليف كالتالي:

1-ما يتعلق بالله سبحانه وتعالى هو قوله: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا)، تضمن الأمر بعبادة الله سبحانه وتعالى والنهي عن الشرك به. وهذا أمر ملزم في مجال العقيدة وفي مجال الشريعة ببديهية العقل؛ فإنّ الإيمان والإسلام يقومان على مبدأ عبادة الله وطاعته.

وبعد هذا الأمر الأساسي الذي يقوم عليه مبدأ الاعتقاد الإسلامي برمته فإن عبادة الله تقتضي طاعة الله، وتقتضي تصديق الله، وتقتضي النبوة، ويتفرع عنها كل أساسيات الإسلام.

2-ثمّ يأتي الأمر الثاني وهو قوله تعالى: (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا)، أي: أحسنوا إلى الوالدين. ولا ريب عند الفقهاء في أنّ الأمر بالإحسان إلى الوالدين هو للوجوب والإلزام، وهو معطوف على الأمر بالعبادة. والإحسان إلى الوالدين من الواجبات الثابتة في الشريعة بدليل صريح القرآن في آيات أخرى وبدليل السنة القطعية.

3-ثمّ جاء الأمر الثالث (وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ)، والظاهر من العطف أنّ الحكم الثابت للوالدين – من حيث أصله – ثابت لهۆلاء: (ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل).

والإحسان إلى هۆلاء يتصور على نحوين: أحدهما الإحسان إلى آحادهم، وثانيهما الإحسان إليهم باعتبارهم فئات اجتماعية.

والظاهر أنّ المراد من التعبير القرآني هنا هو الإحسان إلى هذه الفئات الاجتماعية الضعيفة من الناحية الاقتصادية، باعتبارهم مجموعات وليس باعتبارهم أفراداً، حيث إنّ الإحسان إلى آحاد هۆلاء (غير واجب النفقة) مستحب، ولكن الإحسان إلى الفئة المتلبسة بحالة اليتم وحالة المسكنة وحالة القرابة والرحم هو أمر واجب بلا ريب.

ويمكن أن يكون الأمر هنا من الأوامر الموجهة إلى الأُمّة، وهو يقضي بأن يقوم المجتمع بوضع الأنظمة وإنشاء المۆسسات التي ترعى شۆون هذه الفئات في عيشها وتعليمها وصحتها.

4-وفي هذا السياق جاء الأمر الرابع (وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ).

وفسر (وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى)، إما بالجار القريب في مقابل الجار الجُنُب أي الجار البعيد – وهو تفسير لم يوافق عليه كثير من المفسِّرين – وإما بالجار القريب في النسب.

ويبعد جدّاً عن ظاهر الآية أن يكون المراد بالجار ذي القربى ما يقابل الجار البعيد في المكان، لأنّ هذا المعنى لا يضيف معنى جديداً، بل هو تفصيل ثانوي في المعنى العام كان يغني عنه حذف الوصفين (ذي القربى/ الجنب) والاقتصار على لفظ (الجار)، حيث إنّه يشمل بإطلاقه جميع الجيران البعيد منهم والقريب، والمسلم وغير المسلم. مع أنّ المفهوم من الآية هو تأسيس معنى تشريعي لخصوصية الجوار، وهذا إنما يحصل بأن يراد من (ذي القربى) القريب في النسب، ليفيد أن الجوار يضيف إلى حق القرابة حقاً جديداً هو حق الجوار.

وهذا معنى في الترجيح لم نلحظ أحداً تنبه له من المفسرين الذين اطلعنا على آرائهم في الآية المباركة. والحمد لله رب العالمين.

فالصحيح – والله تعالى أعلم – أنّ (الجار ذي القربى) هو القريب في النسب، وهو هنا غير الوالدين من ذوي الأرحام، بقرينة تقدم ذكرهما في الآية على وجه الاستقلال، فإذا كان جاراً يجب الإحسان إليه باعتباره جاراً مع وجوب الإحسان إليه باعتباره ذا قُربى، لأنّه باعتباره ذا القربى يجب الإحسان إليه وإن لم يكن جاراً.

أمّا الجار الجُنُب فهو الجار من غير ذوي القربى.

وعطف الجار ذي القربى والجار الجنب على ما قبله من الآية (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ)، ظاهر الدلالة على وجوب الإحسان إلى الجار كما هو الحال في الوالدين وبقية المذكورين في الآية.

5-(وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ)، هو الرفيق (رفيق السفر أو رفيق الحضر) وصاحب الجَنْب هو الذي يصاحبك ويقف إلى جانبك بالمعنى المادي والمعنوي.

6-(وَابْنِ السَّبِيلِ)، السبيل هو الطريق، وابن السبيل هو المسافر الغريب المنقطع عن مورده الاقتصادي. وكانت ظاهرة (ابن السبيل) تحدث في الزمن القديم حينما كانت المواصلات بطيئة تعتمد على الخيل والإبل والبغال وما إليها، ولا تتيسر للمسافات البعيدة إلا بصعوبة، وكانت القوافل تتحرك بصعوبة بين المناطق، وبين الدول والشعوب، وكانت الطرق غير آمنة، وكان الناس يتعرضون للانقطاع عن ذويهم وعن مصادرهم الاقتصادية.

وقد تكفل التشريع الإلهي في الإسلام برعاية هۆلاء ومساعدتهم على اجتياز محنتهم. وقد أُمرت الأُمّة بالإحسان إلى ابن السبيل من خلال إنشاء مۆسسات ترعى هذه الحالات بتمويل من أموال الزكاة وغيرها، كما يجب على آحاد المسلمين أن يسعفوا أبناء السبيل.

ويمكن أن تحدث هذه الظاهرة الآن في الحروب الأهلية وحالات الغزو الخارجي، حيث ينزح الناس من أوطانهم دون أن يتمكنوا من حمل شيء من حاجاتهم، ودون أن يكون عندهم ما ينفقونه على أنفسهم.

وتتردد على مسامع الناس في جميع أنحاء العالم أخبار مآسي النازحين من مناطق الحروب العدوانية في فلسطين والبوسنه والهرسك والشيشان وكوسوفو، ومناطق الفتن الداخلية كما حدث في لبنان والعراق وغيرهما أو كالذي يحدث في مناطق الحروب الأهلية في أفريقيا، والله المستعان.

7-(وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ)، ملك اليمين كناية عن الأرقاء. وقد تضمنت الآية الأمر بالإحسان إليهم. والظاهر أنّ الأمر للوجوب، ولا وجه في نظرنا لحمله على الاستحباب. والإحسان هنا تارة يراد به الإحسان إلى الرقيق للتخفيف عنه في أعمال الخدمة التي يقوم بها، وأخرى يراد الإحسان بإكرامه واحترامه، وثالثة يراد الإحسان بالتوسعة عليه في معيشته، ورابعة يراد كل ذلك. وهذا ليس ببعيد عن ظاهر الآية، بل هو مقتضى إطلاقها.

وهنا وجه آخر للإحسان يشمله الإطلاق، وقد يكون أفضل وجوه الإحسان وأقربها إلى المسانخة (2) والتوافق مع الاتجاه التشريعي العام في الإسلام تجاه الرقيق، وهو الإحسان بالعتق.

وفي هذا الشأن نلاحظ أنّ الإسلام جعل العتق فريضة على المسلم في بعض حالات الكفّارة، وهذا غير داخل في الآية، ولكن إنشاء مۆسسة للعتق من أموال الزكاة التي خصص بعضها للإنفاق في عتق الرقاب يدخل في إطلاق الإحسان في الآية الكريمة.

ولقد نزلت الآية حين كان الإسلام يتعامل مع نظام الرق العالمي الذي كان سائداً، وقد سن الإسلام في هذه الآية وغيرها إحدى التشريعات الإنسانية الكبرى، حيث جعل الإحسان إلى الرقيق من الواجبات الشرعية.

8-والظاهر من ختم الآية المباركة بقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالا فَخُورًا)، أنّه وارد مورد التعليل للحكم الثابت في جميع الموارد التي اشتملت عليه الآية، ومفاد هذا التعليل أن من لا يحسن إلى هۆلاء يتعنْوَن بعنوان (المختال الفخور) ومن كان كذلك لا يحبه الله بنص الآية المباركة، ونفي حب الله عزّ وجلّ لإنسان على فعل أو ترك يكشف عن حرمة ذلك الفعل أو الترك.

اعداد: سيد مرتضى محمدي

المصادر:

(1) سورة الأنفال، الآيات: 1 و20 و46؛ وسورة المجادلة، الآية: 13.

(2) سِنْخُ كل شيء: أصله. والمسانخة هنا بمعنى الموافقة أو التوافق مع الأصل.


الجار هل هو نعمة أم نقمة؟

آداب التعامل مع الجيران

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)