• عدد المراجعات :
  • 1757
  • 11/28/2011
  • تاريخ :

معالجة الوسواس

معالجة الوسواس

في الحديث عن الإمام الصادق (عليه السّلام) قال سألته عن الخنّاس قال : «  إنّ إبليس يلتقم القلب ، فأذا ذكر الله خنس ، فلذلك سمّي بالخناس » .

فالطريق الوحيد للتخلّص من وسوسة الشيطان هو عدم الاعتناء بوسوسته ، والاشتغال بذكر الله تعالى بالقلب واللسان ، والرجوع إلى المتعارف في أمر الطهارة والصلاة ، وقد وردت روايات كثيرة تؤكّد على أنّ الشيطان يريد أن يمنع المؤمن من الصلاة وسائر العبادات ، فيوسوس إليه ، ويوهم بطلان عمله ، ويأمره بالاعادة والقضاء ، وإبطال الصلاة إلى أن يقع في الحرج الشديد ، ويصعب عليه العبادات ، فيتركها رأساً ، وقد ينتهي أمره إلى الكفر ، فيفرح الشيطان فرحاً شديداً .

فعلى المؤمن العاقل منع الشيطان من الوصول إلى غرضه ، وذلك بأنّ يتعوّذ منه بالله تعالى ، ولا يعتني بوسوسته ، ويبني على صحّة عمله وعبادته ، ويستمّر في صلاته ، وإن حصل له اليقين ببطلانها ؛ لأنّ ذلك من وسوسة الشيطان .

وأمّا بالنسبة للعقائد : فلا يشغل تفكيره منها أن يقع في التعب الفكري الشديد . نعم لا بأس بأن يقرأ بعض الكتب العقائدية البسيطة : مثل : عقائد الإمامية ، أصول الدين ، أصل الشيعة وأصولها ، وليكثر من قول : «  لا اله إلّا الله » ، و « لاحول ولاقوة إلّابالله العلي العظيم » .

وعن أمير المؤمنين (عليه السّلام) : « إذا وسوس الشيطان إلى أحدكم ، فليتعوّذ بالله وليقل : " آمنت بالله وبرسوله مخلصاً له الدين " ».

منها : الطهارة البدنية  كالدوام على الوضوء والنظافة التامة وكذا نظافة المكان.

ومنها : كثرة قراءة المعوذتين .

ومنها : الدوام على النوافل اليومية بما فيها صلاة الليل ونوافل الظهرين .

ومنها : تقوية تمركز الخاطر ، ويفيد في ذلك الاشتغال ببعض العلوم كالرياضيات والهندسة والمنطق .

ومنها : تقوية الجانب الجدلي لدى القوة العاقلة ، ويفيد في ذلك علم المنطق وعلم الكلام ولو بنحو الاطلاع الثقافي .

ومنها : تهذيب النفس ، ويفيد في ذلك كثرة قراءة كتب الأخلاق .

ومنها : ترفيع مستوى المعرفة ، ويفيد في ذلك كثرة التدبّر والتلاوة للقرآن الكريم وقراءة روايات المعصومين عليهم السلام في باب المعارف ، ككتاب ( أصول الكافي ) و ( توحيد الصدوق) ، ويذكر في معالجته أيضاًكثرة التسبيح والحمد والتكبير والحوقلة : «  لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم » .

وأيضاً كتابة سورة الناس على اناء في ليلة الرابع عشر من الشهر القمري ثم ضع فيه ماءً واشرب منه وتوضأ به .

كأي مرض من الأمراض فإن للوسواس بيئة تساعد على نموه وتكاثره، وفي المجال الديني فإن الطروحات المتشددة والمتزمته للمسائل الدينية، قد تكون أرضية مناسبة لبذرة الوسوسة، وقبل أيام اطلعت على قضية امرأة كانت تعيش وضعاً عادياً في حياتها وأعمالها الدينية، فسافرت للحج، وكان المرشد الديني في الحملة التي التحقت بها، يدقق كثيراً على طريقة أداء الوضوء وأعمال الصلاة، ومن خلال بحثه وتوجيهه واسئلتها له، أكدّ لها أن وضوئها وصلواتها في السنين السابقة مليئة بالأخطاء وأنها باطلة، وأن عليها أن تعيد وتقضي كل عباداتها للفترة الماضية، وهنا تسللت جرثومة المرض إلى نفسها، وما انتهت من رحلة الحج وعادت إلى بلادها، إلا وهي مصابة بحالة من الوسواس، أخذت تنمو عندها وتزداد حتى تحولت حياتها الشخصية والعائلية إلى جحيم، إنها تصرف ساعات لأداء كل فريضة من الفرائض.

وبالطبع هناك تهيؤ في بعض النفوس أكثر من بعض لاستقبال عدوى المرض، لتفاوت درجة المناعة والحصانة. لكن التوجيه الديني يجب أن يأخذ هذا الأمر بعين الاعتبار.

فقد ورد عن رسول الله  أنه قال: «خير دينكم أيسره»[1]  وعنه:«إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق، ولا تكرّهوا عبادة الله إلى عباد الله، فتكونوا كالراكب المنبّت الذي لا سفراً قطع، ولا ظهراً أبقى»[2] .

وفي بعض الأحيان يكون الحرص على الاحتياط في أمور العبادات مدخلاً إلى مرض الوسواس، والاحتياط وإن كان محبباً لما ورد في الحديث عن علي : «أخوك دينك فاحتط لدينك بما شئت»[3]  لكن المبالغة فيه، واحتمال الضرر بالوسواس منه، يجعله في معرض الكراهة أو الحرمة الشرعية، كما ذكر الفقهاء في موضوع الطهارة والنجاسة، يقول السيد اليزدي: (الدهن واللبن والجبن المأخوذ من أهل البوادي محكوم بالطهارة، وإن حصل الظن بنجاستها، بل قد يقال بعدم رجحان الاحتياط بالاجتناب عنها، بل قد يكره، أو يحرم إذا كان في معرض الوسواس)[4] .

الحلّ بيد المريض

قهر مرض الوسواس له طريقة واحدة، هو قرار المريض نفسه وإرادته، بالطبع يحتاج إلى شجاعة كبيرة، وجرأة عظيمة، لكي يقرر عدم الاستجابة للانفعالات الوسواسية داخل نفسه، ورغم صعوبة ذلك لكنه أمر ممكن، وهناك الكثيرون ممن تعافوا من هذا المرض وتجاوزوه، بعد فترة من معاناة التزام العلاج، وما يسببه لهم من توتر نفسي وضغط عصبي، لكنهم بعد ذلك شعروا بحياة جديدة، وسعادة غامرة.

وعلى المحيطين بالمريض والقريبين منه أن يساعدوه في مقاومة هذا المرض الخبيث، ليس بالسخرية منه والتنكيت عليه، وإنما بتشجيعه على برنامج منع الاستجابة، وتذكيره بالمفاهيم المعرفية المساعدة، وأخذ دور المراقبة والإشراف على انضباطه في العلاج. إنه مريض يثير الشفقة وفي مساعدته وإنقاذه أجر وثواب كبير.

المصادر

1 -  العسقلاني: ابن حجر/ فتح الباري ج1 ص127.

2 - الهندي: علي المتقي/ كنز العمال حديث رقم 5377- المجلسي: محمد باقر/ بحار الأنوار ج68 ص212.

3- المجلسي: محمد باقر/ بحار الأنوار ج2 ص258.

4-  اليزدي: السيد محمد كاظم/ العروة الوثقى- فصل طريق ثبوت النجاسة.


تنمية القابليات في باطن الإنسان

القابليات الروحية لدى الإنسان

التربية البدنية من وجهة نظر الإسلام

مناقشة نظرية نسبية الأخلاق

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)