• عدد المراجعات :
  • 7856
  • 10/27/2012
  • تاريخ :

دروس من حياة نبي الله لوط (ع) -1

نبي

إن نبي الله لوط، قد لاقى الأمـرَّين من قومـه.. فهذا النبي الذي ابتلي بمجموعةٍ بشرية، يمكن أن يقال عنها: بأنها من أسخف الأمـم التي عاشت في الأزمنة الغـابرة.. إن هۆلاء تميزوا بارتكاب الفاحشة، وإتيان الذكران دون النسـاء.. ويبدو أن هذه الحالة كانت حالة شاذة في حياة الأمـم السابقة، ولو كانت هناك ظاهرة متحققة في باقي الأمم، لذكرها القرآن الكريم.. ولكن يبدو أن التميز بهذه المعصية، جعل الله سبحانه وتعالى يميزهم بالعذاب.

وعجباً لحلم الله جل جلاله!.. ففي الأزمنة الغابرة، وفي زاوية من زوايا الأرض، وجدت طائفة تمارس هذا العمل القبيـح.. ولكن في زاوية محدودة، وبلا دعوةٍ لباقي الأمـم، فعجّل الله عز وجل لهم العقوبة.. ولكن في زماننا هذا، فإن رب العالمين أخّر انتقامه إلى يوم الوقت المعلوم.. رغم أننا نرى بأن هذا العمل أصبح مفلسفاً، وله دعاة، وله أحزاب، وله جماعات، يتبجّحون بذلك من دون أدنى درجةٍ من درجاتِ الخجل.

إن الذي يحيي آمال الأنبياء والمرسلين، والذي يحقق الشريعة، بعد أفولها ولو تطبيقاً، هو الإمام صلواتُ الله وسلامه عليه.. فلا أمل في الذين رفعوا شعار الدفاع عن الإنسان والمُثُل.. فإن هۆلاء هم الذين ضحوا بالمثلِ والقيم، وعليه، فلا بد من يدٍ غيبية، ألا وهي المهدي الذي سينزل مع ذلك النبي الصالح المسيح -روح الله- ليعيد النصاب إلى الأرض بين المسلمين وبين غيرهم.

{وَلَقَدْ جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُـشْرَى قَالُواْ سَلاَمًا قَالَ سَلاَمٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَاء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ}.. أنظروا إلى حسن الضيافة!.. {فَمَا لَبِثَ}.. أي أنه سريعاً جاء بعجلٍ مشوي.. ولكن {فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً}.. إن الضيف إذا لم يأكل من طعام صاحب المنزل، فهذا يعني أن هنالك شيئا في الأفق، وإلا فلماذا لا يأكل من طعام وزاد المضيف؟!.. فهذا الذي يترائى في ذهن كل إنسان.

{قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ}.. هنا أيضاً إشارة سريعة بأن علوم الأنبياء مستندة إلى تعليم الله عز وجـل.. فإذا علّمهم الأمر يعلمون، وإذا حجب عنهم لا يعلمون.. فالملائكة تنزل في بيت إبراهيم، وهو لا يعلم بأن هۆلاء ملائكة.. فقد كانوا في زي بني آدم، فحق لإبراهيم ألا يعرف ماهيتهم، إلا بتعليم من الله عز وجل.. ولو كان يعلم أن هۆلاء ملائكة، لا تأكل ولا تشرب، لما كلف نفسه بعجلٍ حنيذ.. وهكذا بالنسبة لنبي الله يعقوب، فولده في البئر، وفي معرض الهلاك: جوعاً، وعطشاً، وهو لا يراه في البئر.. ولكن عن مسافة بعيدة وإذا به يقول: {إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ}.. فهنا يُفتَحُ له المجال ليشم قميص يوسف من مسافات، وحتى هذا القول من يعقوب صار مستنكراً من قبل أولاده.. فإذن، هنالك إخبارٌ غيبي، فيعقوب لم يعلم، ولم يَطَّلع على هذا النبأ السار، إلا حينما أراد اللهُ عز وجل.. وكذلك بالنسبة لإبراهيم.

لماذا قالوا:{بِالْبُـشْرَى} مع أن هۆلاء جاۆوا لهلاك القوم؟.. على كلٍّ -والعلم عند الله عز وجل- من الواضح أن إزاحة العناصر الفاسدة في المجتمع، واستئصالهم، هو لصالح الحركة الإيمانية.. فالإنسان له قيمته، ما دام لم يقف أمام مد الهُـدَى، وأما إذا وقف أمام الهدى، فلا قيمة له.. كما نرى في حياة النبي أرأف الخلق، ولكن عندما يصل الأمر إلى أن تكون جماعة كيهود المدينة عقبة أمام تقدم الإسـلام، فإنه يقف منهم ذلك الموقف، ويقول: {وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ}.. كما نلاحظ في الآية الكريمـة.

{وَامْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ}.. يقال: هنا {ضَحِكَتْ} ضحكت من الضحك بفتح الضاد أي حاضت، واعتراها ما يعتري النساء، وليس المراد ضحكت مما يقابل البكاء..{فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَاء إِسْحَقَ يَعْقُوبَ}.. لأنها اعترتها حالة النساء الطبيعية، وهذه الحالة تدل على استقامة بدن المرأة وقابليتها للحمل.

{قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَـذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ}..  فإنها لما سمعت بشارة الملائكة، تمثل لها الحال بتولد ولد من عجوز عقيم وشيخ هرم بالغين في الكبر، لا يعهد من مثلهما الاستيلاد، فهو أمر عجيب على ما فيه من العار والشين عند الناس؛ فيضحكون منهما، ويهزءون بهما.. وذلك فضيحة.

{قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ رَحْمَتُ اللّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ}..  أي إذا أراد الله عز وجل أن يبارك في إبراهيم على كِبَرِ سنه، فإنه يبارك في زوجته على كِبَرِ سنها، ويعطي لهم هذه الذرية المباركة في مقتبل أعمارهم.. نعم، إذا أراد الله عز وجل أن يبارك في شخصٍ، أو في أمرٍ.. فهو الذي يختار الوقت المناسب حتى لو لم يكن مناسباً بنظر القوم.

{فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ}.. إن هذا النبي نبيٌّ غريبٌ عجيب!.. فهذه السماحة، وهذا الحنان، وهذا العطف، وهذه الإنسانية.. لا تدل إلا على نعته بالجميل، فلم يكن جداله إلا حرصا منه في نجاة عباد الله؛ رجاء أن يهتدوا إلى صراط الإيمان.. ولهذا تقول الآية: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ}.. نعم، هذا هو الحلم الإبراهيمي.. أوّاه، كثير التأوّه.. فإن الذي يتبادر إلى الذهن أن (الأواه) يعني كثير التأوّه في المناجاة مع رب العالمين، والذي يخاف من عذاب جهنم –مثلاً- أو يذكر عذاب رب العالمين.. ولكن هنا التفاتة جميلة لبعض المفسرين: أن أواه، أي كثير التأفف، وكثير الألم لكل ما لا يستسيغ، حتى لو كان انحرافاً في المجتمع.. فإبراهيم يتأوه، لا لمسائل القيامة والنار والجحيم فقط -طبعاً لأمته- وإنما لما يرى من الانحرافٍ الاجتماعي، فهو يتأوه.. فكم من الجميل أن يبكي الإنسان في جوف الليل، لا لذنوبه، ولا لآخرته.. وإنما لأمته، ولمن يعيش فيما بينهم.. فعندما يرى منكراً جلياً فاضحاً في النهار، فإنه في جوف الليل يبكي أمام رب العالمين.. نعم، هذا عملٌ إبراهيمي.

أنظروا إلى العلاقة الجامعة: فهو مع رب العالمين منيب، ومع نفسه حليم، ومع المجتمع أوَّاه.. إنها صورٌ مختلفة من التكامل، مجتمعة في هذا النبي الذي يستحق بحـق لقب (خليل الرحمن).

اعداد:سيد مرتضى محمدي


دروس من حياة نبي الله لوط (ع) -2

دروس من حياة نبي الله هود (ع)

دروس من حياة أيوب (ع) - ١

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)