• عدد المراجعات :
  • 1402
  • 1/6/2013
  • تاريخ :

السنة العاشرة من الهجرة الخالدة

من کنت مولاه

بعد أربعة أشهر من البرائة انتشر الإسلام ، وانمحت آثار عبادة الأصنام والشرك من الجزيرة العربية.

بعث النبيّ علياً (عليه السلام) إلى اليمن ، ليدعوهم إلى الإسلام ، فآمنت قبيلة بني همدان ، ورجع علي منتصراً بعدما قضى بين اليمنيين قضاوته المحيّرة للعقول ، كما في كتب التأريخ.

( حجّة الوداع ) أمر الله نبيّه أن يحجّ بيته الحرام ويعلّم الناس مناسكهم ، ففي ( 26 ذي القعدة ) خلّف النبيّ أبا دجانة في المدينة ، وقصد بيت الله الحرام من مسجد الشجرة ودخل مكّة في اليوم الرابع من ذي الحجّة ، فأدّى المناسك وأمر بالتقصير من لم يسق الهدي ليتحلّل من عمرته ، فاعترض أمثال عمر بن الخطّاب أ نّه كيف نحجّ ويقطر منّا ماء غسل الجنابة ، فنهاهم النبيّ عن الاعتراض . وقال : إنّما لم أخرج من الإحرام لقوله تعالى : ( حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ )[1] وكان النبيّ قد ساق ستّين ناقة للهدي . والتحق علي بالنبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فزاد في الهدي أربعين ناقةً اُخرى.

خطب النبيّ في عرفة خطبته الغرّاء الخالدة ، كما في كتب السير والتأريخ ، ثمّ قال : « اللّهم اشهد أنّي قد بلّغت » . وبعد أداء مناسك الحجّ رجع النبيّ إلى المدينة المنوّرة.

في غدير خمّ ـ بين مكّة والمدينة ـ بأمر من الله سبحانه جمع النبيّ المسلمين وخطب فيهم ، رفع عليّاً وقال : « من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه » كرّر ذلك ثلاث مرّات ، ثمّ قال : « اللّهم والِ مَن والاه ، وعادِ مَن عاداه ، وأحبّ من أحبّه ، وابغض من أبغضه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله ، وأدر الحقّ معه حيث دار » . وبهذا نصب النبيّ خليفته من بعده ، ودخل المسلمون عليه يباركونه وقال عمر بن الخطّاب : ( بخ بخ لك يا علي ، أصبحت مولاي ومولى كلّ مۆمن ومۆمنة » ،

 وأنشد حسّان بن ثابت شاعر النبيّ قصيدته العصماء :

فقاله لهم قم يا علي فإنّني *** رضيتك من بعدي إماماً وهادياً

فمن كنت مولاه فهذا وليّه *** فكونوا له أتباع صدق موالياً

راجع في قصّة الغدير وسنده الكتاب القيّم ( الغدير ) في أحد عشر مجلّداً للعلاّمة المجاهد آية الله الشيخ الأميني (قدس سره) ، ففيه الكفاية لمن رام الهداية.

ادّعى مسيلمة الكذّاب النبوّة في اليمامة ، وكتب إلى النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله) : ( أمّا بعد فإنّي قد اشتركت في الأمر معك ، وإنّ لنا نصف الأرض ، ولقريش نصف الأرض ، ولكنّ قريشاً قومٌ يعتدون ) . فأجابه النبيّ (صلى الله عليه وآله) : « بسم الله الرحمن الرحيم ، من محمّد رسول الله إلى مسيلمة الكذّاب ، السلام على من اتّبع الهدى ، أمّا بعد : فإنّ الأرض لله يورثها من يشاء من عباده ، والعاقبة للمتّقين » . وبعد رحلة الرسول (صلى الله عليه وآله) حاصر المسلمون جماعة مسيلمة ، فطلبوا منه النصر الغيبي الموعود ، فقال لهم : ( أمّا الدين فلا دين قاتلوا على أحسابكم ) ، وأخيراً انتصر المسلمون عليه ، كما انتصروا من قبل على أسود بن كعب العنسي الكذّاب في دعوته النبوّة.

كان النبيّ يفكّر في خطر الروميين على الإسلام والمسلمين ، فمن قبل ( في العام الثامن الهجري ) جهّز جيشاً بقيادة جعفر بن أبي طالب في غزوة مۆتة ، وفي ( العام التاسع الهجري ) بقيادته مع ثلاثمائة ألف مقاتل وطئ أرض تبوك ، وفي هذا العام ( العاشر من الهجرة ) جهّز جيشاً عظيماً من الأنصار والمهاجرين وفيهم كبار قريش وأبو بكر وأبو عبيدة وسعد بن أبي وقّاص وغيرهم ، بقيادة شابّ لم يتجاوز العشرين ، وهو اُسامة بن زيد ، الذي استشهد والده زيد في غزوة مۆتة بيد الروميين ، وكان المقصد ( اُبنا ) من أرض بلقاء في سورية قريب مۆتة ، بين عقلات ورملة ، وقال النبيّ : « لعن الله المتخلّف عن جيش اُسامة ».

بعد يوم من إعطاء الراية إلى اُسامة ، اُصيب النبيّ بصداع وحُمّى ونام في فراش المرض ، وكان البعض يثبّط عزيمة المجاهدين ، وتوقّف الجيش في ( جُرف ) تبعد عن المدينة ثلاثة أميال ، واُخبر الجيش باحتضار النبيّ ، فرجع البعض لمآربه ، وأرجع الجيش معه . وخالفوا بذلك أمر نبيّهم والنبيّ لعنهم ، وبعد رحلته ظهرت مۆامرتهم وقصدهم من التخلّف.

في أيام الاحتضار أتى النبيّ مقبرة البقيع ، وترحّم على الأموات ، وأخبر علياً (عليه السلام) بقرب رحلته وأجله ، وأ نّه خُيّر بين البقاء في الأرض أو لقاء ربّه ، وأ نّه نزل عليه القرآن في هذا العام مرّتين.

في أواخر أيام النبيّ (صلى الله عليه وآله) وتخلّف البعض عن جيش اُسامة ليغصبوا الخلافة الحقّة من أمير المۆمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) ، وقد علم النبيّ (صلى الله عليه وآله)بمنويّاتهم ، فجاء المسجد ـ مع شدّة مرضه ـ وخطب بالناس قائلا : « أ يّها الناس ، سعرت الحرب وأقبلت الفتن كقطع الليل المظلم ، وإنّي والله ما تمسكون عليّ بشيء ، إنّي لم اُحلّ إلاّ ما أحلّ القرآن ، ولم اُحرّم إلاّ ما حرّم القرآن » ، فأي نار بعد النبيّ سُعّرت ؟ أليس نار فتنة المخالفين والغاصبين والظالمين والمارقين والقاسطين والناكثين.

في عيادة كبار الصحابة للنبيّ ، طلب النبيّ دواةً وصحيفة ، قال : « إيتوني بدواة وصحيفة أكتب لكم كتاباً لا تضلّون بعده » ، فعلم الرجل مقصود النبيّ (صلى الله عليه وآله)من استحكام خلافة عليّ في يوم الغدير ، وتأييد « إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً » . فقال : ( إنّ الرجل ليهجر ) ، وبهذا خالف النبيّ مرّة اُخرى ومنع عن الكتابة ، وابن عباس يقول : ( يوم الخميس ، وما يوم الخميس ... ) وما أعظم الرزيّة التي أصابت الإسلام في هذا اليوم ( راجع البخاري 1 : 14 ، مسند أحمد 1 : 325 ).

حضر النبيّ يوم الجمعة قبل رحلته بثلاثة أيام وخطب بالناس وقال : « القصاص في دار الدنيا أحبّ إليّ من القصاص في دار الآخرة » ، فمن له عليّ شيئاً فليطالبني ، فقام إليه سوادة بن قيس وقال : إنّه ضربه بالسوط على بطنه في رجوعه من الطائف ، حينما أراد أن يحرّك الناقة ، فرفع النبيّ ثوبه حتّى يقتصّ منه سودة ، إلاّ أنّ سودة أخذ يقبّل بطن النبيّ وصدره ، فدعا له النبيّ (صلى الله عليه وآله).

اضطربت المدينة يوم الاثنين ، وكان بجوار النبيّ (صلى الله عليه وآله) أهل بيته وفاطمة الزهراء تبكي ، وتترنّم بأبيات أبي طالب في مدح النبيّ :

وأبيض يستسقى الغمام بوجهه *** ثمال اليتامى عصمةٌ للأراملِ

ففتح النبيّ بصره ، وطلب منها أن تقرأ القرآن وقوله تعالى : (وَما مُحَمَّدٌ إلاّ رَسولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أفَإنْ ماتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً )[2] وأسرّ النبيّ بنته فاطمة الزهراء (عليها السلام) التي قال في حقّها : « فاطمة بضعة منّي مَن آذاها فقد آذاني ومَن سرّها فقد سرّني » ، ثمّ أوصى النبيّ بوصايا لا سيّما بالصلاة ، فإنّها وصيّة الأنبياء.

فاضت روح رسول الله الطاهرة المطهّرة (صلى الله عليه وآله وسلم) في صدر ابن عمّه ووصيّه أمير المۆمنين علي (عليه السلام) وعرجت إلى ربّها راضيةً مرضيّة ، وعجّت المدينة بالنحيب والبكاء ، وتولّى عليّ والملائكة غسله ، والصلاة عليه ، ودفنه في بيته بجوار مسجده الشريف.

توفّي النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وغاب شمس خاتم النبيّين يوم الاثنين ( 28 صفر ) ليهتدوا وليستضيء الناس بالكواكب والنجوم من أهل بيته الأطهار ، فعليه وعلى عترته المعصومين صلوات الله وملائكته أبداً ما بقيت وبقي الليل والنهار ( إنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ يا أ يُّها الَّذينَ آمَنوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّموا تَسْليماً )[3] ، وآخر دعوانا (أنِ الحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمينَ )[4].

اعداد: سيد مرتضى محمدي

القسم العربي : تبيان

-----------

السيرة النبوية في السطور العلوية

[1]البقرة : 196.

[2]آل عمران : 144.

[3]الأحزاب : 56.

[4]يونس : 10.


السنة الخامسة من الهجرة الحميدة

السنة السادسة من الهجرة الكريمة

السنة السابعة من الهجرة الميمونة

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)