• عدد المراجعات :
  • 479
  • 12/29/2011
  • تاريخ :

عاشوراء والإصلاح الشامل في الأمة

عاشوراء والإصلاح الشامل في الأمة

ليس في هذه الدنيا سوى سبيلين؛ سبيل الهدى الذي يؤدي بالإنسان إلى رضوان الله وجناته، وسبيل الضلال الذي يقوده إلى الجحيم. ولكل سبيل جهة وإمام وأمة؛ وجهة سبيل الله هي رضوانه تعالى، والذين يقودون الناس في هذا السبيل هم الأنبياء وأئمة الهدى، أما صبغة هذا السبيل فتتمثل في التوحيد الذي هو صبغة الله ومَنْ أحسن مِن الله صبغة.

 الصراع الأبدي بين الهدى والضلال

والصراع قائم أبداً بين هذين السبيلين، وكلّما كان قلب الإنسان زكياً طاهراً من رواسب الشرك ووجهته وصبغته، ومن الولاية للشيطان وأوليائه، كان أقرب إلى الله حتى يصبح من حزبه؛ أي من التجمع الذي يؤيده الله ويسدّده، وهذا هو حزب الله.

 وكم هي عظيمة فضيلة الإنسان الذي يسمو حتى يبلغ مستوى حزب الله، فهذا الحزب لا ينتمي إليه إلا من صفا قلبه، كما يشير إلى ذلك تعالى في الآية الأخيرة من سورة المجادلة: (لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمْ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْمُفْلِحُونَ) (المجادلة:22).

فلا يمكن أن يجتمع في قلب الإنسان الواحد الإيمان بالله والرسول والولاية لأعداء الله، فهل يمكن أن نتصور اجتماع الجنة مع النار؟

كلا بالطبں فالقلب المؤمن متميز عن ولاية الكفار، فإذا كان الإنسان مؤمناً فمن المستحيل أن يوادّ من حادّ الله ورسوله، ولو كان من آبائه أو أبنائه أو إخوانه أو عشيرته.. فحزب الله يفصلك عن كل الانتماءات، كالانتماء إلى العشيرة والوطن والإقليم والمهنة لتكون صبغتك الحقيقية صبغة التوحيد، فنحن ننتمي إلى العشيرة مثلاً في ظل التوحيد، أما إذا كانت هذه العشيرة كافرة فلا يجوز لنا أن ننتمي إليها، ولا يجوز أن نحبها ونوادّها وندافع عنها.

 يروي لنا التاريخ إن بعض المسلمين قَتَلوا في سبيل الله آباءهم في معركة بدر، فهذا الاستعداد للتضحية يرفع الإنسان المؤمن إلى مصاف حزب الله. أما الطرف الآخر فهو الحزب الذي استحوذ على أفراده الشيطان فأنساهم ذكر الله، فهم يقومون بالأعمال الباطلة، وإذا ذكّرتهم بالله لا يتذكرون، ولا يرتدعون، على عكس الإنسان المؤمن الذي تصفه الآيات القرآنية بقولها:(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) (الانفال:2)والذي ينتمي إلى حزب الشيطان يعيش دائماً حالة صراع مع الله ورسوله، يقول الله تعالى عنهم: (إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِم) (المجادلة:5).

ومن يعيش هذه الحالة فإنما هو في الأذلين، لأن الله تعالى يقول بصراحة: (كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) (المجادلة:21).

الإمام الحسين القيادة العليا لحزب الله

والإمام الحسين عليه السلام يمثل القيادة العليا لحزب الله، فالانتماء إليه عليه السلام هو في الحقيقة انتماء إلى حزب الله، ذلك لأنه تخلى عن كل زخارف الدنيا في لحظة واحدة.

 فالإنسان قد يضحي في الوقت الواحد بشيء واحد، ولكن الإمام الحسين عليه السلام ضحى بكل شيء في وقت واحد؛ فهو قد جسد المفهوم الحقيقي للتوحيد، وكان رمزاً للتضحية والفداء إلى درجة أنه ضحى حتى بطفله الرضيع، وكأن الإمام الحسين عليه السلام كان يبحث عن أي شيء يقرّبه إلى الله تعالى.

الإمام الحسين رمز التوحيد

وهكذا فقد كان الحسين عليه السلام رمزاً للتوحيد، وكان القيادة المثلى لحزب الله. ومن الجدير بالذكر هنا أن حركته عليه السلام كانت كحركة الأنبياء، فقد كانت حركة جذرية لم يهادن أو يداهن فيها مطلقاً، فقد كان يريد أن يقوّض الكيان الجاهلي الفاسد بكل تفاصيله، ليبني مكانه الكيان الإسلامي الرشيد، وهذه هي الحالة الجذرية. فالإصلاح الكامل هي صفة من صفات الأنبياء، فهم عليهم السلام يسيرون على خط واضح وعلى بصيرة، وهذه البصيرة تنفعنا في حياتنا كأشخاص، فينبغي علينا أن لا نفتش عن الأهداف الصغيرة، وعن الإصلاحات الجزئية، فلنفكر في تغيير أنفسنا بالاتجاه الصحيح، لأننا لن نستطيع أن نصلح أنفسنا بقوتنا وحولنا، بل بحول الله تعالى وقوته.

فلتكن همتنا عالية سامية، ولنحاول الإستفادة من كل شيء بأعلى درجة، وعلى سبيل المثال: لماذا لا نحاول أن نجعل صلاتنا رفيعة المستوى، ولماذا لا نحاول أن نجعلها صلاة الخاشعين، فالصلاة هي التي تقربنا إلى الله زلفى، وهي التي تحملنا إلى الجنة.

فلنعمل الأعمال الصالحة بروح ومحتوى، وهذا هو الذي نتعلّمه من الإمام الحسين عليه السلام. فلنتعلم ونحن نشترك في مجالس عزائه كيف تخشع قلوبنا، وتدمع عيوننا، ونصنع جواً إيمانياً نتزود منه، فنحن نقف على شاطئ ماء فرات لابد أن نرتوي منه، ولأن أَمَامنا طريق طويل فلابد أن نتسلح بالعزم والإيمان لمقاومة الشهوات، ولمحاربة الفتن.

فلنشارك في المجالس الحسينية ونحن نمتلك همّة عالية، ولنكن حسينيين قلباً وقالباً، وعلماً وعملاً، والله تعالى سوف يعطينا بدوره من خلال الحسين عليه السلام ما نريد، لأن بابه مفتوح، ورحمته واسعة.

حل جذري

هذا بالنسبة إلى الأشخاص، أما بالنسبة إلى العالم السياسي فعندما يكون العمل ظاهرياً فإننا لا نستطيع أن نقتلع المشاكل من الجذور، ولا تنفعنا في هذا المجال طريقة المداهنة والمساومة، فهي السبب فيما تعانيه أمتنا من المشاكل.

 فالحلول الجذرية - إذن- هي الحلول التي تستطيع أن تغير وجه التاريخ، لأنها تقتلع المشاكل التي نعاني منها من الجذور، فالحل الجذري في العالم السياسي هو أن نقتلع الأزمات والمشاكل من جذورها، وأن نحارب المرض محاربة جذرية.

ونحن نتعلم كل ذلك من الإمام الحسين عليه السلام فبنهضته استطاع أن يقتلع جذور بني أمية اقتلاعاً، فحوَّلهم إلى لعنة التاريخ، وأمثولة الدهر، ومرجم يرجمه البشر باللعنة، والملائكة بالويل.

 وهكذا استطاع أبو عبد الله الحسين عليه السلام أن يغير وجه التاريخ بنهضته الجبارة العملاقة، وهذا النهج هو الذي ينبغي أن نجعله قدوة لنا، ونعمل به.

اعداد و تقديم : سيد مرتضى محمدي

القسم العربي - تبيان


الإمام الحسين عليه السلام وامتحان الاختيار

ساعة الصفرواختيار الطريق

دقائق ولحظات من ساعات التوديع

البعد التربوي لواقعة الطف

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)