• عدد المراجعات :
  • 3161
  • 12/15/2013
  • تاريخ :

الغرب والاختراق الثقافي

جهاني شدن،

منذ البدايات الأُولى لاحتكاك المسلمين واتّصالهم بأوروبا والغرب عموماً، طُرحت في أوساطهم أسئلة عديدة حول النظرة إلى الغرب، وكيفيّة العلاقة به، والتعاطي معه.

منهم من ذهب إلى القول بالانغلاق وسدّ كلّ الأبواب والنوافذ في وجهه، ومنهم من دعا إلى تقليده بوصفه نموذجاً غالباً ومسيطراً ومتقدّماً في كلّ شيء، في الإدارة، وفي الجيش، وفي التعليم، وفي التنمية والتصنيع و... ومن العلماء والمفكّرين من قال بأنّ علينا أن نتّبع في العلاقة مع الغرب سياسة انتقائيّة محدّدة، فلا نغلق الأبواب تماماً، ولا نشرّعها من دون شرطٍ أو قيد، ويكون ذلك بأن نأخذ من الغرب إيجابيّاته العلميّة أو التكنولوجيّة، ونترك له سلبيّاته الفكريّة والأخلاقيّة والسلوكيّة..

وثمّة مبرّرات يقدّمها أصحاب كلّ اتّجاه من هذه الاتّجاهات، ففي الوقت الذي يقول فيه أصحاب دعوة الانغلاق بأنّ الغرب دار كفرٍ ودار شرٍّ لا ينبغي الاقتراب منها، يرى آخرون أنّ ما نشهده اليوم في عالم الاتّصال وثورة المعلومات يجعل التقسيم التقليديّ بين الغرب وغير الغرب أمراً لا معنى له؛ لأنّ الثقافة هي شأن إنسانيّ يتجاوز كلّ الحدود ويتخطّى كلّ الهويّات.

فقد كان الاستعمار عندما يحتلّ بلداً من بلدان المسلمين أو غيرهم يهتمّ اهتماماً خاصّاً بالتعليم وبالمۆسّسات التعليميّة

هذا التفاوت في الاتّجاهات والمواقف من مسألة العلاقة مع الغرب والحضارة الغربيّة تحديداً، قد تأثّر إلى حدٍّ كبير بالسياسات الغربيّة التي تبلورت في مراحل تعاقب الهيمنة الغربيّة الاستعماريّة على بلاد المسلمين، حيث كان الغرب دائماً، ابتداءاً من العهد الأوروبيّ، ولاحقاً في العهد الأمريكيّ، يضع الشأن الثقافيّ نصب عينيه في أثناء مساعيه الرامية إلى السيطرة السياسيّة والأمنيّة والاقتصاديّة.

فقد كان الاستعمار عندما يحتلّ بلداً من بلدان المسلمين أو غيرهم يهتمّ اهتماماً خاصّاً بالتعليم وبالمۆسّسات التعليميّة، وكان يلجأ في ذلك إلى الوسائل التالية:

ـ إنشاء مدارسه الخاصّة التي تجذب إليها أوساطاً اجتماعيّة أو دينيّة محدّدة.

ـ العمل على تدمير المدارس المحلّيّة معنويّاً وفي نفوس الناس، أو التضييق عليها، وفرض أساتذةٍ ومعلّمين عليها، وصولاً إلى تهميشها بشكلٍ تامّ.

ـ العمل على اختراق المناهج الدراسيّة المقرّرة والمتّبعة في البلاد لصالح مناهج أُخرى يطرحها هو كبديلٍ لها، ويضع فيها كلّ ما يرى أنّه يحتاجه من المۆثّرات والأفكار التي تخدمه مشروعه الاستعماريّ، وتكرّسه في عقول الناس بصفة المنقذ الوحيد لهم من الأوضاع السيئة والمزرية التي يعيشونها، والنموذج الحضاريّ الراقي الذي لا غنى لأحدٍ عنه.

وهكذا تتكشّف لنا أهمّيّة الجانب الثقافيّ والتعليميّ في البلاد، بوصفه الباب الذي يدلف منه المستعمرون إلى المجتمعات التي يطمحون إلى تكريس احتلالهم عليها، لغرض إعداد النخب التي يشخّصون أنّهم سيتعاملون معها في الإدارة، وسيحتاجون إليها في مختلف المواقع السياسيّة والعلميّة والجامعيّة، وكلّ ذلك من شأنه أن يُعطي للتربية والتعليم قيمةً مضافةً إلى جانب قيمته الذاتيّة والحقيقيّة، إلى درجة أنّه يمكن عدّه المفتاح الرئيسيّ للتقدّم أو التخلّف في البلاد.

والذي لا بدّ لنا من طرحه هنا، هو أنّه هل توقّف اليوم ـ وبعد كلّ هذا التقدّم الملحوظ الذي شهدته البشريّة ـ هذا النهج الاستعماريّ الغربيّ القائم على استهداف المجتمعات عبر اختراقها ثقافيّاً؟ أم أنّه لا يزال على حاله في الأهداف والنوايا، كما في الوسائل والأساليب؟

الأمر المۆكّد هو أنّه ثمّة أمور بقيت ثابتةً في هذا الاختراق، ولكن مع توسّع كبير على مستوى الاستهداف، وعلى مستوى السبل والطرائق التي باتت اليوم أكثر فاعليّةً وتأثيراً. وإلّا، ففيما عدا ذلك، أمور كثيرة تغيرت.

ما تغيّر ـ أوّلاً ـ هو قوى الاختراق، والتي تمثّلت سابقاً في فرنسا وبريطانيا، وأمّا اليوم فهي تتمثّل بالدرجة الأُولى في الولايات المتّحدة الأمريكيّة، من دون أن يختفي تماماً دور الدولتين السابقتين، وإنّما انكفأ دورهما وانحسر بانكفاء وانحسار دورهما السياسيّة في العالم.

وممّا تغيّر أيضاً: الثورة في وسائل الاتّصال، وفي الحصول على مصادر المعلومات، بحيث صارت تلك الوسائل أقدر بكثيرٍ على إحداث التحوّلات في المجتمع في السلوك واتّجاهات الرأي وتغيير الأفكار والقيم والمواقف.

وممّا تغيّر أيضاً على مستوى عالمنا الإسلاميّ، هو انتصار الثورة الإسلاميّة في إيران، وتداعياتها وارتداداتها القويّة والفاعلة التي فضحت ـ أكثر فأكثر ـ نوايا الهيمنة الغربيّة، وأسهمت في تعزيز اتّجاهات التمسّك بالدين وافتخار الشعوب بانتماءاتها وهويّتها الوطنيّة والإسلاميّة والقوميّة، ودفعت كذلك باتّجاه تعزيز النزعة والرغبة الشعبيّة العارمة نحو تحقيق الاكتفاء الذاتيّ كمقدّمة لنيلها الاستقلال التامّ وعدم الارتهان للإرادات الأجنبيّة..

وهذه هي الظاهرة التي يُعبّر عنها اليوم بـ (ظاهرة الصحوة الإسلاميّة)، وهي الظاهرة التي أفرزها الوعي الإسلاميّ الشعبيّ على أثر هجمات الاستكبار الحاقدة، والتي نرى اليوم تجلّياتها وانعكاساتها تعمّ الميادين والساحات على امتداد العالم العربيّ والإسلاميّ، وستستمرّ كذلك إن شاء الله، إلى أن تفيق أمّة الإسلام من سباتها، وتعود إلى وعيها وصوابها.. أليس الصبح بقريب؟!

 اعداد: سيد مرتضى محمدي


الاساءة الجديدة للإسلام... استفزاز سياسي؟

العالم الاسلامي و تحديات الوحدة

الإسلام والحياد

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)