• عدد المراجعات :
  • 3089
  • 9/12/2012
  • تاريخ :

لماذا لم تتزوج السيدة المعصومة ( عليها السلام ) ؟

  فاطمه المعصومه(س)

والمستفاد من جملة الروايات أن بنات الإمام الكاظم (عليه السلام) وعددهن إحدى وعشرون بنتا لم تتزوج منهن واحدة.

ونقل المحدث القمي عن تاريخ قم ما حاصله: أن هذا كان سائرا في بنات الرضائية (1).

وهذا أمر مثير للتساۆل ما ورد عن أهل البيت (عليهم السلام) من الحث على التناكح والترغيب فيه، وأن به إكمال ثلث الدين أو نصفه أو ثلثيه، فيا ترى ما هي الأسباب المانعة عن هذا الأمر في حق بنات الإمام الكاظم (عليه السلام)؟

وينبغي أن نۆكد قبل كل شئ على أن عدم اقتران واحدة من بنات الإمام الكاظم (عليه السلام) بزوج - ولا سيما السيدة فاطمة المعصومة (عليها السلام) - لم يكن عن عيب مانع في الخلق أو الخلق، وقد مر علينا أنها كانت جليلة القدر ذات شأن عظيم، ومنزلة كبيرة، على أن هذا الأمر لم تنفرد به وحدها من دون سائر أخواتها، فلا بد أن يكون المانع أمرا آخر، وهذا ما نسعى للبحث حوله بمقدار ما يسعفنا به ما ورد حول هذه القضية من الروايات.

وصية الإمام الكاظم

  قال اليعقوبي ـ المۆرِّخ ـ : « أوصى موسى بن جعفر ألا تتزوج بناته ، فلم تتزوّج واحدة منهن إلا اُم سلمة ، فإنها تزوجت بمصر ، تزوجها القاسم بن محمد بن جعفر بن محمد ، فجرى في هذا بينه وبين أهله شيء شديد حتى حَلَف أنّه ما كشف لها كنفاً ، وأنّه ما أراد إلا أن يحج بها  » (2) .

 ولكن عند الرجوع إلى وصية الإمام الكاظم ( عليه السلام ) التالية نرى أنّ الإمام لم يوص بذلك وإنّما اوصى أن يكون أمر زاجهن بيد أخيهنالإمام الرضا ( عليه السلام ) حيث إنه قال : « . . . وإلى علي أمر نسائي دونهم (3) . . . وإن أراد رجل منهم (4) أن يزوج أخته فليس له أن يزوجها إلا بإذنه وأمره ، فإنه أعرف بمناكح قومه . . . » (5) .

 ثم إنه ( عليه السلام ) يۆكد على ذلك في موضع آخر من نفس الوصية : « . . ولا يزوج بناتي أحد من إخوتهن من أمهاتهن ، ولا سلطان ، ولا عمّ ، إلا برأيه ومشورته (6) ، فإن فعلوا غير ذلك فقد خالفوا الله ورسوله ، وجاهدوه في ملكه ، وهو أعرف بمناكح قومه ، فإن أراد أن يزوج زوج ، وإن أراد أن يترك ترك » (7) .

 فالإمام ـ بحسب الوصية ـ لم يمنع بناته من الزواج ـ كما ادّعى اليعقوبي ـ وإنما جعل أمر زواجهن بيد أخيهن الإمام الرضا ( عليه السلام ) .

 وفي وصية أخرى له ( عليه السلام ) لتعيين أوقافه وصدقاته وكيفيّة تقسيمها ، قال :« . . . يقسم في مساكين أهل القرية من ولد موسى بن جعفر للذكر مثل حظ الانثيين ، فإن تزوجت امرأه من ولد موسى بن جعفر فلاحق لها في هذه الصدقة حتى ترجع اليها بغير زوج ، فإن رجعت كان لها مثل حظ التي لم تتزوج من بنات موسى . . . » (8) .

ويبدوا أنّ هذه الوصيّة هي التي جعلت اليعقوبي يقول بأنّ الإمام أوصى أن لا تتزوج بناته من بعده ، ولكن الظاهر منها أن التي تتزوج تكون في كفالة زوجها ، وهو ينفق عليها ، فإن مات أو طلقها رجعت وكان لها مثل حظ التي لم تتزوج .

 ومع ذلك كله فانه لقائل أن يقول : يشم من هذه الوصية ومن سابقتها عدم رغبة الإمام في تزويج بناته ، بل إن الواقع الخارجي يصدق ذلك ، فلا الإمام الكاظم نفسه في زمان حياته زوج واحدة منهن ، ولا الإمام الرضا ، بل كان هذا سائراً في بناتهم ، وقد أوقف الإمام الجواد ( عليه السلام ) عشر قرى في المدينة أوقفها على أخواته وبناته اللاتي لم يتزوجن ، وكان يرسل نصيب الرضائية (9) من منافع هذه القرى من المدينة إلى قم (10) .

 فيستوقفنا ـ هنا ـ سۆال وهو : ـ

 رغب الشرع المقدس في الزواج المقدس في الزواج وحث عليه ونفر من العزوبة وحذر منها ، وقد وردت في ذلك روايات كثيرة فكيف أوصى الإمام الكاظم ( عليه السلام ) بعدم زواج بناته مع العلم أن الزواج سنة رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم) ومن المستحبات الأكيدة ؟

 قد يجاب عن هذا السۆال بأحد الأوجه التالية :

 الوجه الأول :

 أنّ العزوبة وإن كانت مكروهة عند الشرع المقدس ، لكنها قد ترجح في بعض الأزمنة .

 فعن إبن مسعود قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم ) : « ليأتين على الناس زمان لا يسلم لذي دينه إلا من يفر من شاهق ، ومن جُحر إلى جُحر كالثلب بأشباله .

 قالوا : ومتى ذلك الزمان ؟

 قال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : إذا لم ينل المعيشة إلا بمعاصي الله ، فعند ذلك حلٌت العزوبة » (11) .

 فالعزوبة تحل في بعض الأزمنة ، وعليه قد يكون الإمام ( عليه السلام ) قد مر بما يماثل تلك الأزمنة ، فلا تنافي بين ترغيب الإسلام في الزواج ، وبين عدم تزويج الإمام ( عليه السلام ) لبناته .

 فالحكم الاولي للعزوبة هو الكراهة ، ولكن الحكم الثانوي المستفاد من هذه ا لرواية هو حليّة العزوبة في بعض الأوقات .

 الوجه الثاني :

 أنه ( عليه السلام ) لم يزوجهن لعدم الكفۆلهن ، فإنهن ودائع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وكريماته ، فينبغي أن لا تزوجن إلا بمۆمن تقي يعرف مكانتهن ، ويقدر منزلتهن ، فقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : « أنكحوا الأكفاء وانكحوا فيهم واختاروا لنطفكم » (12) .

 فلو أنّ الإمام ( عليه السلام ) قد زوجهن من غير الاكفاء لما عرفت مكانتهن ، ولهدرت حقوقهن ، وما في ذلك من المهانة والإذلال لودائع رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلّم ) ، وحاشا الإمام أن يفعل ذلك .

 بل قد يكون تزويجهن من غير الأكفَاء عامل ضغط على الإمام ( عليه السلام ) تمارسهُ الحكومة العباسيّة لتكلبيل أشد للإمام ، وتقييد أكثر لحريّته .

 ولذا نجد أن الإمام ( عليه السلام ) في وصيته قد جعل أمر تزويج بناته بيد الإمام الرضا ( عليه السلام ) معللا ذلك بأنه أعرف بمناكح قومه .

 الوجه الثالث :

 ما أجاب به الإمام ( عليه السلام ) هارون عندما سأله : « . . . قال : فلم لا تزوج النسوان من بني عمومتهن واكفائهن ؟  قال : اليد تقصر عن ذلك .

 قال : فما حال الضيعة (13) ؟

 قال : تعطي في وقت ، وتمنع في آخر . . . » (14) .

 فالإمام ( عليه السلام ) علل عدم تزويجهن لقصر ذات اليد ، وضعف الإمكانات الماديّة .

 الوجه الرابع :

 نتيجة الضغوطات العنيفة ، والممارسات لتعسفية التي كانت السلطة العبّاسية تنتهجها تجاه الامام ( عليه السلام ) وشيعته ، ما كان أحد ليجرأ أن يتقدم من الإمام ليطلب كريمته أو أخته .

 بل إن الشيعة ـ في فترات مختلفة من الزمن ـ ما كانوا ليتقربوا من دار المعصومين ( عليهم السلام ) في إستفتائاتهم ، ولذا كان بعضهم يلجأ إلى الحيلة فيلبس ثياب بائع خيار ويحمل سلة الخيار حتى يتمكن من دخول دار الإمام ، فيستفتيه ويخرج .

 فإذا كان أتباع أهل البيت ( عليهم السلام ) لا يستطيعون استفتاء الإمام ، فما ظنك بمن يريد مصاهرة الامام ؟ !

 إنّ الراغبين لشرف مصاهرة الإمام ـ سواء أكانوا من أولاد العمومة أم من خيار الشيعة ـ كان أمرُهم دائراً بين مقتول بأيدي الغدر والعدوان ، وبين معتقل معذب في قعر السجون ، وبين مطارد من جلاوزة السلطة قد استخفى عن أعينهم . . . ! !

 فمن ذا الذي يجرأ ـ بعد هذا ـ أن يطلب الوصلة بالإمام ( عليه السلام ) ؟

 النتيجه :

 إنّ السيدة المعصومة ( عليها السلام ) ـ كسائر أخواتها ـ لم تتزوج ، وعدم تزويج الإمام لهن لا ينافي الترغيب والأمر بالزواج .

 وظاهرة عدم تزويج اكثر من إمام لبناته أو اخواته لهي ظاهرة تستحق دراسة أكثر ، وبحثاً أعم ، للتعرف على أسباب وملابسات هذه الظاهرة وتحليلها ، فهي حلقة من حلقات معناناة ومعايشة المعصومين ( عليهم السلام ) لظروف عصيبة ومختلفة . فعسى الله أن يفيض من يبحثها ويكشف عن غوامضها .

المصادر:

(1) منتهى الآمال ج 2 ص 380 - 381

 (2) تاريخ اليعقوبي : ج2 ص 415 .

أي ، الظاهر أن يكون لها محرماً فيستطيع أن يحجٌ بها ـ وليس بواجب عندنا ـ .

(3) أي دونه بقية إخوته .

(4) أي من إخوته .

(5) أصول الكافي : ج1 ص 316 ، وعيون اخبار الرضا : ج1 ص33 .

(6) أي الا براي ومشورة الإمام الرضا ( عليه السلام ) .

(7) أصول الكافي : ج1 ص 317 .

(8) عيون أخبار الرضا : ج1 ص37 .

(9) أي بنات وحفيدات الإمام الرضا ( عليه السلام ) ، فهنٌ ينسبن إليه فيقال : الرضائية .

(10) تاريخ قم ـ المترجم ـ ص 221 .

(11) بحار الانوار : ج14 ص 351 .

(12) فروع الكافي : ج2 ص5 .

(13) الضيعة : العقار ، والأرض ذات الغلة .

(14) عيون أخبار الرضا : ج1 ص 88 ح11 .


أسماء وألقاب السيده معصومه (عليها السلام)

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)