• عدد المراجعات :
  • 874
  • 1/8/2012
  • تاريخ :

خطر التحريف في النصوص الدينية

خطر التحريف في النصوص الدينية

ينتقد القرآن الكريم أولئك الذين يحرفون الكلم عن موضعه، ويشمل التحريف قسمين:

 الأول التلاعب في الحديث أو التأليف حذفاً أو إضافة، الأمر الذي يؤدي إلى اختلاف في المعنى، حيث لم تسلم الكتب القديمة من أيادي بعض الخونة دساً وتحريفاً، ولقد طال ذلك حتى دواوين الشعر مما يؤدي إلى إثارة المتاعب أمام الباحثين ويمكن إطلاق (التحريف اللفظي) على هذا النوع.

أما القسم الآخر من التحريف فهو (التحريف المعنوي) أي بقاء الألفاظ في أماكنها والعبارات في سبكها، ولكن التحريف هنا ينطلق من التأويل وممارسة نوع من التعسف في التفسير.

فالمنطق كصنعة يتضمن ما يسمى بالمغالطة، وهناك ثلاثة عشر نوعاً من المغالطة يتمكن المرء من خلالها خداع الآخرين، فمن يتقن هذه الصنعة لابد وأن يكون في مأمن من آثارها، مثلما يلم الطبيب بمختلف الأمراض فيكون في حيطة منها.

لقد كان عمار بن ياسر من كبار الصحابة الأجلاء. شهد في مكة بأم عينيه تعذيب والديه حتى الموت، وقد تعرض رضوان الله عليه للتعذيب حتى كاد أن يموت هو الآخر. وعندما هاجر إلى المدينة اشترك في بناء المسجد المعروف اليوم بمسجد النبي، وكان يعمل بهمة ونشاط والعرق يتصبب من جسده. وفي تلك الظروف قال النبي أمام جمع من أصحابه: عمار تقتله الفئة الباغية. وحديث الرسول هذا أشار إلى الآية الكريمة في قوله تعالى: ( وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) . الحجرات/ 9.

ولقد كان هذا الحديث في الحقيقة رسالة موجهة للمسلمين كي يكونوا على يقظة تامة. وأصبح عمار مقياساً وأساساً ينظر إليه المسلمون في تقييم الأمور، وتمر الأعوام وتندلع حرب صفين، وإذا بالإمام علي عليه السلام ومعه كبار الصحابة ومعهم عمار بن ياسر في جبهة، ومعاوية ومعه الغوغاء من أهل الشام في جبهة أخرى. وإذا بمعاوية يمارس نوعاً من التحريف المعنوي ويخدع أهل الشام بعد استشهاد عمار قائلاً: إن قاتل عمار هو علي وأصحابه الذين جاءوا به إلى الحرب فعلق أحد الحضور قائلاً: وإذن فقاتل حمزة هو النبي الذي جاء بحمزة إلى حرب أحد. وبالرغم من تفاهة هذا الاستدلال فقد خُدِعَ به الشاميون.

ينبغي أن يكون المسلمون يقظين تجاه النصوص الدينية وحمايتها من التحريف في اللفظ والمعنى. إن القرآن الكريم لا يمكن تحريفه على صعيد اللفظ أبداً ـ حذفاً أو إضافة ـ ولكن الخطر هو في التأويل والتفسير. وعلى المسلمين المحافظة عليه إذا أرادوا أن يحافظوا على أنفسهم.

أثر الذنب ومعاشرة الأشرار في أسوداد القلب

ورد في الحديث: "ما من شيء أفسد للقلب من خطيئة. إن القلب ليواقع الخطيئة به حتى تقلب عليه فيصير أعلاه أسفله" كما ورد في أحاديث اخرى أن النفس كالصفحة البيضاء فإذا أذنب الإنسان ذنباً ظهرت نقطة سوداء فإن ندم واستغفر اختفت وإن استمر في ارتكاب الذنوب توسعت تلك النقطة السوداء؛ فإن لم يتدارك نفسه تغلب المساحة السوداء، وحينها لا يبقى هناك من أمل في عودته إلى جادة الصواب.

ويشير الحديث إلى الآية الكريمة ( كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) . المطففين/14.

ليس العمل السيئ وحده الذي يؤثر في اسوداد القلب، بل هناك عوامل أخرى تؤثر على القلب سلباً وإيجاباً من بينها المحيط والبيئة والمعاشرة، فتأثير المعاشرة واضح جداً سواء على صعيد الخير أم الشر. إن من يعتقد بانتفاء أثر المعاشرة يغالط نفسه، ذلك أن الروح الآدمية شفافة سريعة التأثير حيث تجري التحولات داخل النفس دون شعور أو وعي لعدم ظهور الآثار المباشرة على الإنسان كما هو الحال في البدن، وللأسف لا توجد وسيلة لمعرفة ذلك لكي يمكن مثلاً أن يزن نفسه، وهل أصبحت روحه مثقلة مثلاً أم خفيفة.

يقول أمير المؤمنين علي عليه السلام: "واعلموا أن يسير الرياء شرك ومجالسة أهل الهوى منساة للإيمان". وهذه العبارة تكشف مدى تأثير المعاشرة على روح الإنسان وعلى شعلة الإيمان في القلب حيث تخبو شيئاً فشيئاً.

وإضافة إلى ذلك توجد عوامل أخرى تؤثر في اسوداد القلب سنبحثها في المستقبل بإذن الله.

وخلاصة الموضوع أن الإنسان لا يمكنه الوصول إلى الكمال دون إرادة منه، فتهذيب النفس للوصول بها إلى مدارج الكمال له أرضيته في روح الإنسان. قال تعالى: ( قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا ) . الشمس/ 9 ـ 10.

فالروح الإنسانية التي تنطوي على هذا الاستعداد في التكامل هي روح حية يمكنها النمو إذا ما توفرت لها الظروف المناسبة، ولهذا عبر القرآن عن الكافرين بأنهم موتى لفقدانهم ذلك الاستعداد في إشارة رائعة. قال تعالى: ( لِيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ)  يس: آية 70.

والقرآن ليس شعراً، ليس خيالاً لكي يمكن تجاوزه. القرآن كتاب حقائق يسلط الأضواء ويكشف ما خفي عن بصيرة الإنسان. الإنسان في نظر القرآن كائن حي متى وجد في أعماقه الاستعداد للرقي والتكامل في طريق الصلاح، فإذا انتفى هذا الجانب انتفت صفة الحياة في داخله كالبذرة التي لا يمكن لها أن تنمو، ولذا فإن الخطاب موجه لمن في أعماقه بذور الخير والتكامل، وهو دعوة إلى النمو في طريق الكمال.

المجاملات الكاذبة

عندما تقع عين الطفل على شيء كأن يكون لعبة أو طعاماً فإنه سرعان ما يظهر رغبة في ذلك، وإذا ما شعر بالحزن لسبب ما فإنه ينخرط في البكاء فوراً. غير أن الكبار ومراعاة للعادات والأعراف، وعلى أساس حفظ ما يسمى بالشأنية، فإنهم ينطوون على عواطفهم وأحاسيسهم بالكبت، فقد يصر المضيف مثلاً على ضيوفه في تناول الطعام ولكن الضيوف ومع رغبتهم يمتنعون عن ذلك.

لقد ورد في التاريخ أن رسول الله، وفي ليلة عرسه بعائشة تناول قدراً من الحليب الذي أحضرته عائشة ثم قدم الإناء إلى أم سلمة التي امتنعت مظهرة عدم رغبتها فقال الرسول ما معناه: أتجمعين الكذب بالجوع، وتساءلت أم سلمى وهل يسمى ذلك كذباً لو أعرض الإنسان عن تناول شيء من الطعام مجاملة أو حياءً؟ فأجاب الرسول: نعم!

العاطفة والحب والأحاسيس كلها أمور ضرورية، وإذا أصبحت الحياة عارية من العواطف كانت جافة وميتة وخالية من كل روح، ومن ضرورات العاطفة إبرازها لكي تقوم بدورها، فقد كان رسول الله يوصي بأن يبرز المرء حبه لأخيه وصديقه لكي تمتن العلاقة بينهما، وإذا كانت المجاملة تنهض على هذا الأساس من إظهار الحب والعاطفة والإحساس فما أحلاهما! غير أن الأمم التي لا تتمتع برقي أخلاقي واجتماعي تعاني من المجاملات الكاذبة، فمثلاً لو أراد شخصان دخول غرفة أو مغادرتها فإنهما ينفقان وقتاً طويلاً في من يدخل منهما أولاً في حين أن رغبة كل منهم تقديم نفسه على الآخر. أو ما يقوم به البعض حين يدعو أصدقاءه إلى وليمة من تصنع وتكلف، وهو في الواقع شكل من أشكال النفاق. والنفاق من مختصات البشر، وإذا وجد لدى الحيوانات فهو على درجات خفيفة، أمام الإنسان في هذا المضمار.

الإنسان المخادع والماكر هو في الواقع استغلال سيئ للطاقات البشرية في الرق والتكامل. إن إظهار الإنسان غير ما يبطن يجد له من المبررات المعقولة في بعض الأحيان، فقد يجد المرء نفسه مضطراً لإخفاء عقيدته في ظروف قاهرة، كما ينبغي للإنسان أن يخفي مشاعره الخاصة بالفرح أمام المنكوبين والمحزونين، وفي مقابل ذلك يستحب للإنسان أن يكون هشاً بشاً حتى وإن كان محزوناً لأمر من الأمور، عليه أن لا يعكس ذلك على وجهه، وهذا من حسن المعاشرة. إن ما ذكرنا هو من خصال الإنسان الحميدة التي تنشأ عن إحساس فطري يمكن أن ينقلب إلى صور من النفاق والخديعة حسب إرادة الإنسان.

إننا نلاح1 ومع الأسف، الكثير من الناس ممن يعتبرون النفاق والمكر والخديعة "شطارة" في حين يعتبرون الصدق والصراحة، ومع الأسف أيضاً، غلظة! كل ذلك انطلاقاً من اعتقادهم الخاطئ بأن الحياة إنما تسير بالنفاق والمكر والخديعة، غافلين عن الله وأن الله هو خير الماكرين وأن المكر مع الله هو الخسران المبين.

إن القرآن الكريم يذم المكر ويستنكر النفاق والمداهنة، وإن النجاحات التي يحققها الإنسان إثر ذلك سرعان ما تبور

وغن مصير ذلك هو الخسران، بينما تكون العاقبة للمتقين، أولئك الذين تنهض حياتهم على الصدق والحق والاستقامة، وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين 1.

اعداد وتقديم : سيد مرتضى محمدي

القسم العربي - تبيان

المصدر:

1-المواعظ والحكم / الشهيد مطهري ص 170_175


مقارنة بين صنع الله وصنع البشر لتوضيح معنى المعرفة الفطرية(2)

 مقارنة بين صنع الله وصنع البشر لتوضيح معنى المعرفة الفطرية(3)

الماركسية واللاأخلاق

نشأة العرفان و التصوف عند المسلمين

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)