• عدد المراجعات :
  • 1434
  • 1/6/2013
  • تاريخ :

الامام الحسن ورعاية مصلحة الاسلام العليا في أيام خلافته (1)

امام حسن ع

لقد أجمع المۆرخون أن خلافته كانت في صبيحة اليوم الذي دُفن فيه أمير المۆمنين ( عليه السلام )، وبعد الفراغ من إنزال حكم الله بقتل ابن ملجم، فقد ضربه ضربة واحدة قضت عليه كما أوصاه أمير المۆمنين ( عليه السلام )، ثم تجمّع عند الإمام الحسن ( عليه السلام ) صبيحة ذلك اليوم حشد كبير من أهل الكوفة غصّ بهم الجامع على سعته، فوقف خطيباً حيث كان يقف أمير المۆمنين وحوله من بقي من وجوه المهاجرون والأنصار، فابتدأ خطابه في مصابه بأبيه الذي أصيب به جميع المسلمين، وقال بعد أن حمد الله وصلّى على محمد وآله: "لقد قُبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه الأولون بعمل ولا يدركه الآخرون بعمل. لقد كان يجاهد مع رسول الله فيقيه بنفسه، وأينما وجّهه رسول الله كان جبرئيل عن يمينه وميكائيل عن يساره، فلا يرجع حتى يفتح الله عليه، ولقد توفّي في الليلة التي عرج فيها عيسى بن مريم إلى السماء، وقُبض فيها يوشع بن نون وصي موسى، وما خلف خضراء ولا بيضاء سوى سبعمئة درهم فضلت عن عطائه أراد أن يبتاع فيها خادماً لأهله، وقد أمرني أن أردّها إلى بيت المال".

ثم تمثل له أبوه وما كابده في حياته من الآلام والمتاعب فاستعبر باكياً، وبكى الناس من حوله حتى ارتفعت الأصوات بالبكاء والنحيب من جميع أنحاء الكوفة، وعاد إلى حديثه بعد أن استنصت الناس، وقال: "أيها الناس، من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن علي، وأنا ابن النبي والوصي، وأنا ابن البشير النذير والداعي إلى الله بإذنه، وأنا ابن السراج المنير، وأنا من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، وافترض مودّتهم على كل مسلم فقال في كتابه: (قل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودّة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسناً)، فاقتراف الحسنة مودّتنا أهل البيت".(1)

وبعد خطابه هذا أقبل الناس يتسابقون إلى بيعته، وتمّت بيعته في الكوفة والبصرة، كما بايعه أهل الحجاز واليمن وفارس وسائر المناطق التي كانت تدين بالولاء والبيعة لأبيه. ولمّا بلغ نبأ البيعة معاوية اجتمع بكبار أعوانه، وشرعوا بحبك المۆامرات ورسم الخطط لنقض بيعة الإمام الحسن ( عليه السلام ) وتقويض خلافته. وعندما نستقرئ سيرة الإمام الحسن ( عليه السلام ) ومواقفه إزاء هذه المۆامرات والفتن الطخياء، تتجسد أمامنا قمة الفناء في الله سبحانه، واتّخاذ مصلحة الإسلام العليا مقياساً حاسماً لمواقفه ومواجهاته، مضحّياً بكل شيء دون ذلك.

ويمكننا الإشارة إلى ثلاث حالات مثّلت كبريات مواقفه الرسالية المشهودة في هذا السبيل:

أ - إن الإمام الحسن ( عليه السلام ) رأى ابتداءً أن مصلحة الإسلام العليا تقوم بالتعبئة لحرب الباغية معاوية بن أبي سفيان، وقد اتّخذ الإمام ( عليه السلام ) قراره هذا بعد مراسلات متبادلة بينه وبين معاوية أتمّ فيها الحجّة عليه، وردّ عليه محاولاته لإغرائه ( عليه السلام ) بالأموال والخلافة من بعده قائلاً له: ولك ألاّ تُقضى دونك الأمور، ولا تُعصى في أمر من الأمور أردت بها طاعة الله.... وكان آخر ما كتبه الإمام ( عليه السلام ) رادّاً عليه: "أمّا بعد فقد وصلني كتابك تذكر فيه ما ذكرت، وتركت جوابك خشية البغي عليك وبالله أعوذ من ذلك، فاتّبع الحق تعلم أني من أهله وعليّ إثم أن أقول فاُكذب. والسلام".

ولمّا وصله كتاب الحسن ( عليه السلام ) أدرك أن أساليبه ومغرياته لم تغيّر من موقفه شيئاً، فكتب إلى جميع عمّاله في بلاد الشام: أمّا بعد، فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله غيره، والحمد لله الذي كفاكم مۆنة عدوّكم وقتلة خليفتكم، إن الله بلطفه وحسن صنيعه أتاح لعلي بن أبي طالب رجلاً من عباده فاغتاله وقتله، وترك أصحابه متفرّقين مختلفين، وقد جاءتنا كتب أشرافهم وقادتهم يلتمسون الأمان لأنفسهم وعشائرهم، فأقبلوا إليّ حين يأتيكم كتابي هذا بجهدكم وجندكم وحسن عدتكم، فقد أصبتم - بحمد الله - الثار وبلغتم الأمل، وأهلك الله أهل البغي والعدوان. والسلام عليكم ورحمة الله.

فاجتمعت إليه الوفود من كل الجهات وسار بهم باتّجاه العراق. ويدّعي المۆرخون أنه لمّا بلغ الحسن بن علي خبر مسيره وأنه قد بلغ جسر منبج تحرّك عند ذلك، وكتب إلى عمّاله يدعوهم إلى التحرك، ونادى مناديه في الكوفة يدعوهم إلى الاجتماع في المسجد، فأقبل الناس حتى امتلأ بهم، فخرج الإمام وصعد المنبر، فأثنى على الله وصلّى على رسوله، ثم قال: "لقد كتب الله الجهاد على خلقه وسمّاه كرهاً، وأوصى المجاهدين بالصبر ووعدهم النصر وجزيل الأجر". ثم قال: "أيها الناس، إنكم لستم نائلين ما تحبّونه إلاّ بالصبر على ما تكرهون، وقد بلغني أن معاوية كان قد بلغه أنّا أزمعنا على المسير إليه فتحرك نحونا بجنده، فاخرجوا رحمكم الله إلى معسكركم بالنخيلة حتى ننظر وتنظرون ونرى وترون".

امام حسن مجتبی(ع)

فسكت الناس ولم يتكلم أحد منهم بحرف واحد، فلمّا رأى ذلك منهم عدي بن حاتم قام وقال: أنا ابن حاتم. سبحان الله! ما أقبح هذا المقام! ألا تجيبون إمامكم وابن بنت نبيّكم؟، أين خطباء مضر الذين ألسنتهم كالمخاريق في الدعة؟ فإذا جدّ الجد فمراوغون كالثعالب. أما تخافون مقت الله وعيبها وعارها؟ ثم استقبل الإمام الحسن بوجهه وقال: أصاب الله بك المراشد وجنّبك المكاره، ووفّقك لما تحمد وروده وصدوره. قد سمعنا مقالتك وانتهينا إلى أمرك وأطعناك فيما قلت وما رأيت، وهذا وجهي إلى معسكري فمن أحبّ أن يوافيني فليواف، ثم مضى لوجهه وخرج من المسجد فركب دابته، وكانت على باب الجامع، وأمر غلامه أن يلحقه بما يصلحه، ومضى هو إلى النخيلة.

ثم قام قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري، ومعقل بن قيس الرياحي، وزياد بن صعصعة التيمي، فأنّبوا الناس ولاموهم على تخاذلهم وحرّضوهم على الخروج، وكلّموا الحسن ( عليه السلام ) بمثل كلام عدي بن حاتم، فقال لهم: "صدقتم رحمكم الله. مازلت أعرفكم بصدق النية والوفاء والقبول والمودّة والنصحية، فجزاكم الله خيراً".

وخرج الناس إلى النخيلة، فلما تكامل عددهم لحق بهم الحسن، واستخلف على الكوفة المغيرة بن نوفل بن عبد المطلب، وأمره بأن يحرّك الناس ويحثّهم على الخروج والالتحاق بالجيش.

ويروي المۆرخون أنه لمّا تكامل الجيش خرج به الحسن ( عليه السلام )، وقد حدّده بعضهم بأربعين ألفاً، وبعضهم بستّين وبأكثر من ذلك، ولمّا نزل دير عبد الرحمن أقام به ثلاثة أيام، ودعا عبيد الله بن العباس وقال له: "يابن العم، إني باعث معك اثني عشر ألفاً، من فرسان العرب وقرّاء مضر، الرجل منهم يريد الكتيبة، فسر بهم على الشاطئ حتى تقطع الفرات وتنتهي إلى مسكن، وامض منها حتى تستقبل معاوية، فألن لهم جانبك وابسط لهم وجهك وافرش لهم جناحك وأدنهم من مجلسك، فإنهم من ثقات أمير المۆمنين، فإن أنت لقيت معاوية فاحبسه حتى آتيك، فإني على إثرك وشيكاً. وليكن خبرك عندي كل يوم".

وأرسل معه قائدين من خيرة المسلمين إخلاصاً وجهاداً ونصيحة في سبيل الله، وهما قيس بن سعد بن عبادة، وسعيد بن قيس الهمداني، وأمره ألاّ يقطع أمراً دونهما، وأن يستشيرهما في جميع الأمور، وقال له: "إذا أنت لقيت معاوية فلا تقاتله حتى يكون هو البادئ في القتال، فإن أُصبت فقيس بن سعد على الناس، وإن أصيب فالقيادة من بعده لسعيد بن قيس".

وسار عبيد الله بالناس يقطع الصحاري حتى انتهى إلى الفلّوجة، ومنها إلى مسكن، وكان معاوية قد نزل فيها، فنزل عبيد الله بن العباس بإزائه، وفي اليوم الثاني وجّه معاوية بخيل أغارت على جيش عبيد الله فوقفوا لها وردّوها على أعقابها، وأيقين معاوية تصميم الحسن ( عليه السلام ) على مواصلة القتال بعد أن رفض العروض المغرية التي قدمها إليه في رسائله.(2)

المصادر:

1 - الحسني، سيرة الأئمة الاثني عشر 1: 500 - 501.

2 - الحسني، سيرة الأئمة الاثني عشر 1: 511 - 513.


الامام الحسن ورعاية مصلحة الاسلام العليا في أيام خلافته (2)

الامام الحسن ورعاية مصلحة الاسلام العليا في أيام خلافته (3)

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)