• عدد المراجعات :
  • 1231
  • 12/27/2011
  • تاريخ :

الحسين(ع) إماماً و مصباح الهداية

الحسين(ع) إماماً و مصباح الهدایة

 "ان الحسين مصباح هدى وسفينة نجاة"

لقد اصطفى الله من عباده الصالحين أئمة هداة، وجعلهم حججاً بالغة على جميع خلقه، وقال:

(وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ) (السجدة: 24)

 وقال سبحانه: (أولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) (الأنعام: 90).

 وقد يتساءَل البعض: لماذا الأئمة الهداة؟

أوَلم يكفِ البشرية رسولٌ واحد يستضيء بنوره الناس على مرّ العصور؟

الخسران المبين

أو تدري متى تتوقف عقارب الزمن، ويتكلّس العصر، ويتجمَّد الإنسان ويسوده التخلف، ويحكم الإرهاب، ويتسلط الظالمون؟

 تماماً عندما ترين على الأفئدة طبقة سوداء من الأفكار التبريرية والمعاذير الخادعة، فيتحلل كل الناس عن مسؤولياتهم، كلٌ باسم عذر مخادع، وبتبرير كاذب.

فيقول البسطاء والمستضعفون: إننا لا نعرف طريقاً لمقاومة الظالمين، إنما نحن بؤساء محرومون نتّبع كبراءنا وساداتنا أو السابقين الأولين من آبائنا، كما يصف القرآن الكريم ذلك بقوله: (أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَآ أَشْرَكَ ءَابَآؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ) (الاعراف: 173)

أما الأثرياء فهم يخافون الفقر ويخشون المساواة مع المحرومين، ويقولون: (إِن نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أرْضِنَآ) (القصص: 57)، ويقولون: (أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الاَرْذَلُونَ) (الشعراء: 111) 

بينما تجد أنصاف المثقفين وأدعياء الدين، يسكتون عن الباطل، ويداهنون الظالمين، ويرضون ببقايا موائد السلطان، فهم كما يصفهم القرآن: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً) (البقرة: 79)، ويقول عز من قائل: (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَوَاضِعِهِ)(المائدة:13)

 وإنّ هؤلاء هم أخطر الفئات على المجتمع، لأنهم يسرقون سلاح العلم والدين من أيدي المحرومين، ويضعونه بأيدي المستكبرين والطغاة لقاء دراهم معدودة.

وليس لا يقاومون الظلم والاستكبار فقط، وإنما يحذِّرون الناس من ذلك، ويشيعون بينهم أفكاراً سلبية وانهزامية، وما الأمثلة الجاهلية الشائعة حتى اليوم بين الطبقات المحرومة إلا من بقايا ثقافة وعاظ السلاطين وعبيد الطغاة من المتثقفين المنهزمين، وأدعياء الدين الذيليين.

إنهم أشاعوا بين الناس بأن: (السلطان ظل الله)، و: (إنّ من تسلط على الرقاب بالسيف فهو أحق الناس بالطاعة)، وإنّ: (حشر مع الناس عيد) وإن كان إلى سعير جهنم، وإن: (معنى التقيّة هو السكوت عن الطغاة)، وإنّ: (اليد التي لا تقدر على قطعها استسلم لها وقبّلها)، وإنّ: (من تزوج أمي فقد أصبح أبي وعمي).. وعشرات من الأفكار الشيطانية الزائفة.

 إنّ هذه الطبقة من زيف المعاذير الشيطانية، والأفكار الانهزامية والسلبية التي غلّفت أفئدة الناس بمختلف فئاتهم، كانت وراء فساد السلطة، وزيغ الثقافة، وسوء التربية، وانحطاط الأخلاق، والفقر، والظلم، والحرمان، وما يستتبع ذلك من العصيان والشرك والكفر.

 ضرورة القادة الهداة

لقد أودع الله في ضمير البشر فطرة طاهرة، وعقلاً نيّراً، ونفساً لوامة، وهو القائل: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا) (الشمس: 7-8) وأيّد ذلك الضمير برسالاته التي تواترت، وكتبه التي تواصلت.. وكلما امتدت يد التحريف إلى رسالة، وفسَّرها خدم السلاطين المترفين تفسيرات خاطئة، إبتعث الله رسولاً قائماً برسالات الله، ليكون حجة عليهم.

 ثم أكمل حجته بأوصياء هداة وصديقين شهداء، تصدوا للتأويلات الباطلة والتفسيرات التحريفية، حتى أبانوا الحق وأظهروه، ودحضوا الباطل وأسقطوه.

 إن أعظم محاور الرسالات وأعظم أهداف الرسل وخلفائهم، كان تبديد زيف التأويل الباطل عن الدين، ونفي الأعذار الشيطانية التي تخلّف الناس عن الدين بسببها.

 وقد خاض أنبياء الله وأولياؤه المؤمنون صراعاً مريراً من أجل نسف الأعذار والتأويلات الزائفة التي نشرها أدعياء الدين بين الناس، وسعوا جاهدين لكي يبقى مشعل الرسالة زكياً نقياً وضّاءً بعيداً عن زيف التبرير وزيغ التأويل، لكي لا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل.

لقد رسموا بجهادهم وجهدهم، وكذلك بدمائهم الزكية خط الرسالة التي تتحدى الطغاة المستكبرين في الأرض، المتسلطين على الناس زوراً وعدواناً، والمترفين المستغلين لجهود المستضعفين، والعلماء الفاسدين الخانعين اليائسين.

 من هنا جاءت ضرورة القادة الهداة الذين جعلهم الله أئمة يهدون بأمره، والذين هداهم ربهم لنقتدي بهداهم.

لما قدم معاوية بن أبي سفيان إلى المدينة حاجّاً ، وفيها مهّد لاستخلاف ولده يزيد ، ولكنّ الإمام الحسين ( عليه السلام ) رفض وقام ، فخطب فيهم، ثمّ قال :

«تُريدُ أن تَلبِسَ النّاسَ شُبهَةً يَسعَدُ بِهَا الباقى فى دُنياهُ وتَشقى بِها فى آخِرَتِكَ» ثم يقول: «إنَّ هذا لَهُوَ الخُسرانُ المُبينُ.» [1] وکلام الامام مقتبس من الاية

« وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى‏ حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَ إِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى‏ وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَ الْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبينُ»(الحج11)

والاية «قُلْ إِنَّ الْخاسِرينَ الَّذينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَ أَهْليهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبين‏»(زمر-15)

وكانت نهضة أبي عبد الله الحسين عليه السلام علماً بارزاً في طريق النجاة من "الخسران المبين" حيث كانت رسالة جده المصطفى عليه وعلى آله صلوات الله، أعظم انتفاضة للضمير، وتوهّج العقل، وأسمى إبتعاث لدين الله الخالص من زيغ التأويل وزيف التبرير.

لقد كانت المشكاة الصافية التي أضاء عبرها مصباح الوحي كل الآفاق، ولكن الشجرة الأموية الملعونة في القرآن، التي جسّدت في الجزيرة العربية دور فراعنة السلطة والثروة، ودهاة المكر والتضليل، والتي صدت عن سبيل الله والرسالة في بدر وأحد والأحزاب، لقد كانت هذه الشجرة لا تزال قائمة؛ وقد أوكلت مهمة إجتثاثها وتصفية الرواسب الجاهلية التي تغذيها إلى أوصياء الرسول صلى الله عليه وآله.

 وها هم ـ أغصان الشجرة الملعونة ـ طفقوا يتسللون إلى المجتمع الاسلامي الناشئ ليزرعوا فيه بذور النفاق والشقاق، إنهم كما الخلايا السرطانية إمتدوا إلى كل نفس طامعة، وقلب حاقد، ومستكبر يتوثّب للسلطة، ومترف يبحث عن مصالحه.

وفي غفلة من الزمن تحققت رؤيا رسول الله صلى الله عليه وآله الذي أخبر أصحابه عنها ذات يوم أنه رأى قردة ينزون على منبره.. فإذا بالحزب الأموي الاستكباري يستغل الأوضاع المتوترة في عهد عثمان، ويقوم بما يشبه إنقلاباً عسكرياً يقوده معاوية ابن أبي سفيان، ويخوض أصحاب النبي الميامين بقيادة أميرهم المقدام وإمامهم الهمام سيد الأوصياء علي بن أبي طالب عليه السلام يخوضون ضدهم حرباً ضروساً في صفين لا تختلف عن حروب رسول الله ضد سلطة قريش.

وإذا سقط الإمام علي عليه السلام شهيداً في محراب الكوفة بسيف غادر شحذه بنو أمية، وإذا مضى نجله الإمام الحسن عليه السلام مسموماً ضمن مؤامرة أموية، فإنّ للإمام الحسين عليه السلام دوراً متميزاً في كربلاء، لكي يقتلع جذور هذه الشجرة الخبيثة بإذن الله، ويهزم سيف البغي والعدوان بالدم المظلوم، ولا يكون هنا غدر ابن ملجم، وسمّ جعدة.

 كلا؛ لقد جاء دور المواجهة السافرة.

 كربلاء مشعل كشف الزيف

وهكذا أصبحت ملحمة كربلاء رمز المواجهة بين الحنيفية البيضاء والشرك المتلصص، بين الحق الخالص الصريح والباطل المدّنس المزخرف، بين الشجاعة والبطولة والتحدي وبين التذبذب والانطواء والتبرير.

 وأصبح الإمام الحسين لواءً منشوراً لكل من يريد مقاومة الحكام المتسترين بالدين، وتحريف أنصاف العلماء ـ وعاظ السلاطين ـ الخونة للدين، وسكوت المتثقفين المتظاهرين الذين أضحوا سلاحاً فتاكاً على الدين الحق، و ضد الخط الإيماني الصادق.

 وهكذا أضاء أبو عبد الله الحسين عليه السلام على امتداد التاريخ درب المؤمنين المستضعفين الذي تآمر ضدهم ثالوث النفاق والدجل والجبن، هؤلاء المحرومين الذي تظاهر ضدهم المهووسون بالسلطة، ووعاظ السلاطين، والمترفون مصاصو دماء الفقراء.

وأية راية حق حاربت من أجل الله حملت شعار (يا لثارات الحسين)، وأي تجمع صالح قرر التحدي وَضَعَ نصب عينيه دروس كربلاء، وأي رجل عقد العزم على أن يكون فداء لدينه كان مثاله الأسمى السبط الشهيد.

 وتبقى حاجتنا إلى مشعل سيد الشهداء ما دمنا نواجه نفاقاً أموياً، ودجلاً شريحياً، وخيانة كالتي كانت عند أهل الكوفة.. وأنّى يكون لنا اليوم الذي نتخلص فيه من هذا الثالوث الخبيث؟

 كلا؛ ما دامت الدنيا باقية فإن فتن الشيطان ووساوسه قائمة، وليس بالضرورة أن يكون المنافق أموياً سافراً، أو شريحاً قاضياً عنده كما وعاظ السلاطين، أو جبناء متظاهرين بالخيانة.

 كلا؛ ليس بالضرورة أن يكون كذلك، فقد يكون المنافق متظاهراً بحب السبط الشهيد، والدجال متحدثاً باسمه، والجبان ينضوي تحت لوائه.. أو لم يرق أحدهم منبر الحسين فقال: مالنا والدخول بين السلاطين، محرِّماً تعاطي السياسة؟ ولم يفكر أن المنبر الذي إرتقاه لم يقم إلا على دماء السبط الشهيد عليه السلام، وأن الإمام الحسين أعلن بكل صراحة أن مثله لا يبايع مثل يزيد؟

إن الشيطان الذي حرّف كتاب الله المبين، وفسّر سيرة سيد المرسلين، وحكم باسم كتاب الله وتحت شعار خليفة رسول الله بالجور والعدوان، إنه قادر أيضاً على تحريف نهج الحسين، وتفسير واقعة كربلاء بما يخدم مصالحه ويتماشى وأهواءَه النفسانية.

من هنا كان على الذين وعوا حكمة النهضة الحسينية، وعقدوا العزم على أن يعيشوا نهج سيد الشهداء رغم الصعاب، والذين تساموا إلى حيث جوهر الإسلام وروح الإيمان وعصارة تاريخ الأنبياء.. إلى حيث الصراع ضد الجبت والطاغوت، على هؤلاء أن لا يدعوا راية السبط الشهيد تُسرق من قبل الدجالين والمنافقين والمترفين، فإذا بهم يحاربون نهج الحسين باسم الحسين، كما حارب بنو أمية نهج رسول الله باسم رسول الله، ونهج كتاب الله باسم كتاب الله.

فليس مقبولاً أن نعيش دهراً على شاطئ الحسين عليه السلام محرومين من ماء الحياة، من العزم الحسيني، من الشجاعة الحسينية، من العطاء الحسيني، من الكرم والإيثار، من المواجهة والتحدي.. من كل تلك المعطيات التي زخرت بها ملحمة كربلاء الثائرة.

إن الحسين كما جاء في حديث جده المصطفى صلى الله عليه وآله: "مصباح هدى وسفينة نجاة"[2]، وأنه من الرسول والرسول منه[3]، إنه إمام المسلمين وحجة الله، وهو أعظم من مجرد تراجيديا. كما إنّ كربلاء أسمى من مجرد فلكلور، إنه وريث الأنبياء وترجمان الأوصياء وقدوة الأتقياء، إنه مدرسة التوحيد.

ومن هنا يجدر بنا أن نتخذه إماماً في كل مناهجه وشرائعه[4].

المصادر:

 [1] الإمامة و السياسة : ج 1 ص 2ظ 4 ـ 212 ، تاريخ الطبرى : ج 5 ص 3ظ 3 . نيز ، ر . ك : المعجم الكبير : ج 19 ص 356 ح 833

[2] - عيون أخبار الرضا للصدوق، ج2، ص62.

[3] - قال رسول الله صلى الله عليه وآله: "حسين مني وأنا من حسين" كامل الزيارات لابن قولويه، ص116.

[4] – مقتبس من محاضرات اية الله محمد تقي المدرسي


الإمام الحسين عليه السلام وامتحان الاختيار

ساعة الصفرواختيار الطريق

دقائق ولحظات من ساعات التوديع

البعد التربوي لواقعة الطف

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)