• عدد المراجعات :
  • 1822
  • 11/18/2012
  • تاريخ :

ظاهرة البكاء عند الاِمام زين العابدين عليه السلام

السجاد علیه السلام

بين البكاء والتباكي:

بين البكاء والتباكي الهادفين خيط رفيع لا يمكن تجليته واكتناه فلسفته إلاّ بفهم الهدف من البكاء أولاً، والتباكي ثانياً.

فإذا كان الهدف من البكاء هو تربية النفوس وتجلية الصدأ الذي يرين عليها جرّاء زحمة الحياة وقساوة العيش، ومن ثم توجيه البكاء إعلامياً للتأثير على الناس كشكل من أشكال العمل السياسي أو الرسالي الهادف النبيل، يأتي هنا ممدوحاً ومندوباً، وهو غير الجزع والضعف والنفاق والرياء الذي له أهداف هابطة اُخرى.

أي أنّه في الدائرة الاُولى عاطفة نبيلة يمكن أن تنتزع من الاِنسان دواعي قسوة القلب وغلظته وشدّته، وتحيله أكثر شفافية وسماحة ورقّة من جهة، وهو عمل تربوي لتوجيه النفوس وتربيتها وتهذيب مشاعرها وأحاسيسها من جهة اُخرى.

وهكذا التباكي هو الآخر، إمّا أن يكون تمثيلاً أجوف لا هدف وراءه ولاجدوى منه ولا طائل، وإمّا أن يكون مواساةً للباكي في صدق بكائه وتصديق انفعاله وتفاعله مع حدث ما أو مصيبة ما، أو يكون مشاركةً إنسانية ووجدانية تواسي المبكى عليه في عظمة تضحيته ونبل إقدامه وهيبة موقفه، وبالتالي فإنّ الدائرة الاُولى غير الثانية بالتأكيد..

ومن هنا نلمس الفرق بين الندبة المعروفة:

ويصيح واذلاّه أيـن عشيرتي *** وسراة قومي أين أهل ودادي

وبين الاُخرى التي تفجّر الدموع دماً:

لا تطلبوا قبر الحسين بشرق أرضٍ أو بغربِ *** فدعـوا الجميع وعـرجّوا فمشهـده بقلبي

تفسير ظاهرة البكاء عند الاِمام عليه السلام:

وكما ارتبك بعض المۆرخين في تفسير دور الاِمام السجاد (عليه السلام) في ريادة مشروع المعارضة للسلطة الاَموية، وأخفقوا في تفسير مواقفه الدقيقة لبلورة الاتجاه المناهض لها، ارتبك بعضهم الآخر في تفسير ظاهرة البكاء المعروفة لديه، وراحوا يشرّقون حولها ويغرّبون أيضاً..

نعم، اتجه بعضهم إلى تحليل الظاهرة على أنها فجيعة ولدٍ بأبيه وأخوته فقط، وبالتالي فانها لا تعدو كونها عاطفةً جياشةً لا يمكن التحكّم بانفجارها وتدفّقها في لحظات الانفعال الوجداني الذي لا يُكبح.. فيما اعتبرها آخرون أُسلوباً سياسياً ذكياً لاستنهاض الناس وتذكيرهم بالظلامة الكبيرة التي لحقت بأهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله)

.وبين هذا التفسير وذاك، راح المۆرخون يحلّلون ويكتبون ويبحثون، وكلّ من زاويته أو فهمه للبكاء والتباكي، فمن حزين مفجوع ينفّس ببكائه عن غصّة وألم دفينين لا يستطيع منهما فكاكاً، إلى بكّاءٍ متباكٍ ينوي ببكائه وتباكيه إذكاء نار الغضب المقدس ضد الظالمين الذين تجرأوا على ابن بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأصحابه والصفوة من خيرة خلق الله بعد النبي (صلى الله عليه وآله)..

ومن هنا فلا يستطيع المۆرخ أو المحلل السياسي تفسير ظاهرة البكاء لدى الاِمام السجاد تفسيراً علمياً رصيناً إلاّ من خلال دراسة الظروف التي عاشها (عليه السلام) والفضاء الاِعلامي والسياسي الذي كان يتنفّس فيه، وإلاّ شطّ به التحليل بين أقصى اليمين وأقصى اليسار، وجنح في تفسير هذه الظاهرة وفق ظروف اُخرى، ربما نفسية أو اجتماعية، أو سياسية، هي في الحقيقة، غير تلك التي يجب أن تفسّر من خلالها أو على ضوئها...

فحين نفهم مثلاً أنّ طائفةً كبيرةً من الناس كانت تجهل الدواعي والاَسباب التي دفعت الاِمام الحسين (عليه السلام) لخوض تلك المعركة غير المتكافئة، يمكن أن نمسك بخيط واحد من خيوط التفسير العلمي لبكاء الاِمام السجاد (عليه السلام).

وحين ندرك أن الاِعلام الاَموي كان يفسّر خروج الاِمام الحسين (عليه السلام) ضد الطاغية يزيد بأنّه صراع على السلطة، وأنه بخروجه إنّما شقّ عصا الطاعة وفرّق الجماعة، وأن الصراع بين الحسين ويزيد إنّما هو صراع شخصي تفجّر بين عائلتين أو بيتين يعتدُّ كل منهما بتأريخه وأمجاده، وهما البيت الاُموي والبيت الهاشمي، ويعتقد كلّ منهما بوراثته لتراث النبي (صلى الله عليه وآله)، تكون الكارثة أكبر والرزيّة أدهى على الاِمام السجاد (عليه السلام)، لاَنّه سيواجه صعوبة بالغة في توضيح هذا المشتبك المۆلم، ولو عِبر الدموع الغزيرة والنحيب المتواصل الذي أصبح إحدى خصال نفسه الزكية، وطابعاً لروحه الطاهرة.

ولما كان إعلام السلطة آنذاك هو الحاكم والمهيمن على عقول الناس وأفكارهم، وللحدِّ الذي يواجه به أحدهم الاِمام الحسين (عليه السلام) قائلاً ( ياحسين ألا تتقي الله: تخرج من الجماعة وتفرّق بين هذه الاُمة )(1).

وأكثر من ذلك حين يواجه المرء نداءات تخرج من هنا وهناك في أرض المعركة، تقول ( الزموا طاعتكم ولا ترتابوا في قتل من مرَقَ من الدين وخالف إمام المسلمين ) وفي رواية اُخرى ( أمير المۆمنين ) (2).

وحين يسمع عفوية ذلك الشيخ الكبير الذي لا يعرف من الامور شيئاً، فراح يواجه السبايا عند دخولهم الشام بقوله: ( الحمدُ لله الذي أهلككم وقتلكم وأراح البلاد من رجالكم وأمكنَ منكم أمير المۆمنين يزيد ) (3).

تكون الرزية أكبر على الاِمام السجاد (عليه السلام)، ويكون نشيجه هو المتنفّس الوحيد للتعبير عن الاَلم والمرارة، وهو تحت مخالب اللئام وصليل سيوفهم وقعقعة رماحهم.

المواجهة أو الصبر:

في هذا الجو الاِعلامي الماكر، ومن هذا الفضاء الملبّد بكل تهويمات التضليل، والتكتم والتعتيم على أعظم ثائر وأعظم ثورة أرادت أن تعيد الحق إلى نصابه، وتستنهض الضمائر الميّتة وبتضحية قلّ نظيرها في التاريخ البشري انتصاراً للدين المضيّع والحدود المستباحة، كان على الاِمام السجاد أن ينتهج أحد خيارين:

الاَول: هو المواجهة العلنية الصريحة، والتنديد المباشر باجراءات السلطة الحاكمة وفضحها، أي إقدامه (عليه السلام) على عملية استشهادية اُخرى تلحقه بأبيه وإخوته، لا تكلّف خصومه أكثر من ضربة سيفٍ واحدة لايتردّد عن القيام بها جلواز واحد من جلاوزة السلطة يتقرب بها إلى الاَمير، دون أن يرفّ له جفن أو يحاكمه ضمير، وفي أُمّة ميتة لم يبقَ فيها للدم حرمة ولا للتضحية معنى أو صدى.. وبالتالي إيقاف أو إنهاء الدور الرسالي المهمّ الذي يسعى الاِمام السجاد (عليه السلام) إلى تحقيقه من خلال كشف تلك الغيوم وتبديدها...

والثاني: هو الصبر على ذلك الضيم أو الحيف الذي شمله مع عمّته العقيلة زينب (عليها السلام) وتمرير المرحلة بالعضّ على الجرح بنيّة مواصلة مراحل الكشف المطلوبة في كل عملية تغييرية يُراد لها أن تعيد الاُمّة المضللة إلى وعيها، أو تعيد الوعي إلى الاُمّة المغلوبة على أمرها، المسلوبة إرادتها المغيّب ضميرها، وفي ذلك الهوس الاِعلامي الصاخب، والمناخ السياسي الملوّث.

من هنا كان على الاِمام أن يختار طريقاً أو منهجاً يحقّق له هذا الهدف الكبير دون المساومة على مبادئه أو التفريط بها، أو القفز عليها، فاختار طريق البكاء أولاً، ثم طريق الدعاء.

اعداد: سيد مرتضى محمدي

القسم العربي: تبيان

المصادر:

1- راجع: تاريخ الطبري 4: 289، والقول هذا منسوب إلى يحيى بن سعيد الذي أرسله أمير مكة لاِرجاع الحسين وثنيه عن التوجه إلى العراق.

2- تاريخ الطبري 4: 331.

3- الاِمام السجاد| حسين باقر: 102.


في البكاء على الحسين عليه السلام حفظ الدين

البكاء على الحسين(عليه السلام) وسيلة للتوحيد الخالص

ليس في البكاء على الحسين(عليه السلام) بدعة

البكاء على الحسين(عليه السلام) محض توحيد لله تعالى

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)