• عدد المراجعات :
  • 3083
  • 3/9/2012
  • تاريخ :

نماذج من الجانب التربوي في شعر الأطفال

كان الشعر عند الأقدمين أحد العوامل المساعدة في تربية الطفل, لما يحمله من قيم, وما له من تأثير في فصاحة اللسان, وقوة البيان! وقد نُقل: "علموا أولادكم السباحة والفروسية, وروّوهم ما سار من المَثَل, وحسن من الشعر" (1)

وأن هشام بن عبدالملك قال لمعلم ولده: وأول ما أوصيك به, أن تأخذه بكتاب الله, ثم روِّ من الشعر أحسنه, ثم تخلل به في أحياء العرب, فخُذْ من صالح شعرهم" (2)

يقول د. نجيب الكيلاني: " إن الشعر رافد مهم من روافد ثقافة الطفل, وهو في نفس الوقت مصدر متعة وسعادة, ويُعَدُّ من أقوى المؤثرات في تربية الذوق الفني, والحس الجمالي, لما يجتمع له من حلاوة الإيقاع, ورشاقة التعبير, وجاذبية الصورة, وهو بذلك يؤدي وظيفة مهمة, ذات أبعاد عدة, عقدية, وجمالية, وشعورية, ووجدانية, وفكرية!! ولهذا يستفيد الأطفال كثيراً من سماع الشعر وحفظه, إذا كان مناسباً لهم من جهة ألفاظه, وأفكاره, وأوزانه, وصوره فنية". (3)

وقد حفل الشعر الإسلامي المعاصر بالعدد الوفير من دواوين الشعر المخصص ابتداء للأطفال, وقد طرق من الموضوعات مماله علاقة بالطفل, واهتماماته, ومما يراد له أن يكون عليه في سلوكه وتربيته.

ومن هذه الموضوعات موضوع الإنفاق في سبيل الله, وترغيب الأطفال به, وتحبيبهم به, وتربيتهم عليه, سواء في ذلك عن طريق تعريفهم بركن من أركان الإسلام, وتوضيح دوره في حياة المسلمين, أم بعرض صور اجتماعية من واقع الحياة، يتعاطف الطفل الصغير معها بما لديه من مخزون الفطرة براءةً وعاطفة وحناناً! فها هو ذا الشاعر محمود أبو الوفا في أشعاره الدينية للأطفال يبين أن الحياة تقوم على التعاون, وأن بناء الحياة يقوم على أساس من الإخاء, وأن من صور هذا الإخاء أن يعرف الأغنياء حق الفقراء في المال الذي وهبه الله لهم, يقول في أنشودة الزكاة:

زَكّوا فإنَّ الزكاه أسنى فروضِ العبادهْ

أرضيتَ عنك الإلهْ مارُحتَ تُرضي عبادهْ

حَقٌّ على الأغنياءْ رعايةُ الفقراءْ

حتى يقومَ البناءْ على أساس الإخاء

ولكن الشاعر يوسف العظم يُفصل بشكل أوضح, فيبين ما هي الزكاة؟ وممَّ تكون, ولمن تعطى؟ دون أن يغرق في التفصيلات, فيثير في نفس الطفل عاطفة الرحمة والشفقة من جهة, وعاطفة الخوف والرجاء من جهة أخرى, يقول في نشيد يحمل عنوان الزكاة, في كتابه أناشيد وأغاريد للجيل المسلم:

إبذُل من مالكَ مسرورا قمحاً ونقوداً وشعيرا

واحفَظْ مسكيناً وفقيرا وتجنَّبْ ويلاً وسعيرا

واطلبْ من خالقكَ الرحمهْ

ابذُل من مالك لاتندَمْ فزكاةُ المال بها تَغْنَمْ

وارحَمْ إخوانَكَ كي تُرْحَمْ في يوم الحشر غداً تسْلَمْ

من نار جهنَّمَ والنِّعْمَهْ

وإذا كانت الدعوة إلى الإنفاق تأخذ شكل الترغيب حيناً, فإنها تأخذ شكل الترهيب حيناً آخر, وهما عاطفتان أساسيتان في صقل النفس البشرية, وتربيتها, ويضرب يوسف العظم مثالاً لأولئك الذين تبخل نفوسهم, وتختل حقائق الإيمان في قلوبهم, بأهل الردة الذين امتنعوا عن دفع الزكاة, فيعرض صورة من وقائع التاريخ تظهر فيها بطولة أبي بكر الصديق في حرب المرتدين! يقول في أنشودة " حرب الردة ":

قد مَنَعَ الكفارُ وأغاروا خيلاً ورجالا

ومُسيلمةُ الكذابُ سعى في الناس فساداً وضلالا

وبدا كالليث أبو بكرٍ حَزْماً ومضاءً وجَلالا

سأقاتِلُ مَنْ يرتدُّ ولو مَنََعوني حبلاً وعِقالا

وبسيفِ اللهِ تحدّاهم وأراهم منه الأهوالا (4)

ويعرض شعراء آخرون لصورة من صور البذل والإنفاق في موسم من مواسم الطاعة, في يوم العيد, ويلفت نظر الأطفال إلى أن من معاني العيد أن يحس الجميع, وأن يشعروا بالفرحة وأن يشاركوا الفقراء الحلوى والألعاب, وفي الطعام والشراب يقول أحمد حسن القضاة في أنشودة ( الأطفال في العيد):

هَيَّا هَيَّا يا أولادْ ها قد زارتنا الأعيادْ

هاتوا الحلوى والألعابْ وطعاماً هاتوا وشرابْ

وادْعوا الأطفال الفقراءْ نأكلْ نلعبْ كالرفقاء

ولا ينسى أن يبرر هذه الدعوة, ويعلل هذا السلوك فيربطه بالدافع الحقيقي له:

فالديِّنُ يُطالِبُ بالعدلِ وتَساوي الأخوة والأهلِ

والرحمة بين الأخوانِ والشدة لذوي العدوان (5)

ويعرض آخر صورتين من صور الإحسان يتعلم الطفل منهما كيف يتعامل مع المحتاجين؟ وكيف يُحسن إلى البائسين؟من خلال البسمة التي ترتسم على شفتيه" عن أَبِي ذر ، قال: قال رَسُولُ الله: «تَبَسُّمُكَ في وَجْهِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ » (6). ومن خلال إعانة الآخرين, « والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه» (7), يقول الشاعر أحمد زرزور في أنشودة بعنوان: " الإحسان":

حينما تمنح يوماً بسمةً للحائرينْ

حينما تمنح حُزناً عن وجوه البائسين

هكذا يرضى الإلهْ وكذا تصفو الحياهْ

حينما ترفع ظلماً عن ضعيف يستجيرْ

حينما تصبح دوماً خيرَ عون ونصيرْ

هكذا المؤمن يسعى لحقوقِ اللهِ يرعى (8)

وهذه المفاهيم بعد أن تُغرس في نفس الطفل, ويتفاعل معها وتترسخ في أعماقه, فإنها ستظهر على شكل سلوك إسلامي يدل على إحساس مرهف, يتأثر بما يشاهد ويرى وتنعكس على مرآة نفسه الطاهرة, فتتحول إلى كلمات معبرة، يصغوها الشعراء على ألسنة الأطفال في صور شعرية جميلة, ففي أنشودة " اليتيم" لأحمد محمد الصديق في ديوان: أناشيد الطفل المسلم, يتحدث الطفل عن يتيم مَرَّ به, فاستوقفه منظره الحزين, ودموعه التي تهمي على خديه؟!:

سألتُه باهتمامٍ ماذا به؟ ما دهاهُ؟

عله يشتكي من سَقامٍ أمْ مالذي أبكاه؟

فقال في انكسارٍ أريد أمي الحبيبَهْ

فتتحرك مشاعر الخير في نفسه, وهو لا يكتفي بالحزن عليه, بل يريد أن يسعفه بعمل ما, ويخفف عنه أحزانه:

ذهبتُ أسأل حالا عنها, وأين تقيمُ؟

فقيل! تبغي محالا فإن هذا يتيمُ!

تراه دوماً ينادي أريد أمي الحبيبَهْ (9)

وهذا طفل آخر تتحرك في نفسه نوازع الخير على شكل عمل إيجابي يتحدث عن طفل فقير تمزقت ثيابه, وليس له بيت يؤويه, يقول الشاعر محمود مفلح على لسان هذا الطفل في أنشودة ( اعطف على الفقير):

دعوتُه لبيتنا لمجلسي الأثيرِ

أطعمتُه منْ خبزنا ولحمنا الوفيرِ

ألبستُه ثوبي الذي يفوح بالعطورِ

فقال لي: شكراً على عطائكَ الكثيرِ

أبي يقول دائماً: اعِطفْ على الفقير (10)

إن أدب الأطفال تربية ومسؤولية كما يقول الأستاذ محمد حسن بريغش (11) وإن كل نشاط بشري, فكري أو فني أو علمي أو عملي يستند إلى عقيدة ما, ولذلك وجب علينا أن نحدد هدفنا بوضوح في أدب الأطفال لأهميته ولخطورة النتائج المترتبة عليه, ومن المهم أن ينهض المختصون المخلصون بدراسة المضامين الخاصة بأدب الأطفال, والأهداف التي ينبغي أن تهدف إليها على أسس إسلامية واضحة حتى لا تتوزع الجهود أولاً, ثم تضيع الخطوات, وتتعدد الرؤى أو تتضارب بلا معرفة أخيراً.

وهذا يعكس الأهمية الخاصة بثقافة الطفل, ومضامين أدب الأطفال وشمولها على عناصر أساسية تحقق الخير لأبناء المستقبل, وتسهم في إعداد الأجيال إعداداً صالحاً!

 

الهوامش:

(1) أخرجه القراب في فضائل الرمي ( كنز العمال 11386).

(2) تاريخ دمشق 22/331 محاضرات الأدباء 1/75

(3) أدب الأطفال في ضوء الإسلام د. نجيب الكيلاني/ص 93.

(4) أناشيد محمود أبو الوفا الدينية/ص34 .

(5) أناشيد وأغاريد ليوسف العظم ص11.

(6) أخرجه الترمذي (1961) وقال: (هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ). وصححه ابن حبان (528).

(7) أخرجه مسلم 2699.

(8) مجلة براعم الإيمان العدد 150 والعدد 199.

(9) أناشيد الطفل المسلم لأحمد محمد الصديق. ج/2 ص18.

(10) غرد يا شبل الإسلام لمحمود مفلح ص11.

(11) أدب الأطفال تربية ومسؤولية لمحمد حسن بريغش ص


القراءة - تقويم طريقة القراءة لديك

القرائة- توفير المناخ المناسب  

الکتابة : إحساس و فن و هدف

لتطوير مهاراتك الكتابية

ممارسة القراءة بانتظام

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)