• عدد المراجعات :
  • 510
  • 11/25/2011
  • تاريخ :

مراسم الاحياء الحسيني ومعارضة السلطات الظالمة

مراسم الاحياء الحسيني ومعارضة السلطات الظالمة

في بعد آخر من الأبعاد السياسية والاجتماعية لوظيفة الماتم الحسيني ، نجد ان الإمام الراحل يؤكد دوره التاريخي في تنظيم تيار المعارضة الإسلامية الأصيلة في مواجهة الحكام الأمويين والعباسيين ، ويشير سماحته بدقة ، الى قدرته التنظيمية وبقية الشعائر والتعبوية سياسيا واجتماعيا في تأليف الأقلية الإمامية وتحويلها الى كتلة عضوية ملتحمة وفعالة ، حيث يقول (ره) : ( ان الايام التي صدرت فيها هذه الروايات ( التي تؤكد على احياء ذكرى الحسين ( عليه السلام ) كانت الفرقة الناجية مبتلاة فيها بالحكم الأموي ، ثم وعلى مدى أوسع الحكم العباسي ، وكانت يومئذ جماعة قليلة جدا بالنسبة الى تلك القدرات الكبرى ولكي تنظم هذه الأقلية نشاطاتها السياسية ، فقد أوجدت لها الوسيلة المناسبة لذلك ، المستمدة من منابع الوحي ، وهذه الوسيلة هي تنظيم بحد ذاته لذلك فان ما جاء عن جملة الوحي عليهم السلام في تقرير عظمة هذه المجالس ( الحسينية ) وهذا البكاء ، كان يحث على اجتماع الشيعة على أقليتهم في ذلك الوقت ، وكان الهدف الذي ربما لم يدركه الكثيرون منهم يومذاك هو تنظيم هذه الأقلية إزاء الأكثرية ) (1) .

في الحقيقة لا يمكن إدراك المغزى العميق لما تمثله المراسم الحسينية من قدرات تنظيمية هائلة في رص الصف الشيعي ، وتأليفه في جماعة عضوية متطابقة ، الا بمعرفة الوضع السياسي ، وبشاعة الإرهاب الذي كانت تمارسه السلطة ضدهم واذا كانت التفاصيل هي أمور بعيدة عن حدود هذه الورقة ، فلا باس بلمحات سريعة تكفي لإعطائنا مدلولات عن معاناة الشيعة السياسية والأمنية ، والإمكانات الهائلة التي وفرها يوم سيد الشهداء ( عليه السلام ) ومراسم احياء ذكراه في شد الصف الشيعي وإعادة بناء كتلته الاجتماعية في تنظيم عضوي محكم وعريض .

يكتب احد الدارسين المعاصرين ، عن تاريخ ‌تلك المرحلة ، مشيرا الى معطيات ثورة الحسين ( عليه السلام ) في توسيع وشد جموع شيعة أهل البيت ، فيقول : ( وان الباحث في تاريخ الشيعة في العصر الأموي ليرى ان موقعة كربلاء (سنة 61هـ ) قد وحدت صفوف الشيعة ، وأثارت في نفوسهم الحماسة للأخذ بثار الحسين بن علي كما اذكت مأساة كربلاء روح التشيع بعد ان كان رأيا سياسيا نظريا لم يصل الى قلوب الشيعة ، ولكن التشيع امتزج بعد مقتل الحسين بدمائهم وأصبح عقيدة راسخة في نفوسهم ) (2) .

اما عن طبيعة الإرهاب السياسي والمطاردة الأمنية التي كانت تهدف الى استئصال منهجي لمذهب اهل البيت وأتباعه ، فنعود الى دارس معاصر آخر مارس باسم البحث العلمي الشيعة بيد انه مع ذلك اعترف بضخامة الهجمة الشرسة التي كانوا قد تعرضوا لها من قبل السلطات الحاكمة يومذاك يقول عن بني أمية : ( فبثوا العيون والأرصاد على الشيعة ، واضطهدوهم اضطهادا شنيعا ، فدسوا للحسن حتى طعن بخنجر في جنبه ، ثم قتلوا الحسين في واقعة كربلاء ، ثم تتبعوا أهل البيت يستذلونهم ويمتهنونهم ويقتلونهم ، ويقطعون أيديهم وأرجلهم على الظنة ، وكل من عرف بالتشيع لهم سجنوه أو نهبوا ماله أو هدموا داره ، واشتد بهم الأمر في أيام عبيد الله بن زياد قاتل الحسين ( واتى بعده الحجاج فقتلهم كل قتلة ، وأخذهم بكل ظنة وتهمة ، حتى ان الرجل ليقال له زنديق أو كافر أحب اليه من ان يقال له شيعة علي ) (3) .

اما التاريخ فلا زال يحفظ وثائق كثيرة تكشف عن ان هذا القمع المنهجي المنظم ، كان يصدر من سياسة رسمية عليا تهدف الى استئصال آل البيت وشيعتهم والقضاء عليهم قضاء مبرما .

يكتب المدائني : ( وكتب معاوية الى عماله في جميع الأفاق الا يجيزوا لأحد من شيعة علي وأهل بيته شهادة ) وذكر ايضا ان معاوية كتب الى عماله : ( انظروا الى من قامت عليه البينة انه يحب عليا وأهل بيته فامحوه من الديوان واسقطوا عطاءه ورزقه ) (4) .

وحين دالت الأيام ، ودار الزمن دورته ، وآل الامر الى بني العباس لم يخف الاضطهاد ، بل ازداد وتعمق ، فقتل الشيعة وطوردوا (5) ، حتى قيل :

يا ليت جور بني مروان دام لنا وليت عدل بني العباس في النار .

واذا كان تنكيل بني أمية قد انصب على الشيعة في العراق وبعض المناطق الأخرى ، فان بني العباس مضوا لمواجهة شيعة أهل البيت في جميع الأمصار ، حتى البعيدة عن مركز خلافتهم في بغداد ومحاربة الشيعة أخذت تكتسب في زمن بني العباس طابعا اجتماعيا اعرض مما كان في زمن بني امية ، لذا كانت سياسات السلطة تريد ان تلغي تماما الوجود الاجتماعي للشيعة وتعيد تشكيل المجتمع الإسلامي في إطار انتماء واحد موال لها ، يذكر المقريزي ان المتوكل : ( كتب سنة 236هـ الى مصر بإخراج آل ابي طالب منها ، فاخرجوا وقدموا العراق ، فاخرجوا منها الى المدينة ، ولما مات المتوكل قام بعده ابنه محمد المستنصر [ الذي قام بعده ابنه المنتصر كما هو معروف ] فكتب الى مصر بان لا يقبل علوي ضيعة ، ولا يركب فرسا ، وان يمنعوا من اتخاذ العبيد ومن كان بينه وبين احد من الطالبيين خصومة قبل قول خصمه من سائر الناس فيه ، ولم يطالب ببينة ، وكتب الى العمال بذلك ) (6) .

لقد ظهر بنو العباس وكأنهم أسفوا على ان لا يكونوا شاركوا بني أمية في قتل سيد الشهداء وآل بيته ، فعادوا الى القبر هدموه وحرثوا الأرض من حوله

حتى قال الشاعر بعد هدم المتوكل لقبر الحسين :

تالله ان كانت أمية قد أتت قتل ابن بنت نبيها مظلوما .

فلقد أتاه بنو أبيه بمثله هذا لعمرك قبره مهدوما .

أسفوا على ان لا يكونوا شاركوا في قتله فتتبعوه رميما .

في مثل هذا الجو المثقل بالدم والكراهية والمنهك بالفتك لدماء العلويين والشيعة ، انبثقت مراسم الحسين سيد الشهداء ، لتكون الإطار الذي يلم الجمع ، ويحافظ على الجماعة ، ويشدها في اطار تنظيمي عضوي فعال ، لا يوفر عناصر الصمود للشيعة وحسب ، وانما يدفع بهم لممارسة مسؤوليتهم الشرعية في الحفاظ على الخط الصحيح ، والبقاء في دائرة المعارضة للسلطات الظالمة .

واذا أردنا ان ننظر الى ممارسة السلطات يومذاك ، من منظور لغة التحليل الاجتماعي المعاصر ، فنجد انما كانت تهدف نفسيا وسلوكيا الى ان يعيش الشيعي حالة انفصال بين إيمانه بأهل البيت وانجذابه المعنوي اليهم ( صلوات الله عليهم ) وبين واقع اجتماعي مجاف لهم وكانت تسعى الى ان تعمق حالة الانفصال هذه من خلال شبكة العلاقات الاجتماعية داخل الجماعة نفسها (7) ، بحيث يفتقد الشيعي الحماية النفسية والرصيد السلوكي الذي يمده بالصمود ، داخل مجتمعه الخاص ، كما كان قد افتقدهما في إطار المجتمع العام ، الذي أشاح بوجهه بعيدا عن الولاء العميق لأل البيت بدواعي الخوف من بطش السلطة ، أو الجهل بموقع العترة الطاهرة .

على هذا الأساس جاء يوم الحسين ، والرصيد الذي تنطوي عليه مراسم الاحياء ، ليوفرا ( الطاقة الحيوية ) (8) التي تغني المجتمع الشيعي وتمده بعناصر الصمود وتغذيه بأسباب المقاومة والبقاء في دائرة ممارسة المعارضة ، انطلاقا من كونه كتلة عضوية متماسكة ، وليس مجرد فلول وأفراد منهزمين نفسيا .

يقول الإمام (ره) في نص يشير الى هذا الجانب : ( المنابر هذه والمأتم ومجالس المصيبة التي تتلى والمواكب ، هي التي حفظتنا وأمدتنا بالبقاء ( بوصفنا جماعة ) وهي التي أبقت الإسلام [ فاعلا ] خلال ألف وأربعمائة سنة ) (9) .

اعداد : سيد مرتضى محمدي

القسم العربي – تبيان

المصادر:

1ـ قيام عاشوراء در كلام وپيام امام خمينى ( بالفارسية ) : 9 ، مؤسسة تنظيم ونشر آثار امام خمينى ، الطبعة الثانية .

2ـ تاريخ الإسلام السياسي 2: 2 .

3ـ فجر الإسلام : 274 275 .

4ـ المصدر السابق : 275 .

5ـ يلاحظ: الشيعة في التاريخ : 182 فما بعد،الشيخ محمد حسين الزين ،بيروت 1979، والكتاب يتوفر على رصد وثائقي حي لما عانى منه الشيعة في العهدين الاموي والعباسي .

6ـ خطط المقريزي 4: 153، نقلا عن الشيعة في التاريخ : 205 .

7ـ ميلاد مجتمع : 88 ، مالك بن نبي وتعبير شبكة العلاقات الاجتماعية مقتبس من كتاب ابن نبي هذا .

8ـ المصدر السابق : 100 ، وفقا لتعبير مالك بن نبي .

9ـ قيام عاشورا : 76 .


كيف ما قبلته كأخيه الحسن ؟

تسابق الحسنين

إحياء الموتى بدعائه عليه السلام

قيام رسول الله صلي الله عليه واله وسلم لسقايته عليه السلام

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)