• عدد المراجعات :
  • 2524
  • 3/9/2012
  • تاريخ :

الرفق بالحيوان في السنة (1)

لانه

الرفق مع الاقتدار ، مبدأ ، وليس وسيلة لتحقيق غاية آنية أو مرحلية ، من هنا فليس هناك حدّ زمني بين الرفق وضدّه ، بل قد يكون هناك حدّ تفرضه طبيعة سلوك الطرف الآخر المقصود بالرفق ، طبيعة سلوكه وليس ذاته.. فالتحوّل مع الطفل من الرفق الظاهر إلى التأديب اللازم أمر يفرضه سلوك الطفل لا ذات الطفولة التي كنا قبل صدور هذا السلوك نتعامل معها بالرفق كلّه.. وكذا فالذات الاِنسانية أيضاً لا تحتكر الرفق لنفسها ، بل تشاركها فيه كلّ ذوات الاَرواح ، وحتّى النبات ، وربما الجمادات الميتة أيضاً ، فلربما رأيتَ صبياً يعبث بالحصى بكلِّ عنف ، يهشم ويحطم ، فأخذتك على هذه الحصى شفقة ، أو أثار فيك المنظر اشمئزازاً . وهذا شأن الخُلق حين يكون متأصلاً في الفطرة ، فكيف بك وأنت ترى معتوهاً يبطش ببهيمة ضعيفة لا تملك الدفاع عن نفسها ولا حيلة لها بالفرار من بين يديه ، إلاّ أنها تصرخ وتجأر بكلِّ ما تحسبه يرقّق القلوب ويستدرّ العواطف عليها من صوت ؟

وكم استغلّ الشذوذ البشري ضعف الحيوان وقلّة حيلته ليتخذه وسيلة للعبه وطيشه ، فيجري عليه تجارب طيش معتوه بفنون الحبس وفنون التعذيب ، وربما اتخذها مخبراً لقدراته في الصيد ، فيجندل منها حتى يروّي غروره فيعود منتفخ الصدر ومن ورائه عشرات الجثث الهامدة من أنواع الحيوان التي كانت تملاَ الصحارى والحقول والاَنهار والخلجان روحاً وحركة وزينة وحياة..

فإذا كان الاِسلام دين الهداية الحقّة الذي أخذ على عاتقه مسؤولية نظم الحياة واعمار الدنيا ، فلا تفوته العناية بالحيوان وحفظ حقّه ، بعد أن أعطى الاِنسان ما يستحقه ، بل بعد أن تعدّت رعايته للنبات الذي جعل تعاهده ورعايته عبادةً جزاؤها الثواب العظيم ، وأعطى في الجنة شجرة تضلّه لمن غرس في الدنيا مثلها ، وزاد على ذلك أن نفخ في رُوع تابعه أن لو كانت بيدك فسيلة ، وليس بينك وبين قيام الساعة إلاّ أن تغرس هذه الفسيلة فاغرسها قبل قيام الساعة !

ترى كيف كانت رعايته للحيوان الذي يعيش مع الاِنسان ويساهم في اعمار دنياه ؟

صاحبة السفر :

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « إنَّ الله يحب الرفق ويعين عليه ، فإذا ركبتم الدواب العجف فأنزلوها منازلها ، فإن كانت الارض مجدبة فانجوا عنها ، وإن كانت مخصبة فأنزلوها منازلها » (1).

إنّها تحملكم وتحمل أثقالكم ، وكلّ عزائها أن تمرّ بأرض مخصبة تنهش منها أو ترتع فيها فتقوى على أمرها وتخفّف العناء عن نفسها ، فلاتصنعوا معها صنع الحانق الناقم ، أو الغافل الذي همّه نفسه وقد هيّأ لها الماء والزاد والراحلة دون أن يشعر بأن راحلته لها روح مثله ، فهي تضمأ وتجوع وتجهد مثله..

وفي المعنى ذاته قال أبو جعفر الباقر عليه السلام : « إذا سرت في أرض خصبة فارفق بالسير ، واذا سرت في أرض مجدبة فعجّل بالسير » (2).

وذاك الذي همّه نفسه ، سيهرع إذا بلغ مقصده إلى أدنى فراش طلباً للاسترخاء ، ويدعو عاجلاً بالماء والطعام فلقد أضناه السفر.. تاركاً وراءه ظهراً حمله الطريق كلّه ، لاَنّه لا يملك نطقاً يفصح فيه عن عنائه وحاجته ، وربما لو نطقت أيضاً لما كان حظّها أحسن عند هؤلاء !! ولهؤلاء يقول رسول الاِسلام صلى الله عليه وآله وسلم : « من سافر منكم بدابةٍ فليبدأ حين ينزل بعلفها وسقيها»(3) قبل ان ينشغل بطعام نفسه وسقيها..

حقوق الحيوان :

إنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم أبصر ناقة معقولة وعليها جَهازها ، فقال: « أين صاحب هذه الراحلة ، ألا تتقي الله فيها ، إما أن تعلفها ، وإما أن ترسلها حتى تبتغي لنفسها» (4) . هذه هي العدالة النموذجية .

النبي ينصب محكمة لمن يترك الحمل على البعير في حالة توقفه عن السير ولا يدعه يستريح خلال هذا التوقف .

لا تتخذوها كراسي :

 قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « اركبوا هذه الدواب سالمة وتَّدعوها سالمة ، ولاتتخذوها كراسي لاَحاديثكم في الطرق والاَسواق ، فربّ مركوبة خير من راكبها وأكثر ذكراً لله تبارك وتعالى منه » (5)!.

فليس من حق المستخدم للدابة في الحمل والتنقل أن يتخذ منها كرسياً لحديثه وتأمّله وتفرّجه ، فيوقفها وهو على ظهرها من أجل التأمل بمنظر أو الحديث مع شخص ، بل يلزمه النزول من على ظهرها حتى يقضي حاجته ثم يمتطيها لسفره .

ثم يلزمه أن لا يركبها إلاّ وهي سالمة حتى لا يجهدها ويشق عليها ، ويضيف بذلك علة مرضية اُخرى إلى علتها الاولى كما هو ملزم أيضاً أن ينزل من عليها وهي سالمة وهذا يعني مراعاتها في سفره في الاكل والشرب والراحة .

ضرب الدابة :

حج علي بن الحسين عليهما السلام على ناقة أربعين حجة فما قرعها بسوط سوط سوط (6).

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « اضربوها على النفار ولا تضربوها على العثار » (7).

وضربها على النفار تأديب لها على الوضع الطبيعي الذي لا يخرجها عن مهمتها التي شاءها الله لها في الطاعة عند التسفير من حيثُ كونها مسخرة للانسان ، وقد ذللها الله له ، أي جعلها سهلة الانقياد ، والضرب ُ حال ترويضها وتأديبها عندما تنفر لا يمنع منه الاِسلام ويقبله العقل . أما في حالة عثارها فهذا أمر لا يتعمده الحيوان بل هو يجري عليه دون اختيار. كما يحصل للانسان ، أيضاً فمن المنطقي أن لا يؤاخذ عليه الحيوان ، وهذا ما جاءت به الشريعة الغراء .

هذه التعاليم المباركة قد لا يجد فيها إنسان العصر الحديث شيئاً جديداً في الرفق واللطف ، أما في ذلك الزمن البعيد وقبل أربعة عشر قرن فهي تعاليم جديدة أوقدت مصباح الرفق في دنيا الغلظة وحنادس الجهل(8).

اعداد وتقديم: سيد مرتضى محمدي

القسم العربي – تبيان

المصدر:

(1) الكافي 2 : 120 | 12 باب الرفق .

(2) من لا يحضره الفقيه 2 : 190 | 6 باب 91 .

(3) من لا يحضره الفقيه 2 : 189 | 5 باب 91 .

(4) كنز العمال : خبر 24983 .

(5) كنز العمال : خبر 24957 . مستدرك الوسائل 2 : 50 .

(6) وسائل الشيعة 8 : 352 .

(7) الكافي 6 : 539 | 12 باب نوادر في الدواب كتاب الدواجن .

(8) للمزيد راجع حقوق الدابة المندوبة والواجبة في كتاب وسائل الشيعة 8 : باب 9 .


الـرفق آفاقه وفلسفته

الرفق والاِيمان

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)