• عدد المراجعات :
  • 678
  • 11/17/2012
  • تاريخ :

الدروس التي تخترق الحجب

عاشورا

 ما أكثر العبر وأقل المعتبر! فظواهر الحياة تسدي للإنسان دروساً لا تُحصى، ولكن هذا الإنسان يحتجب عن هذه الدروس العظيمة في الحياة بحجب سميكة؛ فبدلاً من أن يفتح قلبه على دروس الحياة فيستلهم منها ما يحتاج إليه تراه يعرض ويتغافل عنها.

 ومع ذلك فإن هناك دروساً في الحياة تخترق الحجب، وتهدم الحصون، شاء الإنسان أم أبى، وهذه الدروس هي الحجج الإلهية الكبرى على الإنسان، ولا ريب إن واقعة كربلاء هي درس من هذه الدروس، فإن كان قلب الإنسان خاشعاً إستلهم العبرة من كل ظاهرة في الطبيعة أو في المجتمع أو التاريخ والحاضر، فيعتبر بكل نعمة أنعم الله بها عليه، كما يعتبر بكل نقمة دفعها عنه.

 إن القلب الخاشع والقانت والسليم هو الذي يتفاعل مع ذكر الله ويزداد إيماناً به، فهو المثل الواضح لقوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُۆْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) (الانفال:2).

 ومع ذلك فإن كل الناس ليسوا كذلك، فإن أكثرهم ولو حرصت ليسوا بمۆمنين، بل إن أكثرهم غافلون؛ ومثل هۆلاء بحاجة إلى هزة عنيفة تحطم في قلوبهم كل الجدران التي أقاموها بأنفسهم، ولمثل قلوب هۆلاء كانت كربلاء، وكانت واقعة عاشوراء، وكانت الحوادث المأساوية التي جرت على أبي الشهداء والأحرار الإمام الحسين عليه السلام وأهل بيته وأصحابه، أو ليس الحسين عليه السلام شهيد العبرات والدموع، وشهيد القلوب التي تخشع لمأساته، فإذا خشعت لها خشعت للحقائق التي حدثت تلك المأساة من أجلها وفي سبيلها.

المصيبة التي أدمت جميع القلوب

فالإنسان -أي إنسان- لا يملك عندما يستمع إلى قصة كربلاء إلا أن يخشع قلبه، فهذا الإنسان لابد أن يتأثر وهو يتصور دخول الإمام الحسين عليه السلام إلى كربلاء، وكيف أن القوم استضعفوه، واحتوشوه من كل مكان، وهم الذين دعوه ليكون إماماً وأميراً لهم، ولكنهم جندوا طاقاتهم ضده، وأرسلوا إليه ثلاثين ألفاً ليقتلوه صبراً، ولابد أيضاً من أن تخنق الإنسان العبرة وهو يجِّسد في ذهنه حالة السبط الشهيد في ليلة التاسع من شهر محرم عندما جلس ينعى نفسه قائلاً:

يا دهر أف لك من خليل           كم لك بالإشراق والأصيل

من صاحب وطالب قتيل            والدهر لا يقنع بالبديـــــل

وإنما الأمر إلى الجــليل           وكل حي سالك سبيـلي

إن القلب الذي لا يخشع لمثل هذا الموقف لابد أن يخشع لموقف آخر وهو موقف الحسين عليه السلام وهو يطلب من ذلك الجيش الهائل الماثل أمامه مهلة ليلة واحدة، فيرفضون هذا الطلب، في حين أنه عليه السلام لم يطلب تلك المهلة لكي يودع أهله فيها أو يتمتع بملاذ الحياة، بل لكي يصلي لربه، ويجدد عهده معه تعالى بالصلاة والقرآن.

 وهكذا فكل موقف من مواقف الحسين عليه السلام، وكل مصيبة من مصائبه تكفي لإذابة الصخرة الصماء، فكيف بالقلوب؟

 فإن لم تخشع للمآسي التي حدثت في يوم عاشوراء فهي خاشعة لا محالة للمأساة التي حدثت بعد عاشوراء؛ أي في اليوم الحادي عشر عندما مروا بآل البيت من الثكالى والأرامل على أجسام أعزتهن وهم مقطعون إرباً إرباً… وهكذا الحال بالنسبة إلى مصيبة السيدة زينب عليها السلام في الكوفة، وللمصائب التي نزلت على آل البيت في الطريق إلى الشام، وعند عودتهم إلى المدينة.

 وعندما يقول الأئمة المعصومون الذين عصمهم الله من الدنس، وآمنهم من الزلل: "لا يوم كيومك يا أبا عبد الله"[1]، وعندما يقررون أن المصيبة التي حلت بالحسين عليه السلام لم تحل بأحد في التاريخ لا قبل ذلك اليوم ولا بعده فإنما يبينون بذلك حقيقة هامة، وهي أن الله تعالى قد هيأ هذه الفرصة لتخشع القلوب، وليهتدي الناس. فالهدف من كربلاء هو خشوع القلب، وسقوط تلك الحجب والتحصينات التي تصنعها النفس أمام التأثر بظواهر الحياة، فالقلب لا يهتدي إلا إذا خشع، وكيف يخشع وبينه وبين ظواهر الحياة حجب سميكة؟

 ومثل هذا الخشوع لا يمكن أن يحصل إلا بمثل ظاهرة كربلاء، ولذلك أصبح البكاء قضية دينية في مثل هذه الحقيقة فالله تعالى يأمرنا بالصبر في كل مصيبة قائلاً:(إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ) (الزمر:10)، (وَمَا يُلَقَّاهَآ إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا) (فصلت:35).

لماذا البكاء على مأساة الحسين عليه السلام

فهو تعالى يأمرنا بالصبر في كل موضع، أما في هذه الحادثة فتأمرنا النصوص الإسلامية بالبكاء: حيث روي عن الإمام الرضا عليه السلام قوله: "إن يوم الحسين أقرح جفوننا وأسبل دموعنا"[2] وقال الإمام عليه السلام: "يا بن شبيب، إن كنت باكياً لشيء فابك للحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام، فإنه ذبح كما يذبح الكبش"[3] فالحسين أحق من يُبكى عليه، لأن حادثة كربلاء هي أعظم مصيبة وردت على الإنسانية عبر التاريخ.

بنی امیه

 وهكذا فإن الأمر بالبكاء والندب والنحيب يكمن وراءه هدف وحكمة، فليس عبثاً أن الأئمة عليهم السلام كانوا يۆكدون دوماً على البكاء والنحيب، وعلى تجديد ذكرى الحسين عليه السلام، وكأنها وقعت في الأمس القريب، وكأن الحسين قد استشهد للتو، فلا ريب إنّ طائفة كبيرة من المسلمين يبادرون إلى تجديد هذه الذكرى كلما مر عليهم هذا الشهر (شهر محرم) الحزين المليء بالعبر والعبرات، فترى المدن تلبس السواد، وتتغشى القلوب بسحابة من الكآبة، وتصطبغ المجالس بلون الدم والمأساة، أو ليس كل ذلك لهدف وحكمة؟

 ترى ما هي هذه الحكمة؟

الحكمة من وراء كل ذلك هي أن القلوب، وعندما تتفاعل مع المأساة فإنها ستخشع لهدف الحسين عليه السلام ولواقعة كربلاء.

 ومن هنا فإنني أطالب الأخوة الذين يجددون هذه الذكرى المباركة بشكل من الأشكال فيكتبون، أو ينشدون الشعر، أو يرتقون المنابر ويقيمون المآتم والمجالس..

أطلب من هۆلاء جميعاً أن لا يغيب عن بالهم أن كل هذه المظاهر، مظاهر الحزن والخشوع، إنما تهدف إلى تقريب النفوس من الحقائق، وجعلها تستفيد من عبر واقعة كربلاء.

ولذلك ترى الحسين عليه السلام قد ألقى في يوم عاشوراء فقط خمس خطب منذ صبيحة يوم عاشوراء وحتى ظهره، فكان يستغل كل مناسبة ليبين أهداف ثورته، وقد سجل عليه السلام في كل مناسبة، وعند كل مصرع لشهيد بياناً لهدفه، والحكمة التي من أجلها استشهد، حتى امتزج الهدف بالمأساة، فلا الهدف ينفصل عن الماساة، ولا المأساة بمنفصلة عن الهدف. فالحسين عليه السلام خرج إلى كربلاء وفي طريقه كان يردد الآية الكريمة: (تِلْكَ الدَّارُ الاَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الاَرْضِ وَلاَ فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (القصص:83).

فكيف نستطيع أن نفصل مسيرة الإمام الحسين عليه السلام إلى كربلاء عن هذه الآية التي كان يرددها في كل لحظة؟

 وكيف نستطيع أن نفصل بينه عليه السلام وبين الصلاة التي أداها وهو في قمة المواجهة، فقد صلى وأوقف اثنين من خيرة أصحابه يقيانه السيوف والسهام والمعركة دائرة على أشدها، وبالتالي كيف يمكننا أن نعزل المأساة عن الحسين عليه السلام وهو يضع رأسه في آخر لحظة من لحظات حياته على تراب كربلاء قائلاً: (صبراً على قضائك يارب، لا إله سواك يا غياث المستغيثين)[4]!!

 وعندما يُذبح إبنه الرضيع على يديه الكريمتين يمسك بالدم ويرمي به في الفضاء ويقول: (هوّن ما نزل بي إنه بعين الله تعالى)[5]، فإنه في كل لحظة يسجل هدف ثورته وموقفه، الموقف وهدف الموقف، الحركة وحكمة الحركة، القضية ومأساة القضية..

كل ذلك لا نستطيع أن نفصله عن بعض، ولذلك فإن على خطبائنا الكرام وكتابنا ومۆلفينا وكل من يقوم بدور ما في إحياء ذكرى عاشوراء أن يعرف ماذا كانت حكمة مواقف الإمام الحسين عليه السلام، وأن يذكر كل موقف مع حكمته، لأن الموقف إنما جاء من أجل تلك الحكمة.

 فالبكاء وسيلة لخشوع القلب، وخشوع القلب بدوره وسيلة أساسية لقبول الحق.

 

اية الله محمد تقي المدرسي

المصادر:

[1] - أمالي الصدوق، ص177.

[2] - أمالي الصدوق، ص190.

[3] - عيون أخبار الرضا(ع) للشيخ الصدوق، ص268.

[4] - كلمات الإمام الحسين عليه السلام للشيخ الشريفي، ص510.

[5] - المصدر، ص477.


ماذا نستلهم من شهادة الحسين عليه السلام؟

الإمام الحسين عليه السلام وامتحان الاختيار

ساعة الصفرواختيار الطريق

دقائق ولحظات من ساعات التوديع

البعد التربوي لواقعة الطف

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)