• عدد المراجعات :
  • 1699
  • 11/21/2012
  • تاريخ :

الثروة اللغوية في الصحيفة السجادية

صحیفة السجادیة

لنقف عند جانب اللغة، ‌و‌ نعيد النظر فيه، لخطر أثره في (الصحيفة) . اذ تکاد الثروة اللغوية تبدو في غاية اتساعها. ‌و‌ الاحاطة بمفرداتها في الموضوع المطروح تقرب ‌من‌ الکمال. يقول في دعاء الاستسقاء:«اللهم اسقنا الغيث، ‌و‌ انشر علينا رحمتک بغيثک المغدق ‌من‌ السحاب، المنساق لنبات أرضک، المونق في جميع الآفاق.... تحيي ‌به‌ ‌ما‌ قد مات، ‌و‌ ترد ‌به‌ ‌ما‌ قد فات، ‌و‌ تخرج ‌به‌ ‌ما‌ ‌هو‌ آت، ‌و‌ توسع ‌به‌ في الأقوات، سحابا متراکما هنيئا مريئا طبقا مجللا [1]  غير ملث [2]  ‌و‌ دقه [3]  ‌و‌ ‌لا‌ خلب برقه.... اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريعا ممرعا [4] عريضا واسعا غزيرا ترد ‌به‌ النهيض [5] ‌و‌ تجبر ‌به‌ المهيض» [6] .

فمن هذه الناحية، أعني ‌ما‌ يتصل بمفردات اللغة وفقهها، ‌و‌ اتساع ثروته اللغوية في الاجمال، يمکن (الصحيفة) أن تکون صحيفة يتعلم فيها الانسان استعمال هذه المفردات استعمالا صحيحا في أماکنها، مع ‌ما‌ يماثلها أو يناقضها، فمن هنا تعد (الصحيفة) أيضا کتابا بالغ الامتياز في تعليم اللغة بأسلوب حي. يقول: «اللهم ‌و‌ أبدلني ‌من‌ بغضة أهل الشنآن المحبة، ‌و‌ ‌من‌ حسد أهل البغي المودة، ‌و‌ ‌من‌ ظنة أهل الصلاح الثقة، ‌و‌ ‌من‌ عداوة الأذنين الولاية، ‌و‌ ‌من‌ عقوق ذوي الأرحام المبرة، ‌و‌ ‌من‌ خذلان الأقربين النصرة ‌و‌ ‌من‌ حب المدارين تصحيح المقة، ‌و‌ ‌من‌ ‌رد‌ الملابسين کرم العشرة، ‌و‌ ‌من‌ مرارة خوف الظالمين حلاوة الأمنة [7] ». ‌و‌ يقول في دفع کيد الأعداء: «و کم ‌من‌ باغ بغاني بمکائده... ‌و‌ أضبأ [8]  الي اضباء السبع لطريدته... ‌و‌ ‌هو‌ يظهرلي بشاشة الملق، ‌و‌ ينتظرني علي شدة الحنق» [9] .نعم قد نلحظ غزارة المترادف في (الصحيفة)، فسببه استيفاء التعبير عن الحال الانفعالية، يردفه، دون شک، اتساع الثروة اللغوي: «اللهم... ‌و‌ ‌من‌ أرادني بسوء فاصرفه عني، ‌و‌ ادحر عني مکره، وادرأ عني شره، ورد کيده في نحره، ‌و‌ اجعل بين يديه سدا حتي تعمي عني بصره، ‌و‌ تصم عن ذکري سمعه، ‌و‌ تقفل دون اخطاري قلبه، ‌و‌ تخرس عني لسانه، ‌و‌ تقمع رأسه، ‌و‌ تذل عزه، ‌و‌ تکسر جبروته، ‌و‌ تذل رقبته، ‌و‌ تفسخ کبره، ‌و‌ تۆمنني ‌من‌ جميع ضره ‌و‌ شره ‌و‌ غمزه ‌و‌ لمزه ‌و‌ حسده ‌و‌ عداوته ‌و‌ حبائله ‌و‌ مصائده ‌و‌ رجله ‌و‌ خيله...» [10] .

و قد تتوارد المترادفات بصورة تلقائية في بعض المواقف، مثل موقف التذلل للخالق، کأنه ‌لا‌ يجد ‌ما‌ ينفذ ‌به‌ الي ‌ما‌ يحس ‌من‌ هوان النفس امام الخالق الا تکرار المترادف: «فاني عبدک المسکين المستکين الضعيف الضرير الحقير المهين الفقير الخائف المستجير» [11] .

و مثل هذا البناء المتساوق في لغة الدعاء يکشف عما کان الامام يعاني ‌من‌ العداوة ‌و‌ الکيد، في المرحلة السياسة الصعبة التي کان يعديها. فقد بلغ ‌به‌ الضيق مما يعاني ‌ما‌ جعله يستنفد هذا القدر ‌من‌ المخزون المترادف.

و ‌من‌ هنا تکون جمل الدعاء ‌و‌ الابتهال في معظم (الصحيفة)، انشائية لأنها - کما قلنا - تعبر عن أحوال انفعالية حارة، شديدة الحرارة، حتي ‌ان‌ الجمل التقريرية فيها ‌لا‌ تصفو للتقرير وحده. ‌و‌ ‌من‌ هنا يکثر النداء بأداته العارية أو النداء المدغوم، ‌و‌ الالتماس، ‌و‌ الرجاء، في الأفعال، حتي يعم صفحات (الصحيفة) کلها تقريبا، علي نحو ‌ما‌ يقول في احدي صحائفها، علي غير اختيار مني: «اللهم توجني بالکفاية: ‌و‌ سمني حسن الولاية، وهب لي صدق الهداية، ‌و‌ ‌لا‌ تفتني بالسعة، ‌و‌ امنحني حسن الدعة، ‌و‌ ‌لا‌ تجعل عيشي کدا کدا ‌و‌ ‌لا‌ ترد دعائي علي ردا، فاني ‌لا‌ أجعل لک ضدا ‌و‌ ‌لا‌ أدعو معک ندا» [12] .

و نلح1 هنا تساوي الفواصل (آخر کلمة في الجملة) في جمل الدعاء، ‌و‌ تماثل موسيقاها. ‌و‌ ‌هو‌ - مع تقطيع جمل الدعاء في مواقف الطلب، ‌و‌ طولها النسبي في غيرها. يودي الغاية ‌من‌ تعميق أثر الدعاء في النفس. ‌و‌ يکاد هذا أن يکون سمة ‌آل‌ البيت في الدعاء، لخصوبة أنفسهم، ‌و‌ غزارة معانيهم، ‌و‌ قدرتهم علي صياغتها صياغة لها خصوصيتها ‌من‌ حرارة الفکر ‌و‌ طواعية اللغة. ‌و‌ هذا الذي يجعل منهم أصحاب أسلوب خاص، يجمع، الي الوضوح ‌من‌ معرفة ‌ما‌ يريدون، حسن التعبير عما يستفزهم ‌من‌ ألوان المعاناة، علي اختلاف ألوانها، ‌و‌ تباعد أطرافها النفسية أحيانا. کأن يقول في (المعونة علي قضاء الدين): «اللهم... ‌و‌ احجبني عن السرف ‌و‌ الازدياد، ‌و‌ قومني بالبذل ‌و‌ الاقتصاد ‌و‌ علمني حسن التقدير، ‌و‌ اقبضني بلطفک عن التبذير، ‌و‌ أجر ‌من‌ أسباب الحلال أرزاقي، ‌و‌ وجه في أبواب البر انفاقي، وازو عني ‌من‌ المال ‌ما‌ يحدث لي مخيلة [13]  أو تأديا الي بغي، أو ‌ما‌ أتعقب منه طغيانا» [14] .

فاذا ذکرنا أن (الصحيفة)، في غرض ‌من‌ أعم أغراضها ‌و‌ أهمها، تتوجه الي تربية الانسان علي خلق القرآن ‌و‌ النبوة، بما يجعلها أيضا کتابا في التربية ‌و‌ التوجيه، ‌من‌ خلال کونها کتابا في التبتل والابتهال، أدرکنا أثر اللغة في بلوغ هذا الغرض، ‌من‌ حيث بلوغ التأثير، ‌و‌ تحسين النفوذ، ‌و‌ تقوية الادراک، ‌و‌ ارهاف الفهم.

و الذي أريد أن أزيده بيانا هنا: أن التعبير، في هذه الأدعية، مقدود علي قد الفکرة أو قد الاحساس، يسعهما بوضوح، علي سعة المضمون ‌و‌ دقته ‌و‌ انفراج أطرافه ‌و‌ تباعدها أحيانا، کأن يقول في الرضا بالقضاء: «اللهم طيب بقضائک نفسي، ‌و‌ وسع بمواقع حکمک صدري، وهب لي الثقة لأقر معها بأن قضاءک لم يجر الا بالخيرة [15]  ‌و‌ اجعل شکري لک علي ‌ما‌ زويت عني أوفر ‌من‌ شکري اياک علي ‌ما‌ خولتني. ‌و‌ اعصمني ‌من‌ أن أظن بذي عدم خساسة، أو أظن بصاحب ثروة فضلا، فان الشريف ‌من‌ شرفته طاعتک، ‌و‌ العزيز ‌من‌ أعزته عبادتک، فصل علي محمد ‌و‌ آله، ‌و‌ متعنا بثروة ‌لا‌ تنفد، ‌و‌ أيدنا بعز ‌لا‌ يفقد، ‌و‌ اسرحنا في ملک الأبد....» [16] .

 فالجملة في الدعاء، کما نري، تطول نسيبا ‌و‌ تقصر حسب ‌ما‌ تقتضيه الحال، ‌و‌ لکن النفس دائما ‌لا‌ ينقطع فيها ‌و‌ ‌لا‌ يتردد!

و تتضح طواعية هذه الاستجابة اللغوية في مجالات الوصف بما يجعل الموصوف يکبر، ‌و‌ يعمق، ‌و‌ يتلون، ‌و‌ يتحرک، ‌و‌ يستفيض، ‌و‌ يتسع لألوان النفس الداعية ‌و‌ دقائق احساسها بالأشياء ‌و‌ معرفتها يأوصافها في جملة أحوالها: «اللهم اسقنا سقيا تسيل منه الظراب، ‌و‌ تملأ منه الجباب، ‌و‌ تفجر ‌به‌ الأنهار، ‌و‌ تنبت ‌به‌ الأشجار، ‌و‌ ترخص ‌به‌ الأسعار في جميع الأمصار، ‌و‌ تنعش ‌به‌ البهائم ‌و‌ الخلق، ‌و‌ تکمل لنا ‌به‌ طيبات الرزق، ‌و‌ تنبت لنا ‌به‌ الزرع، ‌و‌ تدر ‌به‌ الضرع، ‌و‌ تزيدنا ‌به‌ قوة الي قوتنا» [17] . ‌و‌ مثل هذا يبدو أيضا في معرفته العميقة بصفات الخير ‌و‌ الجمال في النفس، ‌و‌ معرفته بما يکدرها ‌و‌ يشوهها ‌من‌ صفات الشر، بما ينتهي الي معرفة بالنفس الانسانية في أحوالها المختلفة: «اللهم... أغنني ‌و‌ أوسع علي في رزقک، ‌و‌ ‌لا‌ تفتني بالنظر، ‌و‌ أعزني ‌و‌ ‌لا‌ تبتلني بالکبر، ‌و‌ عبدني لک ‌و‌ ‌لا‌ تفسد عبادتي بالعجب. ‌و‌ أجر للناس علي يدي الخير، ‌و‌ ‌لا‌ تمحقه بالمن، وهب لي معالي الأخلاق ‌و‌ اعصمني ‌من‌ الفخر» [18] .

فهذا، ‌و‌ مثله کثير في الدعوات، ‌هو‌ الذي کاد أن يجعل آداب الاسلام کلها مختزنة فيها، ‌و‌ يجعل ‌من‌ (الصحيفة)، کما قلنا، کتابا يجمع رۆوس تعاليم الاسلام، الي جانب کونها معجما في اللغة ‌و‌ أساليبها ‌و‌ طرق بيانها. ‌و‌ ‌من‌ يرجع الي دعائه في يوم عرفه [19] .

يجد أنه استوفي، أو کاد، حاجات کل مسلم ‌من‌ دنياه ‌و‌ آخرته، علي السواء، ‌و‌ يجد اللغة ‌و‌ سعت التعبير عن هذه الحاجات کلها.

اعداد: سيد مرتضى محمدي

القسم العربي : تبيان

الهوامش

[1] طبق السحاب الجو: غشاه ‌و‌ غطاه. ‌و‌ الطبق: السحاب الذي يغطي الجو ‌و‌ يغشيه. المجلل: السحاب الذي يجلل الأرض بالمطر.

[2] ألث المطر: دام أياما ‌لا‌ يقلع.

[3] المطر کله شديده ‌و‌ ضعيفه.

[4] کثير الخير ‌و‌ الخصب.

[5] أنهضت الريح السحاب: ساقته ‌و‌ حملته.

[6] الصحيفة: دعاۆه في الاستسقاء، دعا ء رقم / 19 /

[7] الأمن.

[8] أضبا علي الشي ء اضباء: سکت عليه ‌و‌ کتمه، ‌و‌ ضبأ: استخفي.

[9] الصحيفة: دعاء رقم / 49 / في دفع کيد الأعداء.

[10] الصحيفة: دعاء رقم / 23 / في طلب العافية.

[11] الصحيفة: دعاۆه اذا أحرنه أمر، دعاء رقم / 21 /.

[12] الصحيفة: دعاء رقم / 20 / في مکارم الأخلاق.

[13] يريد الخيلاء: الکبر ‌و‌ العجب.

[14] الصحيفة دعاء رقم / 30 / في قضاء الدين.

[15] الاختيار.

[16] الصحيفة دعاء رقم / 35 / في الرضا بالقضاء.

[17] الصحيفة: دعاء رقم / 19 / في طلب الاستسقاء.

[18] الصحيفة: دعاء رقم / 20 / في مکارم الأخلاق.

[19] الصحيفة: دعا ء رقم / 47 / دعاء يوم عرفة.


الابتهال ‌و‌ الدعاء ‌ما‌ بين القرآن الکريم ‌و‌ الصحيفة السجادية

من كلام الامام السجاد عليه السلام في التوحيد

صحيفة الامام السجاد (عليه السلام) السجادية

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)