• عدد المراجعات :
  • 536
  • 11/25/2011
  • تاريخ :

المضمون الإعلامي لمراسم الاحياء الحسيني

المضمون الإعلامي لمراسم الاحياء الحسيني

تعد الكلمة منذ وضع اللغة وتداولها واحدة من العوامل الدائمة للتواصل أيا كانت أهدافه وفي إطار التبليغ والدعوة ، احتلت الكلمة في الإسلام ، بمختلف أشكالها التعبيرية والأدائية ، مكانة مرموقة وثابتة .

فالى جوار الخطب التي مورست من قبل الرسول الأكرم ( صلى الله عليه واله ) منذ صدر الإسلام الأول ، انبثق المنبر الحسيني ليشكل اداة توصيلية هائلة التاثير في ممارسة الدعوة والتبليغ ، وسائر المهام السياسية والاجتماعية .

وواحدة من ابرز مزايا المنبر ان الخطيب ينهض بدوره من خلال الصوت الإنساني ، ويباشر الجمهور وجها لوجه و( الصوت الانساني يضفي على الموضوع حياة وحضورا لا يتوفران في نص مطبوع ، وهما يقويانه بصورة كبيرة جدا ) (1) .

وعليه يبقى للمنبر دوره الدائم الذي يمارسه في كل عصر ومهما بلغ التقدم في وسائل الإعلام وأجهزة الاتصال ، فان المنبر يستطيع ان يحتفظ بتأثيره على الدوام (2) وحين يرتبط المنبر في البيئة الإسلامية ، بقضية مقدسة كقضية الحسين ( عليه السلام ) بما لها من قيمة رمزية وطاقة تعبوية هائلة ،بالإضافة الى ما تتحلى به من مشروعية في النصوص التأسيسية عقيدية وتشريعية ، فلا يمكن ان يضمحل دوره في حياة المسلمين العامة ابدا ، وفي حياة شيعة أهل البيت خاصة .

الخلفية العقيدية والتشريعية للمأتم ( الذي يمارسه المنبر ) وثراء المحتوى ، وكثافة الرمز ، وفرادة واقعة الطف ، وتميز يوم الحسين ( لا يوم كيومك يا أبا عبد الله ) جمالية الصوت والرقة في أداء المصيبة ، والشعر المتجدد ابد الدهور المتدفق بزخم جرح الحسين ، كل هذه العوامل وغيرها تمنح المنبر الحسيني خصوصية تزيد من دوره الثقافي والاجتماعي والسياسي ، على مر الايام ، من دون ان يكون ثم مسوغ للخوف عليه من تطور وسائل الإعلام المعاصرة ، وتعقد تقنياتها.

واذا أحسنا التعاطي مع معطيات عصرنا ، وتوفرت لنا الفرصة المناسبة لذلك فان عوامل التقدم في وسائل الإعلام ، يمكن ان تعود لتخدم المنبر بشكل واسع ، بما تهي له من ارضية للامتداد والتأثير .

فأجهزة الإذاعة والتلفزة في تجربة الجمهورية الإسلامية خاصة ( وتجربة الفيديو في بعض مناطق المسلمين ) هي أدلة إثبات على إمكان ان تخدم هذه الوسائل المنبر الحسيني ، من دون ان تلغيه .

ودراسات بعض الباحثين ، في الوقت الذي سجلت نجاح استخدام التلفزة ، الا انها أشارت الى استمرار قوة المنبر عبر الشرائط المسجلة يكتب احد هؤلاء حديثا : ( تستخدم التلفزة بنجاح كبير ، من قبل رجال الدين منذ قيام الثورة ولكن ، لا الإذاعة ولا التلفزة تستطيعان ، ان تنافسا الشرائط المسجلة التي تتيح استنساخ كل المحاضرات والخطب والمواعظ التي يختارها السامع ويستطيع ان يعيد تسجيلها بوسائل تقنية بسيطة وبفضل الشرائط المسجلة لاقى الكثير من المواعظ والخطب انتشارا جماهيريا واسعا ) (3) .

واذا كان الفكر الإسلامي لم يحقق شيئا ملموسا على صعيد بناء نظرية بقواعد واضحة حول التبليغ والدعوة والإعلام في المجال الإسلامي ، وكيفية الدعاية المضادة وموجها المتدفق بعنف الى ديار المسلمين ، فان المنبر الحسيني يوفر موقعا ممتازا للإسلاميين يختزن دون ان يلغي الوسائل الأخرى أو يكون بديلا لها اغلب الاصول التي تتحدث عنها المدرسة الوضعية في ممارسة الإعلام السياسي الناجح (4) .

من المؤكد ان الإمام الخميني ينظر الى المنبر الحسيني في إطار دوره الشامل للأبعاد كافة ولكن طالما كنا نتحدث عن البعد السياسي لمراسم الإحياء الحسيني والمنبر من بينها في ضوء الفهم الذي أسس الإمام الراحل لخطوطه العريضة ، فلا بد للمنبر اذن ، من ان يؤدي فيما يؤدي من وظائف اخرى ، وظيفته السياسية .

واضطلاع المنبر بأداء هذه المهمة ، يأتي من زاوية تعبير المنبر عما تكتنزه ثورة السبط الشهيد من محتوى سياسي ، وكذلك ما تضمه مراسم الاحياء من مضمون على هذا الصعيد ولذلك فهذه ليست دعوة الى تأسيس المنبر الحسيني بالمعنى الذي تذهب اليه التحليلات الوضعية التي اشرنا الى بعضها سابقا بحيث يتحول المنبر الى أداة في لعبة السياسية الوضعية ، ويخدم اتجاهات اجتماعية وسياسية غير إسلامية وإنما دعوة الإمام هي ابتعاث للجانب السياسي الموجود في المنبر أصلا ، والمخطط له منذ البداية .

وتفعيل البعد السياسي في المنبر ، كما يرتبط من جهة باستحضار المبادئ التي ثار الحسين من اجلها ، فهو يتصل من جهة ثانية بواقع المسلمين في كل عصر .

من هنا التجدد الهائل في محتوى المنبر ، وقدرته الكبيرة على مواكبة عصره في كل وقت ، ومتابعة المشكلات التي تكتنف المجتمع الذي يمارس الخطيب عمله فيه صحيح ان صورة المنبر الحسيني لا ترتقي مع كل خطيب يعتلي أعواده الى هذا المستوى المرموق ، بيد ان الصحيح ايضا ان هذه الحالات المتدنية محكومة بالتخلف عن الصورة المثالية للمنبر ، وعلى خطبائها ان يبذلوا جهدهم للارتقاء بمنابرهم (5) .

يقول الإمام الخميني بصدد بلورة وتحديد وظائف خطبا المنبر الحسيني ( في ايران كنموذج ) وذلك من خلال بيان مكتوب أصدره سماحته لهم : ( على الخطباء المحترمين وأصحاب المنابر ان يدعوا الناس الى وحدة الكلمة وادامة الثورة ، والتقوى والصبر الثوري ) ثم يضيف سماحته مواصلا : ( وبذكر جهاد سيد المظلومين ( الإمام الحسين ( عليه السلام ) والمصائب التي نزلت به ، يدعو ( الخطيب ) الناس الى الجهاد حتى النصر النهائي ، والوصول الى الحكومة الإسلامية في كل أبعادها ) (6) .

هذا الطريق للمنبر الحسيني لا يعطي ضمانة للحياة الإسلامية الراهنة وحسب ، بل يمنح ضمانة أيضا للاستمرار على الخط الإسلامي مستقبلا ، حيث يقول الإمام في ذلك : ( ان ذكر جهاد وتضحيات مجاهدي الإسلام الأوائل ، لا يحافظ على الإسلام اليوم فقط ، بل ويحافظ على حياة الإسلام الى الأبد ) (7) .

عن وظيفة المنبر في المواكبة يحث الإمام الخطيب على ان يكون منبره في صميم الأحداث الجارية وقلبها ( في هذه الاجتماعات ( المأتم ) التي تتم في شهري محرم وصفر ، وفي سائر الأوقات الأخرى ، يجب على المبلغين الأعزاء والعلماء الأعلام والخطباء الأجلاء ان يتحدثوا عن قضايا اليوم ، من مسائل سياسية ، واجتماعية ،وان يعينوا للناس تكليفهم ، في مثل هذا العصر الذي ابتلينا به ، بكل هؤلاء الأعداء ) (8) .

هذا التوجيه من الإمام ، لم يكن توجيها نظريا مجردا وحسب ، وإنما هو بلورة وصياغة نظرية لما هو عليه المنبر الحسيني عمليا في جزء مهم من مدرسته في إيران ، وبلاد المسلمين الأخرى ، حيث عرف الخطيب والمنبري كيف ينهض بمسؤوليته إزاء الأمة على هذا الصعيد .

لقد كان المنبر الحسيني ومجالس العزاء في إيران كمثال : ( تقف إمام الحكومات المتسلطة التي كانت تهدف الى محو الإسلام من الأساس ، والى ابادة علماء الدين ) (9) .

ودور المنبر الحسيني في التحريض والإفشاء السياسي يخدم جميع الفئات الاجتماعية ، خصوصا الفئات الأمية المحرومة ، والعاملة التي انهكها العمل اليومي ولا مجال لها في بناء وعيها السياسي من خلال المطالعة والدرس والتأمل فالمنبر يتماس مع قاعدة جماهيرية عريضة ، ويوفر للمحرومين والمستضعفين وسواد المجتمع روافد وعي سياسي اجتماعي ثري ، وفي الوقت نفسه لا يحرم من استقطاب الفئات المفكرة والمتعلمة والمثقفة اذا قدر للخطيب ان ينهض بمنبره الى مستوى مجتمعه .

وحين نقول ان المنبر يمارس دوره في التحريض والإفشاء السياسي (10) ، لا نعني انه يمارس دعاية سطحية تهدف الى تحفيز نفسية الجماهير وتهييجها ، وبناء كتلة شعبية مندفعة لا يقوم سلوكها على أسس شرعية وموضوعية ( عقلانية ) واضحة ، كما تذهب لذلك بعض الاتجاهات في علم النفس الاجتماعي ، وهي تدرس نفسية ( سايكولوجية ) الجماهير في ضوء فرضياتها الخطيرة (11) .

وإنما يهدف المنبر الحسيني ، الى ان يمارس من خلال محتواه ، تربية سياسية ، تستند الى الحسين إماما عادلا ورمزا لمواجهة الظلم ومجابهة الطغيان ، وعلامة كبيرة وضاءة على ممارسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لإصلاح الأمة ثم تنضم العناصر الأخرى ، من حاجة المجتمع الى بنا وعيه السياسي ، ومواجهة أوضاعه في كل عصر .

وبهذا يختلف الجمهور الحسيني الذي يصنع برعاية المنبر وبقية الشعائر الأخرى ، عن ظاهرة الجمهور الهائج غير العقلاني ، وذي النزعة التخريبية الذي تتحدث عنه الدراسات الحديثة وأقدمها دراسة غوستاف لوبون (12) .

من هذه الزاوية بالذات ، يسجل الإمام للمنبر الحسيني ومجالس العزاء الأخرى دورها في العمل السياسي داخل المجتمع الإيراني كمثال فالمنبر ومجالس العزاء والمواكب ، هي التي صنعت وفجرت انتفاضة 15 خرداد ( عام 1936م ) في ايران ، هذه الانتفاضة التي يعتز بها الإمام الراحل كثيرا ، كونها شكلت الأساس للانتصار الإسلامي الشامل في شباط 1979م وفي ذلك يقول (ره) : (

لا تحسبوا انه كان بالإمكان ان تحدث انتفاضة الخامس عشر من خرداد ، يوم بداية المواجهة الحاسمة مع النظام المقبور ، لو لم تكن مجالس العزاء هذه ، ومواكب العزاء الحسيني ، اذ لم تكن ثمة قدرة تستطيع صنع انتفاضة 15/ خرداد ، بذلك الشكل الذي صنعته دماء سيد الشهداء

والمنبر الحسيني ، كان له الدور الفاعل في انتصار الثورة الإسلامية في شباط/ 1979، من خلال تعاضد معطيات مراسم الاحياء الأخرى ، ويكفي ان الثورة قد اشتهرت بأنها ثورة المنبر والعمامة والكاسيت ، وكلنا يذكر دور مسيرة تاسوعاء وعاشوراء ، في عطف مسار الثورة نحو الانتصار .

الإمام يؤكد باستمرار أهمية مراسم الاحياء الحسيني وقودها الى الانتصار : ( لو لم تكن مجالس الوعظ والخطابة ومواكب العزاء ومجالس المأتم هذه ، لما كان بلدنا قد انتصر ) ثم يضيف سماحته الى ان الانتصار قد تم تحت راية الحسين : ( لقد نهض الجميع تحت راية الإمام الحسين سلام الله عليه ) (14) .

وفي مكان آخر يقول (ره) : ( ان الانفجار [ الذي شهده المجتمع الايراني وقاده الى الانتصار ] قد تم ببركة المجالس الحسينية التي عمت البلد ، فقد استطاعت ان تجمع كافة الناس حول بعضهم بعضا ، وتسوقهم نحو نقطة واحدة ) (15) .

لقد مضى المنبر الحسيني يمارس دوره في بناء الداخل ومواجهة التحديات التي داهمت الثورة الإسلامية بعد الانتصار ، وقد برز دور المنبر والمأتم الحسيني مميزا وضاء في تصليب الجبهة الداخلية ، وشد صفوف المقاتلين المجاهدين في جبهات القتال ، اثنا مواجهة عدوان السنوات الثمان .

وفي خلاصة قول ، في قيمة المنبر الحسيني وثمرته ، يخلص الإمام الراحل لتقدير هذه الحقيقة : ( لم يكن بإمكان أية قدرة إحباط جميع المؤامرات التي حاكتها القوى الكبرى ضد هذا الشعب ، الذي أصبح هدفا للهجوم من كل الجبهات غير قدرة مجالس العزاء هذه ) (16) .

اعداد : سيد مرتضى محمدي

القسم العربي – تبيان

 المصادر:

1ـ تقنيات الاقناع في الاعلام الجماهيري : 53 ، ترجمة وإعداد د فريال مهنا، دمشق 1989 .

2ـ ينظر : رجال الدين والخطاب الديني ، المثقف والمناضل في الإسلام المعاصر ، مصدر سابق : 28 .

3ـ المثقف والمناضل في الإسلام المعاصر: 32 .

4ـ تلاحظ كمثال الأصول المذكورة لممارسة الدعاية السياسية في تقنيات الاقناع ، مصدر سابق : 55 57 ، وكيف ان المنبر يمثل احد البدائل الناجحة في خدمة اهداف الإسلاميين في الدعوة والتبليغ وصد موج الدعاية المضادة .

5ـ يلاحظ التحليل الذي يسوقه شمس الدين لأطوار المنبر الحسيني ، وما يترسمه من آفاق لدوره في الحاضر ، ثورة الحسين في الوجدان الشعبي : 249 فما بعد وكذلك تلاحظ أشارات موجزة في : المواكب الحسينية مدارس ومعسكرات : 32، 41 ، ابو الحسن النقوي ، حيث يشير المؤلف الى مسؤولية الحوزة في ممارسة إصلاح بعض السلبيات في المسار الشعائري .

6ـ توجيهات الامام الخميني الى المسلمين ، مجموعة خطابات الامام الخميني بالعربية : 88 ، وزارة الارشاد الإسلامي ، طهران 1403هـ .

7ـ المصدر السابق : 88 .

8ـ قيام عاشورا : 18 .

9ـ المصدر السابق : 9 .

10ـ مصطلح استخدمه لينين وأراد له ان يكون وسيلة لمعادلة وعي العامل الذي لا يقرا الكتاب بباعث الأمية أو الانشغال يلاحظ : الدعاية اللينينية ، تقنيات الاقناع ، مصدر سابق : 43 .

11ـ تشتهر على هذا الصعيد فرضيات غوستاف لوبون حول عدم عقلانية الجماهير وميلها الى العدوانية والتخريب ، يلاحظ على سبيل المثال : سيكولوجية الجماهير 125 ـ 161 وآماكن أخرى ، غوستاف لوبون ، دار الساقي ( الترجمة العربية ) .

12ـ ينظر : النظريات الغربية الخاصة بالسلوك الجمعي ونقدها، في : الابعاد الاجتماعية لفريضة الحج : 37 فما بعد ، د زهير الاعرجي قم 1415هـ .

13ـ قيام عاشورا : 11 .

14ـ المصدر السابق : 18 .

15ـ المصدر السابق : 13 .

16ـ المصدر السابق : 11 .


كيف ما قبلته كأخيه الحسن ؟

تسابق الحسنين

إحياء الموتى بدعائه عليه السلام

قيام رسول الله صلي الله عليه واله وسلم لسقايته عليه السلام

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)