• عدد المراجعات :
  • 1600
  • 6/26/2012
  • تاريخ :

الربيع الذي لم يدركه نيروز

حلبجه

(حلبشيما) هو الاسم الذي اطلقه الاعلام على مدينة (حلبجة) تيمنا بما تستحضره مدينة هيروشيما اليابانية من صور الرعب والدمار، فصلة القربى بين المدينتين هي لكارثة البشرية وبشاعة الفعل، في صور الاطفال النازفين بين صدور امهاتهم والرمادفي صور النساء والرجال الذين اغلقوا عيونهم على مناظر عيون اطفالهم وهي تنط من محاجرها محتضنين برك الدم. ولطالما سمعنا وشاهدنا الكثير من التقارير والصور، الا انها مهما بلغت لا تغني عن زيارتها وتلمس ذكريات جراحها عن كثب، في كلمات سكانها ممن نجوا من الامطار السامة للاسلحة الكيمياوية، في بقايا اشجارها واكواخها وعشبها وطيورها وحيواناتها التي لم يستثنها الاعصار الوحشي يوم 1988/3/16 في الوقت الذي كانت تستعد فيه لاستقبال نيروز بكامل حلتها الربيعية الزاهية التي استحالت رمادا، فلا نيروز ادرك ربيعها ولا البنات دشن الثياب البراقة للدبكات في استقباله..

الألوان الفاقعة للموت...

لا احد يتخيل، كم كان مروعا حجم الدمار، في ذلك الربيع الكارثي، ففي اذار من عام 1988، كانت القوات الايرانية قد اجتاحت المدينة وعبرتها حتى جسر (زه لم) ولايام قلائل كان السكان قد اعتادوا دوي المدافع والقصف من كلا الجانبين، حتى جاء الوعد المشؤوم، الساعة الحادية عشرة والنصف قبل الظهر من يوم 1988/3/16، اذ امتلأت اجواء المدينة باسراب من الطائرات القاصفة، يحمل بعضها بالونات لمعرفة اتجاه الريح، كان عدد الاسراب يتراوح بين 6 الى 12 طائرة تتناوب بقصف مكثف على المنازل والمزارع والشوارع والناس، فما كان من السكان الا الفرار العشوائي باتجاه الجبال، ولكن، الى اين؟ كانت الطائرات تلاحق الفارين من الجحيم، وتتعقب اثارهم خلف الجبال، داخل الاراضي الايرانية.

لم يستعمل المجرمون آنذاك نوعا واحدا من الاسلحة الكيمياوية، بل جربت جميع ما بحوزتها من انواع الخردل، وغازات الاعصاب، والدليل على ذلك تلبد سماء المدينة بسحب دخانية ذات الوان فاقعة، كما ذكر لنا بعض الناجين.. يا الهي اي احتفال بشع بالموت!! والدليل الاخر تنوع اشكال الموت وطبيعة الاصابات، لقد استهان ربيب الغجريات وسليل الغلظة والعنجهية، بالنفس البشرية، بالروح هبة الباري عز وجل، وبالجسد البشري الذي خلق في احسن تقويم، فكان الموت محتوما، لكن صوره متنوعة.

فمنهم من مات حرقا، ومنهم من مات اختناقا او انتفاخا، ومنهم من ازرق جسده وجحظت عيناه حتى خرجتا من محجريهما، ومنهم من بكى اوضحك بهستريا حتى فارق الحياة، افهل كان العالم في سبات يا ترى؟ ام ان الضمائر كانت منزوعة ساعتها؟ الهذه الدرجة كان العالم متواطئا مع الدكتاتور الهذا الحد كان العرب يعدونه (مهديهم المنتظر) فيغضوا الطرف عن جرائمه او يعدونها انتصارات لنشر العدل بعدما ملئت الارض ظلما وجورا؟ معاذ الله من ان نشبه سليل الشر والكراهية، وبطل الجحور العفنة بمخلوق، وجل اسم المهدي (عج) عن ان يذكر بمكان، يذكر فيه ذلك الوغد المقيت الذي افل بسقوطه عصر الاستبداد بلا رجعة، واشرقت شمس الامل على ربوع البلاد.

حلبجه

يذكر ان انباء تسربت، بصورة ضئيلة ومبسترة من هنا وهناك، لكن الاذان - على ما يبدو - كانت متخمة وقد اصمها رنين الخطب، فلم تجد متسعا، ليشنفها خبر، لا يعني سوى خمسة الاف ضحية بين شاب وصبية وطفل رضيع وشيخ وامراة وعجوز، وعدد من المعاقين والجرحى ومئات الحيوانات من الاغنام والشياه وغيرها التي نفقت في الطرقات ومئات الطيور التي تيبست جثثها البريئة على اغصان الشجر المحترق، في حلبجة التي تحولت الى مختبر كيميائي لحمم الجحيم في وضح النهار، حتى ان المؤتمر الاسلامي الذي عقد بعد ايام قلائل من الكارثة لم يكلف نفسه عناء الاستفسار، عما اذا كانت تلك الانباء صحيحة ام لا...

حكايات على لسان الناجين من الجحيم..

بجوار مقبرة قديمة دفنت الشفلات ما يقارب 1500 جثة من الشهداء وقد اقامت الجهات المسؤولة مقبرة رمزية من الشواهد على كل شاهدة كتب عدد من اسماء الشهداء البالغين (5000) خمسة الاف ضحية بحسب اكثر الاحصاءات موضوعية، عدا من وافتهم المنايا في المخيمات والمستشفيات الايرانية، ودفنوا خارج الوطن، يتوسط المقبرة نصب تذكاري من المرمر لفتاة رفعت يديها الى السماء، صارخة مقطعة سلاسل العبودية والموت، كانها تستصرخ الانسانية جمعاء، وتشق ستار الصمت الذي اطبق حول الكارثة وتستحضر في ذاكرة العالم عقدة الذنب، لكي لا تكون على الارض حلبجة ثانية، تلك هي حلبجة التي لم يتحرر سكانها الناجون من الجحيم، وشهود الكارثة من عقدة ذلك الربيع الاسود.

كنت واقفا مغرورق العينين، حابسا بين جوانحي عبرة، وفي حلقي مرارة وغصة، اتأمل الشواهد، عوائل باكملها اندثرت ومحي اثرها، ولم يبق منها سوى اسماء محفورة على شواهد مرمرية، تغطيها الثلوج تاره، وتارة تغسلها الشمس بشعاعها... كاكه كان مثل يوم الحشر..) بهذه العبارة المباغته، شق علي صمتي واطراقتي (حبيب حسن علي) وهو احد الناجين، يبلغ من العمر (70 عاما) ويعمل حاليا في مقبرة الشهداء، فقد العديد من ذويه واقاربه... يقول هربنا الى قرية (عبابيلي) لكن الروائح الكريهة للدخان كانت تلاحقنا، ففر الناس متوجهين نحو الجبال، لا احد يعلم الى اين يتجه، ولا احد يعرف ما الذي حل بولده او اخيه او امراته او والده او والدته، ولا احد يتذكر، او يسأل عن جاره او اقاربه، كان المهم ان ينجو الانسان بنفسه، واكد ناج اخر، وهو عبدالرحمن عزيز امين البالغ من العمر (44 عاما) وهو المفوض المسؤول عن حراسة المقبرة، قائلا: لقد راينا كيف تذهل كل مرضعة عما ارضعت، وكيف يفر المرء من صاحبته وذويه، وكيف يكون سكارى وما هم بسكارى، تماما كما صورها الباري عز وجل في محكم كتابه، ولكن ليس من عذاب الله، بل من عذاب المجرم (صدام) وقنابل الموت التي اعدها لقيامة حلبجة، واضاف بأنه لم يلتق باهله الا بعد مرور شهر على الكارثة في احد المخيمات التي فتحتها حين ذاك، الجمهورية الاسلامية، وقد استشهد اخي في مستشفى ايراني، ثم يكمل كاكه حبيب حديثه قائلا: ما كان بامكاننا الفرار الا باتجاه قريتين ايرانيتين هما سازان وطويلة، والمصيبة ان الطائرات تعقبت اثارنا داخل الاراضي الايرانية، فكانت نجاة البعض منا، من باب المعجزات.

ان الزائر لمدينة حلبجة لا يشقى في العثور على عشرات الناجين من شهود العيان وعلى كم هائل من الحكايات القاسية التي تجري على ألسنة الناس كما يجري المثل السائر وهناك صور ناطقة وقبور وبيوت عليها آثار من رحلوا وجرحى ومعاقون وولادات”‌ هيروشيمية “ او”‌ حلبشيمية “ مشوهة وحالات عقم مشترك نسائية ورجالية، واضطرابات مناعية ونفسية، واحباطات ما تزال آثارها على ملامح السكان وسحناتهم، وقد بدوا لي كما لو انهم يتجولون في مدينة اسطورية لم تفارقها اشباح وارواح قاطنيها منذ الاف السنين على شاكلة سدوم او ارم ذات العماد اولئك السكان الذين يعلم الله كم عانوا من وحشة مدينتهم، بعد ان حط شبح الموت على سقوف منازلها ليخطف في ضحى نهار آذاري اكثر من خمسة الاف ضحية، مخلفا اكثر من عشرة الاف جريح ومئات المشردين والمفقودين ويعلم الله كيف عادوا الى تلك البيوت التي كانت عامرة بالاطفال والنساء والشيوخ والشباب عامرة بانفاس الاجداد والجدات والاباء والامهات والزوجات والابناء والبنات والاخوات والاخوة والاصدقاء والاحبة، وقد تحولت الى خرائب ينعق بها غراب الخراب ويقطنها البوم، وساعد الله قلوب الناجين العائدين الى ديارهم كيف استطاعوا ان يلموا اشلاء قتلاهم من الازقة والشوارع، ومنحدرات الجبال والسواقي، والسراديب وباحات البيوت وعتباتها..

روز حلبجي الشاعرة الكردية التي نالت اكثر من جائزة في مهرجانات الشعر الكردي واصدرت اكثر من مجموعة شعرية، كانت احدى الناجيات تقول: في عام 1975 تعرفت على الموت لاول مرة ساعتها كنت العب مع صديقاتي في الزقاق ولم اكن قد بلغت السادسة من عمري حين جاءت طائرات العبثيين الاوغاد لتقصف قريتنا ثم عشته اكثر من مرة اثناء كارثة حلبجه حين فقدت امي واخواني واخواتي ونجوت انا وابي بعد اصابتنا بجروح وحروق، عولجت اثر ذلك في مستشفيات اجنبية عن طريق بعض المنظمات الانسانية ولولا ذلك لفقدت بصري، روز حلبجي ما زالت ترى الموت بذاكرة طفولية على الرغم مما اخذه منها ما زالت تردد: الموت حلو.. نعم.. انا رأيت الموت شيئا حلوا، وهذا ليس من شعرها انما من حديثها لي، الذي بالكاد نطقته بالعربية وكان مشوبا بانفعال وايماءات طفولية، ولهذه الشاعرة سليلة المآسي هوس بالشعر وانتماء لا ينافسها سوى انتمائها لمدينتها التي خلدها الموت..

كل شي في حلبجه شهيد، ليس الابرياء الذين كانوا ضحية الغازات الكيمياوية ورحلوا وهم على ابشع صور الموت فحسب، انما الجرحى والناجون هم شهداء ايضا وكانت الشياه والاغنام والجداء التي ملأت جثثها الشوارع والمنازل والاكواخ والازهار واشجار الفاكهة والعشب كل ذلك في عداد الشهداء كما كانت الطيور والدواجن التي تساقطت او تيبست على الاشجار شهيدة، والنسمة الربيعية التي لوثتها سموم الكراهية والحقد كانت شهيدة، كما كان نيروز حلبجه وربيعها وشمسها وقمرها ونجومها كل شيء كان شهيدا حتى الماء والثياب وذكريات الصبايا والصبيان المحفورة على جذوع الشجر.. كل شيء كان شهيدا وما يزال شهيدا..


 

تأريخ إنتاج و إستخدام الأسلحة الكيميائية 

اول من استعمل الاسلحة الكيمياوية

العراق يستخدم القنابل الکيماوية

الشعب الكردي ونصيبه من الاسلحة الكيمياوية

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)