• عدد المراجعات :
  • 1569
  • 1/6/2013
  • تاريخ :

السنة الثامنة من الهجرة الشريفة

حضرت محمد -ص-

بعد العمرة وتجلّي روح الإسلام التحق ثلاث من كبار المشركين بالنبيّ (صلى الله عليه وآله) ، وأعلنوا إسلامهم وهم ( خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة ) وكان خالد من قوّاد جيش المشركين في الحديبية ، وبعد هذا الانتصار عزم النبيّ على تحرير أهل الروم من سلطة القياصرة فبعث إلى أمير الشام والغسّانيين المنصوب من قبل هرقل ملك الروم برسالة ، إلاّ أنّ ( شرحبيل ) قائد القوّة الحدودية ـ خلافاً للأعراف الدولية ـ قتل السفير في مۆتة ، واُخبر النبيّ بذلك فأخبر أصحابه.

أرسل النبيّ في شهر ربيع الأوّل كعب بن عمير الغفاري مع خمسة عشر نفر من المبلّغين إلى منطقة ذات الأطلاح خلف وادي القرى ليدعوا الناس إلى الإسلام فاستشهدوا ، إلاّ واحداً منهم ، فرجع إلى النبيّ وأخبره بشهادة المبلّغين الرساليين.

جهّز النبيّ جيشاً ( ثلاثة آلاف مقاتل ) بقيادة ابن عمّه جعفر بن أبي طالب ، وإذا قتل فزيد بن الحارثة ، وإذا قتل فعبد الله بن رواحة ، وإن قتل فأمرهم أن ينتخبوا واحداً منهم ، فتوجّه الجيش نحو منطقة ( مۆتة ) من بلاد الشام.

( غزوة مۆتة ) جهّز هرقل وشرحبيل أكثر من مئة ألف مقاتل أمام ثلاثة آلاف مسلماً ، وهذا يعني خوف الكفر من شجاعة المسلمين ، وخطب فيهم عبد الله ابن رواحة خطبة تثير الحماس والشوق إلى الشهادة والجنّة ، فصمدوا أمام الكفّار ، وكان جعفر يرتجز صارخاً :

يا حبّذا الجنّة واقترابها *** طيّبة وبارداً شرابها

والروم روم قد دنا عذابها *** كافرة بعيدة أنسابها

عليّ إذ لاقيتها ضرابها

فقطعت يده اليمنى بعد أن ترجّل من على فرسه ، فأخذ الراية بيده اليسرى فقطعت ، وبعد أن اُصيب بأكثر من ثمانين جراحاً سقط على الأرض شهيداً ، وأخبر النبيّ بشهادته ، وأنّ له جناحين يطير بهما في الجنّة ، ثمّ استشهد زيد ثمّ عبد الله ، وانتخب خالد بن وليد قائداً على الجيش ، وبتكتيك ناجح خلّص الجيش من يد الكفّار ، فرجعوا إلى المدينة المنوّرة ، إلاّ أ نّهم استقبلوهم بالتوبيخ ، وأ نّهم فرّوا من الجهاد وألقوا في وجوههم التراب ، وبكى النبيّ بكاءً مريراً في شهادة جعفر.

غزوة ذات السلاسل : كان للنبيّ عيوناً في البلاد يأتونه بالأخبار وما يفعله المشركون والكفّار ، فأخبر العين النبيّ أ نّه في وادي يابس أو وادي الرمل تعاهد قبيلة بني سليم على قتل النبيّ ، فجمع النبيّ المسلمين وأخبرهم بذلك ، وجهّز جيشاً بقيادة أبي بكر فرجع خائباً ، فسلّم النبيّ القيادة بيد عمر فرجع كذلك خائباً ، فقال عمرو العاصي للنبيّ ( الحرب خدعة ) واستلم القيادة بيده ، إلاّ أ نّه فشل ، وساد الحزن على قلوب المسلمين ، فسلّم النبيّ الراية إلى أبي الحسن علي بن أبي طالب أسد الله الغالب ، وقال النبيّ : « أرسلته كرّاراً غير فرّار » ، وهذا يعني أنّ اُولئك الأوائل فرّوا من الجهاد ، فاستتر عليّ في مسيره حتّى وصل إلى الوادي وعند طلوع الفجر هجم على القوم ، وقتل منهم في البداية سبعة أنفار من شجعانهم ، وأخيراً فرّ الكفّار وتركوا الغنائم ، ورجع عليّ منتصراً ، واستقبله النبيّ قائلا : « يا عليّ ، لولا أ نّني اُشفق أن تقول فيك طوائف من اُمّتي ما قالت النصارى في المسيح لقلت فيك اليوم مقالا لا تمرّ بملأ من الناس إلاّ أخذوا التراب من تحت قدميك » ، ونزلت السورة الشريفة :( وَالعادِياتِ ضَبْحاً فَالمورِياتِ قَدْحاً فَالمُغيراتِ صِبْحاً فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعاً فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً ... )[1].

( فتح مكّة المكرّمة ) لقد عقدت بني خزاعة معاهدة حماية مع النبيّ (صلى الله عليه وآله) بعد صلح الحديبية ، وبعد رجوع جيش المسلمين من غزوة مۆتة وعدم انتصارهم ، أثار جرأة الهجوم في نفوس مشركي قريش ، فهجموا ليلا على بني خزاعة ، فنقضوا بذلك معاهدة صلح الحديبية ، فاستغاث عمرو السالم رئيس قبيلة بني خزاعة بالنبيّ (صلى الله عليه وآله)فقال له : « نُصرت يا عمرو سالم ».

ورد أبو سفيان المدينة ودخل على بنته اُمّ حبيبة زوجة النبيّ (صلى الله عليه وآله) فأراد أن يجلس على بساط النبيّ (صلى الله عليه وآله) ، فجمعته وقالت لوالدها : إنّك كافر ولا يحقّ لك أن تجلس على فراش النبيّ (صلى الله عليه وآله) ، ثمّ جاء النبيّ (صلى الله عليه وآله) إلاّ أ نّه لم يفلح أبو سفيان في إقناعه لتجديد العهد.

أرسل حاطب بن أبي بلقة من المسلمين رسالة مع الجاسوسة سارة المغنّية ، يخبر قريش بهجوم النبيّ ، فبعث ثلاثة من شجعان العرب علي وزبير والمقداد لأخذ الرسالة من سارة ، وقد أخفتها في شعرها ، فأخذها عليّ (عليه السلام) وعفى النبيّ عن حاطب بعد أن طلب عمر قتله ، ومن أجل عدم تكرار هذه الواقعة نزلت الآية الشريفة : ( يا أ يُّها الَّذينَ آمَنوا لا تَتَّخِذوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أوْلِياءَ تُلـْقونَ إلَيْهِمْ المَوَدَّةَ )[2].

في اليوم العاشر من شهر رمضان المبارك في السنة الثامنة من الهجرة أمر النبيّ أصحابه بالمسير إلى مكّة المكرّمة ، وبعد أن خرج من المدينة أمر الأصحاب بالإفطار ، وامتنع بعض ، فسمّاهم النبيّ عصاة.

كان العباس من المسلمين في مكّة بأمر من النبيّ ، فالتقى معه في الجحفة ، وكان العباس عاملا مۆثّراً في فتح مكّة.

أبو سفيان وعبد الله بن أبي اُميّة خرجا من مكّة ، وفي ثنية العقاب أرادا الدخول على النبيّ (صلى الله عليه وآله) ، فامتنع النبيّ (صلى الله عليه وآله) من ذلك ، فعلمهما علي بن أبي طالب أن يقولا له ما قاله إخوة يوسف : ( لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنا وَإنْ كُنَّا لَخاطِئينَ )[3] ، فقال النبيّ (صلى الله عليه وآله) : ( لا تَثْريبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أرْحَمُ الرَّاحِمينَ )[4] ، فقبلهما.

اجتمع جيش الإسلام ( عشرة آلاف مقاتل ) في ( مرّ الظهران ) قريب مكّة ، وفي الليل كلّ واحد منهم أشعل شعلة من النار ، ممّـا زاد في رعب أهل مكّة ، وقال العباس لأبي سفيان : إنّما هذا من جيش النبيّ ، ولا تنفع مقاومة أهل مكّة بعد هذا ، وجاء بأبي سفيان إلى النبيّ فأقرّ بالإسلام خوفاً ، وقبل النبيّ (صلى الله عليه وآله) ، وذلك مراعاة للمصالح العامّة.

وأخيراً فتح الله مكّة المكرّمة على يد نبيّه الأكرم ، وعفى عن أهل مكّة وقال : « اذهبوا فأنتم الطلقاء » وصعد عليّ (عليه السلام) على كتف النبيّ وكسّر الأصنام المرفوعة على الكعبة المشرّفة ، وقرأ النبيّ قوله تعالى : ( قُلْ جاءَ الحَقُّ وَزَهَقَ الباطِلُ إنَّ الباطِلَ كانَ زَهوقاً )[5] ، ( إنَّ الَّذي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرادُّكَ إلى مَعاد ) [6] وعند الظهر صعد بلال سطح الكعبة وأذّن بالناس ، ثمّ خطب النبيّ خطبته التأريخية منها : « أيّها الناس إنّ الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتفاخرها بآبائها ، ألا أ نّكم من آدم وآدم من طين ، ألا إنّ خير عباد الله عبدٌ اتّقاه ، إنّما الناس رجلان مۆمن تقيّ كريم على الله ، وفاجر شقيّ هيّن على الله ، ألا إنّ العربية ليست بأب ووالد ولكنّها لسان نطاق ، فمن قصر عمله لم يبلغ به حسبه ، إنّ الناس من عهد آدم إلى يومنا هذا مثل أسنان المشط لا فضل للعربيّ على العجمي ، ولا للأحمر على الأسود إلاّ بالتقوى ، ألا إنّ كلّ مال ومأثرة ودم في الجاهلية تحت قدمي هاتين ، المسلم أخ المسلم ، والمسلمون إخوة ، وهم يد واحدة على من سواهم ، تتكافأ دماءهم ، يسعى بذمّتهم أدناهم.

أخذ النبيّ البيعة من النساء مرّة اُخرى بوضع أيديهنّ في الماء الذي كان في الطست ، على أن لا يشركن بالله ، ولا يأتين الفاحشة ، ولا يسرقن ولا يقتلن أولادهنّ ، ولا يخالفن النبيّ ...

ذهبت سرية بقيادة خالد بن الوليد إلى قبيلة خذيمة بن عامر ، وأمره النبيّ (صلى الله عليه وآله) ، أن لا يريق دماً ، وألقت القبيلة سلاحها ، إلاّ أنّ خالد خالف أمر النبيّ فقتل جماعة منهم ، فتألّم النبيّ وبعث علياً ليدفع ديتهم وقيمة وسائلهم حتّى القدر . ثمّ قال النبيّ بعد أن رفع يده إلى السماء : « اللّهم إنّي أبرأ إليك ممّـا صنع خالد بن الوليد » ، وقد ارتكب خالد جنايةً اُخرى بعد رحلة النبيّ في زمن خلافة أبي بكر ، في قتل مالك بن نويرة وقبيلته ، والزنا بزوجته.

( غزوة حنين ) : بقي النبيّ في مكّة ( 15 يوماً ) ثمّ خلّف معاذ بن جبل يعلّم القرآن وعتاب بن اُسيد يدير البلاد ـ وكان عمره ( 20 عاماً ) وكان في ركبه ( 12 ألف مقاتل ) عشرة آلاف من المدينة وألفان من قريش بقيادة أبي سفيان وأصاب بعض المسلمين الغرور بعددهم ، على أ نّهم لا يغلبوا فتقابلوا مع قبائل هوازن وثقيف في مازق حُنين ففرّ المسلمون لما أصابهم من الهرج والذهول فناداهم النبيّ : « يا أنصار الله وأنصار رسوله ، أنا عبد الله ورسوله » ثمّ مع ثلّة من المخلصين هجم على العدوّ ، وآل الأمر إلى فرارهم إلى أوطاس ونخلة وطائف ، واستشهد كثير من المسلمين في غزوة حنين ، وخلّف المشركون قتلاهم و ( 6000 ) أسير ومن الغنائم ( 24000 ) من الإبل و ( 40000 ) من الغنم ، و ( 4000 وقية ) من الفضّة ، فجمعها النبيّ في جعرانة حتّى يرجع من الطائف.

( غزوة طائف ) : عقّب النبيّ الفارّين من آل ثقيف إلى الطائف ، فأهدم قلعة مالك مۆجّج نار الحرب في حنين ، وبتدبير سلمان هدمت قلاع طائف وأبراجها بالمجانيق ، وهدّدهم النبيّ (صلى الله عليه وآله) بحرق مزارعهم وقطع نخيلهم لولا التسليم ، ولكن لقرب شهر ذي القعدة من أشهر الحرم انصرف عن ذلك ، فبعد محاصرة القلعة لمدّة ( 20 يوماً ) رجع النبيّ إلى المدينة المنوّرة بعد أن توقّف في جعرانة ( 13 ) يوماً ، وقسّم الغنائم بين المسلمين ، وفكّ قبيلة حليمة السعدية وقبائل هوازن من الأسر ، وأسلم مالك بن عوف ، وأنشد أبياتاً في مدح النبيّ ، مطلعها :

ما أن رأيت ولا سمعت بمثله *** في الناس كلّهم بمثل محمّد

واعترض على قسمة النبيّ ذو الخويصرة ، فأخبر النبيّ أ نّه سيمرق من الدين مع جماعته وهم الخوارج ، وخاطب النبيّ (صلى الله عليه وآله) الأنصار ، وأنّ لهم النبيّ بدلا من الأموال ، فبكت الأنصار وأعلنوا عن رضاهم بالقسمة ، وبعد عمرة ترك النبيّ مكّة المكرّمة.

زهير بن أبي سلمى من شعراء الجاهلية ومن أصحاب المعلّقات السبعة خلّف ولدين ( بحير ) مۆمن بالله وبرسوله و ( كعب ) من أعداء الله ورسوله ، فنصح بحير أخاه كعب فدخل على النبيّ وأسلم ، وأنشد قصيدته اللامية الغرّاء في مدح النبيّ ( 58 بيتاً ) مطلعها :

بانت سعاد فقلبي اليوم متبول *** متيّمٌ إثرها لم يفدَ مكبول

إلى أن قال :

نُبِئت أنّ رسول الله أوعدني والعفو *** عند رسول الله مأمول

إلى أن قال :

إنّ الرسول لنورٌ يستضاء به *** مهنّد من سيوف الله مسلول

توفّيت زينب البنت الكبرى للنبيّ أواخر السنة الثامنة من الهجرة.

ولد إبراهيم من مارية القبطية زوجة النبيّ (صلى الله عليه وآله) ، وعقّه النبيّ ، وحلق رأسه في اليوم السابع.

اعداد: سيد مرتضى محمدي

القسم العربي : تبيان

-----------

السيرة النبوية في السطور العلوية

[1]العاديات : 1 ـ 5.

[2]الممتحنة : 1.

[3]يوسف : 91.

[4]يوسف : 92.

[5]الإسراء : 81 .

[6]القصص : 85 .

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)