• عدد المراجعات :
  • 1309
  • 11/17/2012
  • تاريخ :

ما هي فلسفة نهضة الإمام أبي عبد الله الحسين عليه السلام؟

عاشورا

تتلخص فلسفة النهضة في كلمة واحدة، هي أن الإمام الحسين عليه السلام كان داعياً إلى الله تعالى، وحينما رأى أن دعوته إلى الله بحاجة إلى أن تُكتب بدمه، وأن تُرسَّخ بشهادته وشهادة أبنائه حتى الطفل الرضيع، حينما أدرك ذلك إقتحم عليه السلام ميدان الشهادة، وبادر إلى العطاء في سبيل الله. ولما كان الحزب الأموي متجذراً في السلطة، كان المجتمع بحاجة إلى هزة عنيفة ليقتلع جذور الأموية. وهذا ما حدث بالضبط بفضل دم أبي عبد الله الحسين عليه السلام.

ترى كيف حدث كل ذلك؟ السر يكمن في أن الحسين كان دماً ناطقاً، وإعلاماً داعياً إلى الله، وشهادة من أجله تعالى، هذه الشهادة التي نرددها يومياً في الصلاة (أشهد أن لا إله إلا الله) ماذا تعني؟

إنها تعني إعلان الحق، فأنت بإمكانك أن تجلس في بيتك وتقول (أشهد أن لا إله إلا الله)، فما الذي يدعونا لإطلاق هذه الشهادة خمس مرات في كل يوم من أعالي الماذَن؟

لأن الإسلام بحاجة إلى إعلام، لأن هدف الرسالات الأساسي هو دعوة الناس إلى الله تعالى.

وفي بعض الأحيان تحتاج الدعوة إلى الله إلى صوت، وفي أحيان أخرى تحتاج إلى دم، وقد عرف الحسين عليه السلام هذه المعادلة فأعطى الدم في سبيل الله ولإعلاء كلمته، ومن المعلوم إن هذا الإعلام لابد أن ينسجم مع المبدأ ومع ظروف المجتمع، ولابد أن يكون بحجم الظروف؛ أي إننا قد يلزم أحياناً أن نثبت صمودنا في هذا الإعلام من خلال ساحة الجهاد، ومن خلال الدم الذي يُراق في سبيل الله، ولذلك فإن الإعلام الإسلامي لابد أن ينسجم مع روح الإسلام التي هي التضحية، وتنازل الإنسان عن ذاته لدينه، وعن دنياه لآخرته، وهذا التنازل لا يمكن أن يتحقق ببساطة، فلابد للإنسان من أن يكون في مستوى الرسالة التي يحملها، ولذلك فإن الذي يجلس على منبر أبي عبد الله الحسين عليه السلام، ويدعو إلى منهجه، ويتحدث باسمه، وينطق باسم النهضة التي قادها السبط الشهيد، هذا الإنسان لابد أن يكون حسينياً؛ بمعنى أن يكون مستعداً للتنازل عن كل شيء في لحظة واحدة إذا اقتضى الواجب الإلهي ذلك، حتى تكون دعوته نافذة، فالمنبر الذي يتحول إلى مهنة واحتراف لا يغني عن الحسين شيئاً، لأن المنبر هو ساحة للجهاد، فمن الممكن أن يرتقي الإنسان المنبر، ويتحدث بحديث تكون فيه نهايته الدنيوية كما فعلوا بخطبائنا العظام طيلة التاريخ.

وهكذا فإن الإنسان المۆمن الصادق لابد أن يقتبس من نور الإمام الحسين شعاعاً عندما يرتقي المنبر ويتحدث باسمه عليه السلام بذلك يندفع إلى التضحية من أجل الرسالة.

وهكذا الحال بالنسبة إلى إعلام القلم الذي ينطق باسم الإمام الحسين، فيجب على حامل القلم أن يكون حسينياً بمعنى الكلمة، وأن يبتعد عن الارتزاق والمهادنة. فالقلم الذي يعمل على مهادنة الطغاة يجب أن يتكسر، والورقة التي يُكتب عليها مديح الجائرين يجب أن تتمزق.

سمات وخصائص الإعلام الإسلامي

وهكذا فإن الإعلام الإسلامي يجب أن يكون منسجماً مع الإسلام، وفيما يلي سأحاول تلخيص بعض سمات هذا الإعلام.

إعلام إلهي

1- الإعلام الإسلامي هو إعلام إلهي يتجاوز الدنيا إلى الآخرة، فقد كانت الكلمة الأولى التي أطلقها السبط الشهيد في المدينة المنورة هي: "ويزيد رجل فاسق شارب الخمر، قاتل النفس المحرَّمة، معلن بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله"[1].

وهنا أحب أن أذكر إن القضية ليست قضية أن يزيد قد أخذ دار الحسين عليه السلام وأمواله، وأنه ليس من جماعته، بل إن القضية هي قضية إلهية.

فالرفض إبتدأ بكلمة الله، والدعوة إلى الله.

فأول إعلان عن الثورة كان في مكة المكرمة في اليوم الثامن من ذي الحجة، وقد كان الناس يتجهون إلى منى ومن ثم إلى عرفات في حين أن الإمام الحسين عليه السلام غيّر مسيره إلى العراق، ووقف قائلاً بكل جرأة: (خط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف [2]..).

فالكلمة هنا تتجاوز الدنيا؛ إنها كلمة الآخرة. فالإمام الحسين عليه السلام لا يعيش الدنيا لأن قلبه وروحه وأحاسيسه تعيش في الآخرة. هذه هي الكلمة الأولى، أما الكلمة الأخيرة فقد نطق بها بعد شهادته عليه السلام الإمام زين العابدين فوق منبر مسجد الشام، وقد كانت نصف خطبته تدور حول الآخرة، وقد كان عليه السلام يهدف من وراء ذلك بيان حقيقة ثورة أبيه الحسين عليه السلام، فالمقدمة كانت توجيهاً للناس إلى الآخرة وإلى الله تعالى حتى أجهش الناس بالبكاء كما تذكر الروايات.

وعلى هذا فإن منابرنا يجب أن تسير على نهج النبي صلى الله عليه وآله وأئمتنا عليهم السلام، وهذه هي صبغة الإعلام الإسلامي وسمته البارزة، فهو إعلام إلهي لا ينظر إلى الدنيا فقط، لأن الدنيا لا قيمة لها بالنسبة إلى الآخرة، والإنسان العاقل الحكيم يستغل هذه الدنيا لصالح أخرته.

إعلام متفاعل مع الواقع

2- إن الإعلام الإسلامي لا يعبر عن الصور المتحركة، فهناك إعلام يأتيك بالحدث المجرد، ويصور الحالة الخارجية بشكل محايد، في حين أن الإعلام الإسلامي يتجاوز هذه الصورة، ويغوص في العمق، فهو يربط الحدث بمسيرته التاريخية، ويتعمق في الجذور، ليقتبس منه العبرة؛ فالقصص والأحاديث والأخبار المفرغة من العبرة لا تغني شيئاً، لذلك ينبغي أن نعطي الخلفية التاريخية للإعلام، والعبرة المستقبلية له، ونربط بينه وبين السنن الإلهية التي بينها الله تعالى في كتابه الكريم. فكل شيء له سبب ودافع، وقد يكون دافع الإنسان نظيفاً، وقد يكون خاطئاً، فالإنسان قد يقوم ببطولات ويتحدى ويۆدي دوراً كبيراً ولكن دون أن يكون دافعه إرضاء الخالق، بل يخرج أشراً ومفسداً ومستعلياً في الأرض، ومثل هذا الإنسان لا يساوي عند الله جناح بعوضة حتى وإن قُتل وسُحق تحت الأقدام، إذ أنّ النية هي المهمة في الإسلام، أما العمل فليس له قيمة من دون النية، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم: "لا قول إلا بعمل، ولا قول ولا عمل إلا بنية، ولا قول ولا عمل ولا نية إلا باصابة السنة"[3].

امام حسین (ع)

وهكذا الحال بالنسبة إلى النية فإنها وحدها لا تكفي بل يجب أن نبحث عن الحكم الشرعي الذي يسمح لنا بالعمل، فليس من حقي أن أحطم شخصية إنسان بكلمة نابية أو غيبة أو تهمة بحجة إنني أنوي تأديبه -مثلاً-، بل لابد أن أبحث عن الأسلوب المناسب وعن القانون الشرعي، فالإسلام لم يترك صغيرة ولا كبيرة إلا ووضع لها قانونا، فليس من حقك أن تتصرف في الساحة دون قانون شرعي، لأن الإعلام الإسلامي هو إعلام شرعي يقتضي البحث عن الشرعية.

إعلام شجاع لا يهادن

3- الإعلام الإسلامي هو إعلام شجاع لا يهادن، فهو يضع النقاط على الحروف، انظروا إلى كلمات الأنبياء عليهم السلام فإنكم لا تجدون فيها كلمة غامضة، ففيها حسب التعبير القرآني: (فصل الخطاب)؛ أي الخطاب الفاصل والحاسم الذي يفرق بين الحق والباطل، فأن تخلط الأمور مع بعضها، وتقول كلمات دبلوماسية حتى تستطيع أن تخرج دائماً من المآزق، فهذا مرفوض في الإعلام الإسلامي ولا يجوز إلا عند الضرورة، فالأدب والتعبير الحسن في مكانهما، ولكن الوضوح له موقعه أيضاً.

نهضة الإمام الحسين عليه السلام نهضة تبليغية

وقد كانت هذه السمات كلها في حركة أبي عبد الله الحسين عليه السلام، ولو درسنا لسنين هذه الحركة من هذه الزاوية أو من الزوايا الأخرى فسنكتشف فيها الكثير من الدروس، والأكثر من ذلك أن نهضة الإمام الحسين عليه السلام كانت نهضة تبليغية -إن صح التعبير- فقد كانت جميع تحركات الإمام عليه السلام وأهل بيته من المدينة إلى مكة ثم من مكة إلى كربلاء، ومن كربلاء إلى الكوفة ومنها إلى الشام..

مخططاً لها من أجل إيقاظ الناس، وإقامة الحجة عليهم، وإلا فقد كان من المفروض بالإمام عليه السلام أن لا يُخرج معه بقايا أهل البيت لأنهم أمان أهل الأرض، فهل من المعقول بعد ذلك أن يضعهم أمام العدو وهو يعرف طبيعة المجتمع الذي يعيش فيه، وقد نصحه أكثر من واحد على أن لا يقدم على هذا العمل، فالمعالم كانت واضحة لدى الناس، لأن الكوفة هي نفسها الكوفة التي لم تستجب للإمام علي عليه السلام، وهي نفسها الكوفة التي فعلت ما فعلت بأخيه الحسن، وعلى هذا فإن الإمام الحسين عليه السلام كان يعرف كل شيء، ولكنه مع ذلك جاء بأهل بيته وبأخته زينب وهو الذي يحبها ذلك الحب العميق لأنها كانت صورة مصغرة لفاطمة الزهراء عليها السلام، فهل من المعقول أن يأتي بها إلى كربلاء، ويعرّضها للأسر لولا أن له في ذلك هدفاً مقدساً؟

وهكذا فإن هذا الهدف هو الذي بعث هذا الإعلام. فالشهادة مدرسة، والدراسة في هذه المدرسة ضرورية، فهي بركة والتبرك بها يمثل قضية. ولقد استشهد الإمام الحسين عليه السلام، وجرى دمه الطاهر، ولكن من الذي يجب أن يستثمر هذا الدم، ويحوله إلى ثورات متلاحقة لا تقضي فقط على النظام الأموي وإنما على كل حكم فاسد، وعلى جميع الانحرافات الفكرية والثقافية والاجتماعية التي كانت مستشرية في الأمة؟

الإعلام بعد ثورة الحسين عليه السلام

لقد فعل كل ذلك من تَبقّى من أهل بيت أبي عبد الله الحسين عليه السلام، فكربلاء كانت أرضاً معزولة، ثم إن العدو لم ينقل ما جرى على هذه الأرض، فمن الذي يجب عليه أن يروي ما حدث في كربلاء؟

ومن الذي يقص البطولات التي أبداها الحسين عليه السلام وأبو الفضل العباس.. والظلامة التي رفعها الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء عندما حمل الطفل الرضيع على يديه، وطلب شربة ماء، وإذا بالعدو يرميه بالسهم؟

من الذي يجب أن ينقل هذه الصور، صور المأساة والتحدي والبطولة والصمود؟

ومن هنا فإن قضية السبط الشهيد لابد أن تتحول عندنا إلى منبر إعلامي متميّز حتى تكون الشهادة الناطقة وسيلة لسعادتنا في الدنيا، وفلاحنا في الآخرة.

اية الله محمد تقي المدرسي

الهوامش:

[1] - بحار الأنوار، ج44. ص325.

[2] - بحار الأنوار، ج44، ص366.

[3] - الكافي، ج1، ص70.


الإمام الحسين.. الشاهد والشهيد

الإمام الحسين عليه السلام وامتحان الاختيار

ساعة الصفرواختيار الطريق

دقائق ولحظات من ساعات التوديع

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)