• عدد المراجعات :
  • 1270
  • 11/26/2011
  • تاريخ :

البعد السياسي للبكاء علي الحسين ( عليه السلام )

البعد السياسي للبكاء علی الحسين ( عليه السلام )

يواجهنا الإمام الخميني الراحل بنص يدعو فيه سماحته الى ضرورة التوفر على وعي عميق للعزاء الحسيني ، فيما أداه من دور تاريخي ، وفيما يملك من إمكانات واسعة في الحاضر والإمام الخميني يعتقد ان وعينا الراهن بمجالس العزاء ناقص ، واحيانا منعدم لذلك يدعونا سماحته لإدراك ( عمق قيم مجالس العزاء الحسيني التي يعرف البعض عنها القليل ، وقد لا يعرف البعض الأخر أي شي عنها ) (1) .

واذا كان الإمام الراحل يطالبنا باستئناف وعي عميق للعزاء الحسيني ، ولما لأشكاله المختلفة من دور في الماضي والحاضر والمستقبل ، فانه (ره) يمارس تأسيس خطوط عريضة لهذا الوعي عبر فكره النهضوي النير ، ومن خلال خطاباته وأحاديثه التي أكد فيها على الوظائف السياسية للمتم الحسينية ، حيث ركز على :

ان وراء حث الاحاديث والروايات الإسلامية على بكاء الحسين ( عليه السلام ) ورثائه ، أهدافا أخرى تقف الى جنب الأهداف العبادية والمعنوية يقول الإمام في هذا السياق : ( ان الروايات الواردة إلينا تؤكد على ان مسالة قطرة من الدمع على مظلوم كربلاء لها اهمية كبيرة ، حتى ان بعضها يؤكد على التباكي في هذا المجال ، ويعطيه أهمية ) ثم يضيف (ره) موضحا : ( ان هذا التأكيد ليس لان سيد المظلومين هو بحاجة الى هذا البكاء ، ولا لأنكم تثابون ويثاب المسلمون على ذلك وحسب ، وان كان هذا الثواب موجودا ، وانما هذا الثواب المقدر لكل مجالس العزاء ، لكل مجالس التأبين الحسينية هو لبعدها السياسي إضافة الى أبعادها العبادية والمعنوية ) (2) .

هذا النص وأمثاله للإمام الخميني يعيد مشروعية البكاء ومجمل مراسم الإحياء الحسيني الى نصوص تشريعية فالمسلمون الشيعة حين يبكون سيد الشهداء ( عليه السلام ) فهم يمتثلون امرا شرعيا ويمارسون عبادة تخلف عنها من ليس له حظ من ثواب الاخرة يقول الإمام في نص دال :

( اقيمت مجالس العزاء ، منذ ذلك الوقت بأمر الإمام الصادق ( سلام الله عليه ) ، وبتوصية من أئمة الهدى ( عليهم السلام ) ، ونحن تبع لهم في امتثال الأمر وإقامة مجالس العزاء ) (3) .

والاهم من وضع البكاء ومراسم الاحياء في اطار المشروعية الدينية ، هي إعادة القراءة التي يقدمها الإمام الخميني لدور البكاء وبقية الشعائر ، اذ يرى فيها تعبيرا مكثفا لعمل سياسي مستبصر .

لقد خضعت نظرة الدارسين للتشيع ولعلاقة الشيعة بالحسين السبط الى تحليلات سطحية باردة ، حتى انساق الكثير من الباحثين المحدثين وراء مقولات استشراقية استلهمت أفكارا قديمة ساذجة في التحليل النفسي لسلوك الجماعات وربما كان ابرز هذه الأفكار ، اشهار مقولة ( العقد النفسية ) وعقدة الإحساس بالذنب ، وعقدة الاضطهاد التاريخي ، التي آلت الى (اصطباغ ادبهم [ اي : الشيعة ] بالحزن العميق ، والنوح والبكاء ، وذكرى المصائب والآلام ) كما يكتب احدهم (4) .

لم تقتصر المسالة على تفسير الأدب الشيعي على أساس هذه الأفكار والمقولات الجاهزة المستمدة من تحليلات ساذجة وفجة في علم النفس الكلاسيكي ، بل راحت تفسر مجمل السلوك السياسي والاجتماعي والثقافي للشيعة وفق هذه المقولات وحين آل الأمر الى الدراسات المعاصرة التي انطلقت تحت شعار العقلانية النقدية ( حرفيين في تطبيق المقولات المباشرة في علم النفس الكلاسيكي والتحليل النفسي ففي مثال كاندي أطلق عليه احد الدارسين ( الحفر السيكولوجي ) جاءت نتائج بحثه للشيعة والتشيع أكثر بؤسا وفقرا حتى من دراسات الباحثين التقليديين من عرب ومستشرقين ممن سبقوه في تناول الموضوع (5) .

اذا كانت مقولة العقد النفسية ، وعقدة الإحساس بالذنب ، وعقدة الثار ، وعقدة الاضطهاد التاريخي ( وغيرها ) تقدم فرضيات محتملة لتفسير سلوك إنسان غير سوي ، أو مجموعة من الافراد الشواذ ، فإنها بالتأكيد لا تقوى على تفسير سلوك طائفة يبلغ عدد نفوسها الان ربع مجموع المسلمين ، مع كل ما يحفل به تاريخها الاجتماعي والثقافي والسياسي من ثراء وتعقيد بيد انها على اية حال ، عقدة انبهار بعض الدارسين بالمناهج الغربية الجاهزة ، وسطحية استعارتهم لمقولاتها ثم ان قضية مثل قضية مراسم الحسين ( عليه السلام ) بلغت من الديمومة والثبات قرونا متمادية ، تناى عن مثل هذه التحليلات الساذجة والمباشرة ،وتخضع في جانبها العبادي الى امتثال لنصوص شرعية ، وفي جانبها الاجتماعي والسياسي والحركي الى تخطيط دقيق وواع .

يعود الإمام الخميني الى الجانب السياسي للبكاء من خلال واقعة جديدة ترتبط هذه المرة بحياة الإمام محمد الباقر ( عليه السلام ) اذ أوصى ( أو استأجر ) من يقوم بالنياحة والبكاء عليه بعد موته ، ولكن في منى ، حيث يجتمع الحجاج من جميع أمصار المسلمين ، وليس في بيته أو في مسجد معين مثلا يقف الإمام الراحل مع هذه الحادثة ليسجل أولا ان الإمام الباقر ( سلام الله عليه ) لم يكن بحاجة الى هذا البكاء ، ولا يعود عليه بالنفع الشخصي ( وانما كان يرى فيه بعدا سياسيا ، ففي منى كانت الناس تجتمع من كافة الاقطار ، وعندما يرون انسانا أو مجموعة جلست لبكاء الإمام (الباقر) والنياحة عليه وذكر ما أصابه من ظلم من [ الجهاز الحاكم ] أدى الى استشهاده ، فان ذلك سيقود الى انبعاث موج يعم أرجاء الدنيا ، ( من خلال أولئك الحجاج ) (6) .

بديهي ان تصور البعد السياسي للبكاء ، ولمجمل مراسم الإحياء الحسيني ، لا يمكن ان تأتي على صورة متكاملة ، الا بمعرفة الأوضاع التاريخية لتلك العصور ، وتلمس حالة الخوف والإرهاب الشديدين ، والبطش المطلق بكل ما يمت بصلة الى الشيعة والتشيع ، كما سيشير الإمام الخميني لذلك في مكان لاحق .

فعن الموقف الذي كان يحيط إنشاد الشعر مثلا ، كون الشعر احد أدوات الاحياء ، يكتب باحث معاصر : ( كان اكتشاف موقف موال لائمة أهل البيت من خلال شعر شاعر أو تأليف كاتب خليقا بان يؤدي بصاحبه الى الموت على أيدي رجال السلطة ، أو إلى التشريد والمطاردة ، والسجن والمصادرة كل ذلك بسبب ان الموقف الشعري لم يكن يعني في الماضي موقفا ذهنيا وعاطفيا فقط ،وإنما كان يعني موقفا سياسيا ايضا ) (7) .

وقد أجاد الباحث نفسه في الكشف عن اثر البكاء في توفير رباط عاطفي يغذي الشيعة بطاقة لا تنفد لمواجهة الاضطهاد السياسي العنيف الذي دام قرونا بعد قرون ، ويمدهم بأسباب الصمود والبقاء على وحدة الجماعة وانسجامها الاجتماعي فلو لا البكاء وبقية أشكال الاحياء الأخرى ، لكاد : ( الاضطهاد الذي لا يتورع عن شي ، ان يحطم التماسك عند الجماهير ) (8) .

لقد كان الشيعة أقلية اجتماعية وسياسية في الوسط الإسلامي ، ثم آل الأمر بعد ذلك ان يتحول التشيع الى تيار عريض بفضل يوم الحسين ولا ريب ان احد ابرز العوامل المؤثرة في ذلك هو التخطيط الواعي المستبصر لمراسم الاحياء في أشكالها المختلفة من بكاء ونياحة وشعر ومأتم وزيارة فكل هذه الشعائر التعبيرية كانت نموذج حماسة ، ترتبط بأهداف سياسية واجتماعية كبيرة .

ينبه الى هذا الجانب احد الدارسين ، فيكتب : ( كان لمقتل الحسين في ارض كربلاء التي أصبحت ملطخة بدمائه ودما أهل بيته ، اثر بعيد في إذكاء نار التشيع في نفوس الشيعة وتوحيد صفوفهم ، وكانوا قبل ذلك متفرقي الكلمة مشتتي الأهواء ، اذ كان التشيع قبل مقتله رايا سياسيا نظريا لم يصل الى قلوب الشيعة فلما قتل الحسين امتزج التشيع بدمائهم وتغلغل في أعماق قلوبهم وأصبح عقيدة راسخة في نفوسهم ) (9) .

ومع كل ما يمكن ان نلاحظه على النص ، فان ما يعنينا فيه اشارته الى تحول التشيع الى قاعدة عريضة متماسكة في حيزها الاجتماعي والسلوكي ، وفي بعدها السياسي ومن الواضح ان هذا التحول لم يترتب عفويا على يوم الحسين ( عليه السلام ) وانما كان لتوجيه الأئمة من بعده ، ومن جملته تخطيطهم لمراسم الاحياء ، دوره في إبراز هذه المعطيات .

اعداد : سيد مرتضى محمدي

القسم العربي – تبيان

المصادر:

1ـ قيام عاشوراء در كلام وپيام امام خمينى ( بالفارسية ) : 8 ، مؤسسة تنظيم ونشر آثار امام خمينى ، الطبعة الثانية .

2ـ المصدر السابق : 8 9 .

3ـ المصدر السابق : 6 .

4ـ فجر الإسلام : 275 ، احمد امين ، ط10 بيروت .

5ـ العقل السياسي العربي محدداته وتجلياته : 274، د محمد عابد الجابري ، ط1 بيروت 1990 ، وقبلها وبعدها ويلاحظ نقد محمود امين العالم لتطبيق الجابري مفهوم الحفر السيكولوجي اثنا مناقشته لمنهج الكتاب في مجلة المستقبل العربي ، العدد 140 : 123 والاهم من ذلك في الرد على الجابري ، هو ما كتبه د علي كريم سعيد في كتابه : أصول الضعف ، دراسة في الميل العربي المشترك : 59 فما بعد .

6ـ قيام عاشورا : 10 11 .

7ـ ثورة الحسين في الوجدان الشيعي : 144 .

8ـ المصدر السابق : 323 .

9ـ تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي 1: 399، د حسن ابراهيم حسن ، ط7بيروت .


كيف ما قبلته كأخيه الحسن ؟

تسابق الحسنين

إحياء الموتى بدعائه عليه السلام

قيام رسول الله صلي الله عليه واله وسلم لسقايته عليه السلام

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)