• عدد المراجعات :
  • 5286
  • 9/21/2012
  • تاريخ :

رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ

مسلسل يوسف

دروس من حياة يوسف (ع) -٥

 {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِه}.. هنا كيف نفسر همت به؟.. من الطبيعي أن ما كانت تنويه زليخا، كان أمرا واضحا.. فهي لا تريد إلا ذلك المنكر المعهود.

{وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ}.. لا ينبغي أن ننكر بأن يوسف لم يكن ملكا، بل هو بشر، وله ما للشباب في عنفوان شبابه.. وطبيعة الشاب في هذا السن، وخاصة مع المغريات المعهودة: المراودة، وإغلاق الأبواب!.. بالإضافة إلى أنها لم تكن امرأة عادية.. بل كانت في ضمن حرم العزيز، فمن الطبيعي أن كل هذه الدواعي موجبة للإثارة.

ولكن هذه الأمور كلها، لم تكن لتوجب أن يقترب يوسف من المنكر أبدا!.. لأنه {رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ}.. والبرهان هو ذلك السلطان، الذي يهيمن على القلب.. وذلك اليقين، الذي إذا دخل القلب كما يصفه علي عليه السلام: (عظم الخالق في أنفسهم، فصغر ما دونه في أعينهم).. فهذا الواقع الخارجي، الذي هو زليخا بما أحاطها من عوامل الإثارة في جهة.. وبرهان الرب، أي الجمال الإلهي الذي كان يراه يوسف، وتذكر النعم الإلهية: فهو الذي أحسن مثواه، ومعرفة يوسف المعرفة اليقينية بعواقب الأمور، وفناء هذه الدنيا، وعاقبة الصابرين على المعاصي والمطيعين.. فإن كل هذه الأمور، وهذه المعاجين من الأمور التي أورثت يوسف ذلك اليقين، الذي جعله لا يبالي بما أمامه، في جهة أخرى.. بل وصل الأمر بيوسف كما نقرأ في الآيات اللاحقة -وهنا سر العظمة- أن يرى السجن أحب إليه مما هو فيه: فالسجن حيث الخلوة مع رب العالمين.. والسجن حيث انتفاء عوامل الإغراء.. والسجن حيث الذكر الخالص.. والسجن حيث الانقطاع إلى الله عز وجل.. فهذا أوفق لمزاج يوسف من هذا الوضع الذي كان قد وقع فيه.

{لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ}.. معنى ذلك أن الإغراء مهما كان عظيما، والجمال البشري مهما كان فتانا، والخلوة، والمراودة، وكل هذه الأمور.. فإن من يصل إلى اليقين، والاطمئنان بأن ما ادخره له الله عز وجل في الآخرة أعظم، عندئذ لن يرى أي أثر لهذه الإغراءات.

إن الشباب يسألون عن سر التفوق على  هذه الأمور!.. إن السر قد ذكر في هذه الآية، فلا يكفي أسلوب الوعظ دائما، والتخويف من عواقب الأمور.. فمثلا: شاب غرائزه مشتعلة، ويرى جمالا بشريا مثيرا مغريا.. فإذا لم تقدم له البديل، وإذا لم تفتح عينه على جمال أجمل وأبقى، لا يقاس بجمال المادة، سوف تزل قدمه في يوم من الأيام.

فإذن، إذا أراد أحدنا أن يتعالى على الشهوات بكل أنواعها، لا بد وأن يسلك هذا السبيل، وأن يصل إلى برهان من الله عز وجل، وإلى حالة يقين واطمئنان بأن ما ادخره الله عز وجل له في الآخرة، هو أفضل بكثير مما يرى في هذه الحياة الدنيا.. وما يريه لأوليائه في الدنيا من صور الجلال والجمال، هذا يشغله عن كل شيء.

{كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء}.. قال: {لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوء}، ولم يقل: نصرف يوسف عن السوء.. السوء هو الذي يُصرف عن يوسف، والفحشاء هي التي تصرف عن يوسف.. بمعنى أن الفحشاء لا تقترب، والسوء لا يقترب من يوسف، لعدم انسجام وملاءمة بين المقترِب والمقترَب منه.

{إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ}.. إن كلمة المخلَصين من الكلمات المعبرة في القرآن الكريم، ولا يستعمله القرآن الكريم، إلا في مواضع مخصوصة، عندما يريد أن يصف الناجين من كيد إبليس، فيستثني المخلَصين فحسب!.. وعندما يريد أن يذكر الذين صرف عنهم السوء والفحشاء، أيضا يذكر المخلَصين.. فالفارق فتحة وكسرة، وبينهما فارق كبير.. فالمخلِص هو الذي يحاول أن يتشبّه بالمخلَصين، ويحاول أن يكون مخلصا، وأن يدعي الإخلاص في موقف، أو في موقفين، أو أقل من ذلك، أو أكثر.. ولكن المخلَص هو ذلك الذي اجتباه رب العالمين، والذي أُمضيَ إخلاصه، والذي قُبلَ إخلاصه.. ألم نقل في نبي الله أيوب {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا}.. لا يجد نفسه صابرا، الله وجده صابرا.. فالمخلِص يجد نفسه مخلِصا، ولكن المخلَص وجده الله مخلِصا، فاجتباه فجعله في هذه الدائرة المقدسة.. فهۆلاء لا طمع لإبليس فيهم، لأن الله عز وجل جعلهم في دائرة حمايته.

مسلسل يوسف

{وَاسُتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ}.. إنها هي المهاجمة، وهو مدبر عنها، بظهره وبقلبه، فخرج هاربا منها.. إن شبابنا اليوم، إذا رأوا شهوة بسيطة، يهجمون على الشهوات.. ويوسف بما أوتي من البرهان، يفر فرارا من هذا المنكر.. فإذا وصل الإنسان إلى مرحلة استقذار المنكر فقد فاز، وإذا وصل إلى مرحلة يجد المنكر مما يُقرف منه، ومما يُستقذر، فقد فاز.. وهنا فرار يوسف، فرارٌ من القبيح، فلا يفر ونفسه تنازعه إلى المنكر.. وليس حاله لسان حال ذلك الشاعر حيث يقول: هوى ناقتي خلفي وقدامي الهوى * وإني وإياها لمختلفان  نحن مثلنا مثل الناقة التي لها فصيل في بلد، ويريد صاحب الناقة أن يسوق ناقته إلى بلد آخر.. والناقة تسير وحنينها إلى الفصيل الذي ترك في البلد.. ونحن هكذا، هوانا في هذه النفس الصغيرة، التي عودناها على ما هو الفاني.. ولكن يوسف ليس كذلك.

{وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ}.. هكذا أراد الله عز وجل أن يفضح زليخا، فغلّقت الأبواب، على ظنٍ منها أن الأمر لن ينكشف، ويبقى سرا مكتوما بينها وبين يوسف.. ولكن بمجرد أن استبقا الباب، وإذا بالسيد يرى هذا المنظر.. فقد رأى خرق القميص من الخلف، ومعنى ذلك أن هناك هجوما منها.

اعداد :سيد مرتضى محمدي


الشيطان في المرصاد

اليد الإلهية

رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)